قبل أربعة أشهر، في شدة كورونا لما أصابتنا، ما كنت أظن أن نوفمبر سيأتي لأعيش الذكرى، بل كنت متهيئا للقائها هناك، في البرزخ، ولكنه قضاء الله وقدره، يؤجل الله اللقاء ، ويأتي نوفمبر ليذكرني بما كان قبل 33 سنة، بما حدث في مثل هذه الأيام من سنة 1988، يذكرني بذاك الفراق، فراق من أحببتها، عشقتها، هِمت بها، أخذت مني جوارحي وجوانحي، ملأت عليّ الدنيا حاضرة وغائبة، ينساب إليَّ طيفها في يقظتي وسهادي، في غفلتي وانتباهي، في حِلِّي وترحالي، رافقتني في حياتها، مربية، معلمة، موجهة، مواسية، مشجعة، داعمة، ولا تزال ترافقني بعد مماتها، استشعر روحها، مع روح سيدي عمار، في كل أوقاتي، أكاد أجزم أنهما لم يفارقاني مذ فارقاني، حين أُوَّفَّق لعمل خير أخاطبهما : بأن ذاك حسنة من حسناتهما وذاك بعض حصاد زرعهما، وحين أهُمّ بسوء أو ترنو نفسي إلى شيء من الشهوات المحرمة يتجليان لي، كتجلي يعقوب ليوسف، ليس خيالا أو أشباحا، بل أطيافا كأنهما واقع أكاد ألمسهما يأتيني صوتهما منبها ومحذرا، زاجرا وناهيا، فتجدني استحي من روحيهما كأنهما أمامي فأتراجع عن ذلك وأنا كلي أمل أن يفرحا في قبريهما عسى أن نفرح باللقاء هناك .
قبل أربعة أشهر، في شدة كورونا لما أصابتنا، ما كنت أظن أن نوفمبر سيأتي لأعيش الذكرى، بل كنت متهيئا للقائها هناك، في البرزخ، ولكنه قضاء الله وقدره، يؤجل الله اللقاء ، ويأتي نوفمبر ليذكرني بما كان قبل 33 سنة، بما حدث في مثل هذه الأيام من سنة 1988، يذكرني بذاك الفراق، فراق من أحببتها، عشقتها، هِمت بها، أخذت مني جوارحي وجوانحي، ملأت عليّ الدنيا حاضرة وغائبة، ينساب إليَّ طيفها في يقظتي وسهادي، في غفلتي وانتباهي، في حِلِّي وترحالي، رافقتني في حياتها، مربية، معلمة، موجهة، مواسية، مشجعة، داعمة، ولا تزال ترافقني بعد مماتها، استشعر روحها، مع روح سيدي عمار، في كل أوقاتي، أكاد أجزم أنهما لم يفارقاني مذ فارقاني، حين أُوَّفَّق لعمل خير أخاطبهما : بأن ذاك حسنة من حسناتهما وذاك بعض حصاد زرعهما، وحين أهُمّ بسوء أو ترنو نفسي إلى شيء من الشهوات المحرمة يتجليان لي، كتجلي يعقوب ليوسف، ليس خيالا أو أشباحا، بل أطيافا كأنهما واقع أكاد ألمسهما يأتيني صوتهما منبها ومحذرا، زاجرا وناهيا، فتجدني استحي من روحيهما كأنهما أمامي فأتراجع عن ذلك وأنا كلي أمل أن يفرحا في قبريهما عسى أن نفرح باللقاء هناك .
استرجع اليوم ذكراها ككل سنة، وقد تجاوز عمري الآن عمرها حين فارقتنا، ولكنني دائما ذاك الطفل الذي يحس لمساتها، يصغي لهمساتها، يتشمم ريحها، يشتاق لبسماتها، يسترجع ذوق طعامها.
كتبت عنها السنة الماضية في هذا الفضاء بعض سيرتها واليوم أعود فأنشره أترككم مع ما كتبت في السنة الماضية عن والدتي رحمها الله، ببعض التصرف، كتبت قائلا :
(( إنتقلت إلى رحمة الله الوالدة الكريمة والأم الرؤوم والصدر الحنون، جميلة بنت المكي سلوم، بعد أن قدمت لهذا الوجود 12 ولدا، 8 إناث و 4 ذكور، احتسبت لله 2 ذكرا وأنثى، سبقاها إلى دار الخلود، و 10 الباقين رَعَتْهم بكل ما تملك من دين وأخلاق وتضحية ووفاء، غادرت هذه الحياة ولم تبلغ الستين سنة، غادرتها لما استوت الامور في عائلتها الصغيرة، غادرتها بعدما بدأت أمورنا تتحسن وأصبح فينا المعلم والاستاذ والدكتور والطالب الجامعي والتلميذ الثانوي والتلميذ المتوسط والتلميذ الابتدائي، كأنها قالت لنا : ما قدمته من جهد وتعب وصبر لن تستطيعوا أن توفوني حقه فإنني ذاهبة إلى من عنده الأجر العظيم إلى صاحب الخزائن التي لا تفرغ ولا تنضب، هكذا فهمت فراق أمي لنا وهي في أوج صحتها وشبابها.
لم نكن قد شبعنا منها، ولم نكن قد ارتوينا من زلالها.
فإلى أبنائها وأحفادها الذين يتجاوز عددهم الآن 160، وإلى إخوتها وأخواتها وأبنائهم وأحفادهم الذين يتجاوز عددهم 350، وإلى جيرانها في مختلف الاماكن التي مرت بها في سكناها، وإلى كل من يعرفها أو لا يعرفها أسوق هذه النبذة عن حياتها :
هي السيدة جميلة( فاطمة ) بنت المكي سلوم، أطلق عليها أبوها إسمين ( جميلة وفاطمة، ولكل إنسان جزء من إسمه فقد كانت جميلة الخَلق والخُلُق، كما نالت من فاطمة البتول بعض صفاتها من حياء وأدب ) من مواليد سنة 1934 بدوار أولاد محلة بقصر الأبطال ولاية سطيف، أبوها المكي سلوم تاجر الاقمشة المعروف بصدقه وأمانته في ولايات سطيف والبرج وبسكرة والمسيلة وبجاية وقسنطينة، قبل الثورة وبعدها، حيث كان يرتاد أسواق بلدياتها الاسبوعية ، وأمها صغير حدة، وهي الثالثة في ترتيب إخوتها، توفيت أمها عند الولادة بسي الذوادي رحمه الله، وهي في السادسة من عمرها، فبقيت جميلة مع أختها بهيجة وأخوهم لخضر يرعون أخويهما رشيدة والذوادي الاخ الاخير، فعاشت يتيمة الأم مع أب كثير الترحال لطلب الرزق، عند بلوغها 16 سنة خطبها الحاج الضيف سماري لابنه سي عمار، فانتقلت إلى البيت العامرة، حيث زاوية الحاج الضيف معلم القرآن ومفتي المنطقة والمرجع الذي يتحاكم إليه، بالاضافة إلى الفلاحة التي كانت هي المصدر الاساسي للاسترزاق، إذ أن الحاج الضيف بعد نزول والده موسى من أولاد تبان استقر في منطقة أولاد بوكثير ولاية سطيف واشترى مع إخوته أراضي بالمنطقة وبدأ مع إخوته وأبنائه يشتغلون فيها، فها هي الشابة اليتيمة تجد نفسها في بيت كبير يؤمه خلق كثير من كهول وشيوخ وشباب، رجالا ونساء، طلبة العلم، مستفتين، متخاصمين، تجار لتبادل السلع، عمال، بالاضافة إلى الجلسات التي كانت بين رجال المنطقة من أمثال الشيخ عبدالرحمن يحي الشريف بن بيبي والشيخ بلعيساوي والشيخ بلقبايلي والشيخ رحال والشيخ محمد رزاقي والشيخ الخوجة وغيرهم ممن كانوا أصدقاء ذاك الزمان، فكانوا يغيرون أماكن لقياهم يتدارسون أوضاع البلد ومستقبل أبنائهم حريصين على حفظ الدين تحت حكم المستدمر الفرنسي، بالاضافة الى النساء اللواتي كن يأتين إلى العجوز الحناشية مسعودة والدة زوجها فكانت حكيمة المنطقة ومربية النشأ، فعاشت سيدتنا بداية زواجها في هذا البيت، تخدم، تربي، تتعلم، وتحفظ ما تيسر منا أسمع من قرآن وأحاديث وأخبار، ولكن ، بعد خمس سنوات من زواجها، انطلقت ثورة التحرير المجيدة، فما كان لعائلتيها الاولى ( والدها وأبنائه ) والثانية ( أبو زوجها وأبنائه ) أن تتأخر عن هذا الحدث الجلل، فمنهم المجاهد بالسلاح ومنهم الفدائي ومنهم المسبل ومنهم حامل الخطابات ومن النساء من تعد الطعام والمؤونة للمجاهدين حين يمروا بالمنطقة ، وتنقلب الحياة الرتيبة في خدمة أهل القرآن والعمال والزوار إلى تطورات يومية وتغير في كل شيء، وخاصة بعد أن أستشهد أخو زوجها (سي اخضر سماري بن الحاج الضيف ) وحكم على أخيها سي الذوادي بالاعدام وبدأت مطاردة زوجها سي عمار، وأبو زوجها الحاج الضيف، وبدأت فرنسا بالانتقام من العائلة فأتلفت الزرع وقتلت المواشي وهدمت البيوت واستمر ذلك إلى غاية الاستقلال، سبع سنوات ونصف عاشتهم المجاهدة جميلة، مثل كل حرائر الجزائر، خبزت نقلت الرسائل دفعت جنود الاحتلال، وتغنت بالثورة تغنت بأخيها المطارد وتغنت بأخي زوجها الشهيد وتغنت بالحرية، فلما بزغ فجر الاستقلال ها هي تحمل مع زوجها وأبنائهما الخمسة متاعهم، وأي متاع، إلى أقرب مدينة، إلى رأس الوادي، حيث كان لزوجها علاقة طيبة مع الشيخ بلعيساوي وأبنائه، وفي هذه المدينة رزقت بالابناء الآخرين، وتبدأ رحلة جديدة في الحياة، تربية الابناء، ومرافقة الزوج في عمله في تعليم القرآن وتأسيس جامع طوملة، رغم أن أباها من الميسورين وإخوتها كذلك وأبو زوجها من الميسورين، إلا أنها عاشت حياة أبسط من البساطة، فكانت تخيط الالبسة وتربي الدجاج وتقوم على شأن حديقة البيت التي كانت توفر لها ما تستهلكه البصل والبطاطا والجزر وبعض الخضراوات، سهرت مع زوجها على ضرورة تعليم الابناء فأدخلوهم جميعا إلى المدرسة الرسمية بالاضافة إلى تعلم القرآن في الجامع عند الوالد، واستمرت الحياة العادية، عاشت بعد الاستقلال مع زوجها آلاما كثيرة لعل أولها حين فقدا إبنهما نور الدين رحمه الله 1966، وحين فقدت أبا زوجها الحاج الضيف رحمه الله1972 وحين فقدت أباها الحاج المكي رحمه الله1981، ومن آلامها ألَمَان لن أنساهما الاول1970 لما نجح إبنهما عبدالقادر ( جمال ) في شهادة التعليم الابتدائي للمرور الى المتوسط، لم تكن برأس الوادي متوسطة، فسعى الاولياء إلى فتح قسمين في إحدى المدارس وطلب من كل تلميذ 12000 سنتيم ثمن الكرسي والطاولة لم يكن بحوزتهما المبلغ فمرت بهما ليالي وأيام صعاب لتحصيل المبلغ، والثاني لما أرادا إدخال إبنهما البكر الميلود مدرسة تكوين المعلمين بقجال 1972 وطلب منهم 34000 سنتيم ولم يكن بحوزتهم هذا المبلغ فلقد مرت بهما( جميلة وسي عمار ) ليالي عصيبة لتجميع المبلغ كنا صغارا ولكننا كنا نسمع ونرى ما بهما من تعب وعنت وألم، ألم آخر كان يعتصر قلبها لسنوات حين تزوجت أختي الكبيرة عائشة وانتقلت إلى فرنسا بقيت تبكيها لسنوات إلى غاية يوم زواجي، 26 ماي 1984، كنت طالبا في فرنسا أخذتها معي، لا يمكن تخيل فرحتها حين إلتقت بأختي في مطار ليون، لقد ذاقت سيدتنا الفرحة في عدة مناسبات بنجاح أبنائها في مختلف الشهادات الابتدائي الاهلية الباكالوريا الليسانس الدكتوراه، كما فرحت بزواج بعضهم وازدياد بعض الاحفاد، ومما كنا نرى في عينيها من فرح لما كانت تخبز الخبز وتجهز الحليب والقهوة صباحا لنأخذها إلى الجامع وتقول : خذوه صدقة على أبي وأمي وشيخي وصدقة عليكم، رافقت بداية الصحوة في بيتها فكانت تستقبل شباب الصحوة أواخر السبعينات وبداية الثمانينات وتخدمهم، استقبل بيتها معظم الدعاة أثناء بداية العمل الدعوي في وقت لم يكن سهلا، كانت حريصة على تقديم أحسن ما يمكن للعلماء والدعاة.
بعد هذا المسار وذاك العطاء تأتيها المصيبة التي لم تكن تنتظرها ودون مقدمات ولسبب بسيط يمرض زوجها الحاج سي عمار ولستة أشهر فقط يتكاثر الزوار ثم فجأة ينتقل سيدي عمار، زوجها، إلى رحمة الله في الخالدين، وتبقى بعده تذكرنا بخصاله بقرآنه بحيائه بورعه بنظافته بزهده، بعد أشهر العِدة بدأنا بإجراءات ذهابها إلى العمرة، فإذا بها تسقط طريحة الفراش وبين أيدينا وصل جواز السفر الذي ننتظر صدوره لتذهب إلى العمرة، وذات يوم 8 نوفمبر 1988 يكلمني الإخوة بأن عندنا موعد، في سكيكدة، مع بعض مشايخ الدعوة الاسلامية لمناقشة موضوع الوحدة بين الجماعات والفصائل الاسلامية، أخذت سيارتي ومررت على الاخوة في سطيف لننتقل إلى موعدنا في سكيكدة كان جمعا طيبا وآراء سديدة، إنتهى اللقاء ، طلب مني الإخوة البقاء إلى الصباح اعتذرت، فالوالدة مريضة، رجعت إلى رأس الوادي، مسافة خمس ساعات، دعاء إبتهال ذكر، الخيال يسرح بعيدا،تقريب منتصف الليل عند مدخل رأس الوادي، عرفت سيارتين متوقفتين ، ركنت يمينا، إنه العمري سلوم إبن خالتي وآخر معه، الدموع في عينيه، أسرع إليّ، احتضنني وقال وهو يبكي : خالتي خالتي ، عرفت أنه يقصد أمي والدتي روحي عقلي كبدي قلبي،
أسرعت بالسيارة إلى البيت، إنتهت رحلتها في هذه الحياة لتبدأ رحلة الخلود ... اللهم إنها آمتك إبنة آمتك إبنة عبدك كانت تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، اللهم اكرم نزلها ووسع مدخلها واجعل قبرها روضة من رياض الجنة واحشرها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لها وللوالد والاجداد وألحقنا بهم على خير .
أتمنى أن لا يطول الفراق وكلي أمل ورجاء من الله أن يجمعنا عند الحوض، حوض المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، مع الذرية والأهل والاحباب، ولطالما تمنيت أن يشملنا قول الله تعالى :
(( وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ))
جميلة يا فاطمة: بعض أبنائك وبعض أحفادك ختموا القرآن حفظا وترتيلا، فهنيئا لك تاج الوقار ولزوجك.
جميلة، يا فاطمة : ريحك ورائحتك موجودة في أماكن كثيرة من هذه المعمورة يتلون كتاب الله خاضعين مبتهلين داعين لك بالرحمة والمغفرة.
جميلة، يا فاطمة: سنبقى على العهد ما استطعنا، خُدَّاماً للدين، حُماةً للوطن، حِصناً للعائلة.
طال الفراق، عددت الليالي والايام، الأشهر والسنوات، كم ابتسمت حين أتذكر ابتساماتك، وكم سالت الدموع أنهارا حين استذكر بعض آلامك ... ولكنني أواسي النفس بأن ما بقي أقل بكثير مما فات، ولكل أجل كتاب، وكل شيء عنده سبحانه بمقدار.
وأختم بهذه الطرفة المضحكة المبكية : كانت لنا جارة عجوز، أكبر من أمي ب 20 أو 30 سنة، ( العجوز الزهرة أم الصغير جدي ) تزور والدتي من حين لآخر، وفي أحد الأيام رجعتُ من الجامعة حيث كنت أدرس إلى بيتنا فوجدت العجوز الزهرة تبكي وأمي تهدهدها كالطفل الصغير، قلت لأمي : ما بها؟
قالت : لقد اشتاقت لأمها وأبيها رحمهما الله اللذَيْن توفيا قبل 30 سنة .
رفعت العجوز الزهرة رأسها وانفجرت ضاحكة.
نظرتْ أمي إليها وانفجرت باكية وهي تقول : أنا كذلك فقدت أمي وأبي.
فرجعت العجوز الزهرة تهدهد أمي في عملية عكسية ... ثم انقلبتا تضحكان كالطفلين، ضاحكتهما حتى تقهقهنا... كانت حادثة معبرة تمنيت لو أنني إلتقطت تلك الصورة أو سجلتها كاملة ... إنهم الوالدين حين نفقدهما ويطول الأمد ويكبر الحنين ...
د. عبدالقادر سماري