الدكتورعبد القادر سماري

آخر ما كتبه والدي ( سيدي عمار رحمه الله).

آخر ما كتبه والدي ( سيدي عمار رحمه الله).
وهذا أغلى هدية قُدِّمت لي منذ وقت طويل.
علمت بالامس، السبت، بمرض شقيقي الأكبر (الحاج الميلود حفظه الله ورعاه وشفاه من كل داء )، فشددت رِحالي، وأعددت راحلتي، واخترت رفيقي ( الدكتور العربي زروال )، ويمَّمْت وجهي نحو إقامة أخي، أثناء الطريق قلت لمرافقي: لقد وصلني يوتوب من إبنتي فلنسمعه معا.
كان أنشودة عن الاب، إستمعنا لبعض المقاطع منها :
"" أبي أنت نور جرى في دمي
وخير شدى بالضيا في فمي
فإني إليك أبي أنتمي
فأنت السعادة للعالمين
أبي أنت ورد يفوح العطور
وحسن يباهي جميع البذور
فأنت الضيا في الفؤاد ونور
عليك سلامي في الصالحين...""
نظرنا لبعضنا، تصاعدت العبرات لمآقينا فأوقفنا الأنشودة، ذلك أنني ورفيقي قد فقدنا أبوينا منذ وقت طويل فهزتنا الأنشودة، غيَّرْنا الموضوع تكلمنا عن الأوضاع العامة إلى أن وصلنا إلى إقامة شقيقي، استقبلنا كعادته ،بشوشا، منبسطا، مُرَحِّبا، مطمْئِنا، سائلا، تجاذبنا أطراف الحديث عن الأهل والأحباب، عن الصحة والأمان، عن الصلاة والقرآن، فلما هممنا بالانصراف قام من فراشه، و فتح أحد دواليب خزانته، واستخرج ورقة ومدها لي قائلا : كتابة سيدي عمار رحمه الله واظن هذا آخر ما كتب.
هي ورقة من الورق المقوى الذي كنا زمان نشتري فيه السُّكَّر،
أخذتها منه، كادت تغلبني العبرات، هممت بتقبيلها، ترددت ثم فتحتها قرأت البسملة ...
قاطعني قائلا : خذها معك!
وهو ينظر إلي نظرة قرأت من خلالها الكثير.
أعدت طيها وأنا ماسك بها، أحسست أنه أعطاني صحف إبراهيم أو قميص يوسف أو ألواح موسى أو وصايا المسيح أو توجيهات المصطفى أو عهدة عمر، وضعتها في جيبي، شكرته، ثم تبادلنا بعض الكلمات عن حياتنا مع سيدي عمار رحمه الله وبعض القصص القصيرة مع المرض والصحة والأمن والأمان، ثم استأذنا وقبل الخروج طلب كل واحد من أخيه ( السماح فيما بيننا) ثم قفلنا راجعين، وأنا أقود السيارة ، كنت بجنبي صاحبي ولست معه، فلقد كان كل فكري وعقلي مع هذه الورقة الصغيرة التي خطتها يد سيدي رحمه الله، فلما أوصلت رفيقي وخلوت بنفسي فتحتها، مكتوب على ظهرها : كتبها أبي رحمه الله يوم كان في مستشفى قسنطينة سنة 1986 رحمه الله وأدخله فسيح جناته، اللهم أرحمه يا رب واجعل قبره روضة من رياض الجنة كن له خير أنيس في وحشة القبر آمين ( أكيد كتبها أحد إخوتي أو أخواتي ).
وهذا نص ما كتب سيدي رحمه الله:
(( بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلاة وتسليما وازكى تحية على النبي الهاشمي وخاتم الأنبياء.
شكوت لرب العالمين قصتي لعلك يا ربي تفرج ما بي، شكيت إليك يا رب بالذي قد أصابني وما كنت يا رحمن لغيرك شاكي، فلقد مسني هذا الزمان بضره وأصبحت أتيه في الأفكار بعد الاماني.
تغربت عن أهلي وناسي وأوطاني ومن كان يرعاني ويرعى أحوالي.
في كل لحظة أنتظر زُوَّاري الذين يأتون لينظروا لحالي، فكل حبيب يأتي زائرا لحبيبه .
همُّ الموت ما همَّني، وهمُّ السجن ما بكاني، ولكن أبكاني فراق أحبابي، فقد بكى الحمام لما تغرب فبات ينوح على الأغصان وفي كل وادي.
سألتك يا رب بآل عمران والروم ويس والدخان أن تطلق سراحي لألقاك وانت راضٍ عني.
سلامي على أبي
سلامي على الطلبة
سلامي على المساجد
سلامي على المشايخ في كل مجاز
سلامي على أولادي واهلي
سلامي على أمي
سلامي على أحبابي في كل موضع
وسلامي على الروضة اللي فيها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. ))
قرأتها فتسارعت في مخيلتي الأحداث منذ بداية مرضه والتنقلات إلى الأطباء ثم دخوله المستشفى وما كان فيه وخروجه منه والزوار الذبن كانوا يعودونه إلى يوم الفراق ...
كلمات قليلة بسيطة ولكنها كانت مناجاة عميقة مؤثرة من إنسان عاش بالقرآن وللقرآن ومع القرآن وغادر هذه الحياة في وسط عقده الخامس، غادرها لما بدأت أحوال عائلته تستوي، فلقد قال فيها ( سألتك يا رب بآل عمران والروم ويس والدخان أن تطلق سراحي لألقاك وانت راض عني ) فهل اشتاق للقاء ربه فسأله ليطلق سراحه من سجن هذه الدنيا ... بعد أن أدى الذي عليه ...
ثم ذاك السلام الذي كان يطلقه من فراشه في مستشفاه على الام والاب والأهل والاحباب والطلبة والمساجد والمشايخ والمصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ... رغم أن مرضه كان عميقا ولكن وفاءه كان أقوى ...
كان بقاؤه في المستشفى من مارس إلى أفريل 86، وبعد شهرين فاضت روحه إلى بارىها.
عليك الرحمات وإنا نسأل الله أن يثبتنا لنبقى على العهد علّنا نلتقي وفق ذاك الوعد الرباني ( الذين آمنوا واتبعتهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم ... )
د. عبدالقادر سماري