الدكتورعبد القادر سماري

إلى إخواني وأخواتي، إلى أبنائي وبناتي :

إلى إخواني وأخواتي، إلى أبنائي وبناتي :
وانا راجع من رحلتي بالغرب الجزائري حدَّثتُ نفسي بحديث قلت سأكتبه في هذا الفضاء لعل من يقرأه يستفيد منه، ثم قررت أن أنفذه، والحديث هو:
(( أيها السائرون في طريق النضال الساعون للتمكين للدين ورفعة الوطن وخدمة الشعب عليكم أن تجعلوا لأنفسكم محطات تتزودون منها، فلا تكتفوا بما تقرؤون وما تسمعون وما تشاهدون، ولا تكتفوا بلقاءاتكم التنظيمية والهيكلية، بل عليكم أن تجعلوا لأنفسكم أوقاتا، ولو قصيرة، تتواصلون فيها مع إخوانكم وخاصة من سبقوكم في هذا الطريق مع إختلاف توجهاتهم، الرُّكَبُ للرُّكَبِ والعين في العين، ليس لتتعلموا منهم، فقد تكونون أنتم أكثر علم منهم، ولكن لتنالوا أجر التواصل وبركة الدعوات، ولتتعرفوا من خلالهم على أخطاء الماضي، ولتتراكم التجربة ... وهكذا يتحقق النصر )) حدثت نفسي بهذا الحديث، ثم تذكرت واحدا من السائرين قبلنا في هذا الطريق سألت عنه أخي ( الصالح بن عمارة حفظه الله) فقال لي: هو في بيته في طوملة ولقد زرته قبل أيام ووعدته بالرجوع.
فقلت له: رجاء آتيك ونذهب معا لزيارته فلقد مر وقت طويل لم أره،
فاتفقنا أن نزوره يوم الجمعة الماضي، صلينا الجمعة في العتيق وانطلقنا إلى بيته.
صاحبنا لنا معه قصص، وهو من أتراب أبي ( سيدي عمار رحمه الله) وصديقه، كان كثير الجلوس معه ومع أصحابه في مسجد حيِّنا، كُنا غِلمانا بداية السبعينات من القرن الماضي، يمر من أمامنا ونحن نلعب فيبتسم لنا ويحدثنا حديثا قصيرا ثم ينصرف، ربما كان الوحيد في حيِّنا الذي له لحية طويلة، كنا نراه من حين لآخر ثم يغيب وقتا طويلا ويرجع.
لما كبرنا كلما إلتقيناه ليس له من حديث إلا عن: الله، القرآن، الرسول صلى الله عليه وسلم، الصلاة، فعل الخيرات، ترك المنكرات، أمانة الشهداء ... كان هذا ديدنه وكلامه ... تمر السنين، ثم أخذت منحة للدراسة بفرنسا، سنة 1982، كنا في مدينة قرونوبل، سمعنا أثناء إحدى العطل، أن هناك في مدينة ليونLyon ملتقى للدعوة، حزمت أمتعتي مع أخي ( العربي زروال ) وذهبنا إلى ليون Lyon، مسجد برون Bron، هناك وجدت صاحبنا، فهو واحد من القائمين على المسجد، وواحد من المشرفين على الملتقى، عرفني، سأل عن أحوالي، وكيف جئت ومن أين وكم تنوي البقاء وهل تحتاج إلى شيء، طمأنته، حضرنا الملتقى لمدة أسبوع، قمنا بعدة خرجات للدعوة، حدثتْ فيها أحداث كأنها أساطير أو كرامات، ذكرت بعضها في أحد مناشيري السابقة في هذا الفضاء، ثم رجعنا إلى قرونوبل ... تمر السنين، أُنهي دراستي، وأرجع إلى الجزائر، ويمرض الوالد ( سيدي عمار رحمه الله )، ويكثر الزوار وصاحبنا أحدهم بل واكثرهم معايدة، وجاء الأجل لترقى روح سيدي إلى بارئها، وتشاء الأقدار أن يكون صاحبنا من الأوائل الذين سمعوا الخبر، فيأتي للبيت مسرعا ليكون هو وشقيقي الحاج الميلود والاخوان الصالح بن عمارة وناجي بن حمادي رحمه الله هم الذين يجهِّزون سيدي رحمه الله لرحلته نحو الخلود والجنان بإذن الله.
صاحبنا، هو شيخنا وأحد مربينا، المجاهد الداعية العصامي :
الشيخ عبدالله بن حمادي حفظه الله.
قارب التسعين سنة من عمره، قضى حياته خارجا في سبيل الله، داعيا إلى الله، السنوات الأخيرة لازمه المرض ولكنه لم يقعده، زرناه بعد صلاة الجمعة، قيل لنا هو في المسجد، إنتظرناه حتى أقبل بنظراته الثاقبة وثغره المبتسم وعمامته البيضاء ... النور يضيء من جوانبه، جلسنا إليه وبين يديه، كلمنا عن سيدي عمار رحمه الله، وعن سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله، طلبنا منه أن يكلمنا عن بداياته وعن أسفاره، جال بنا في مختلف بقاع الأرض، شرقا وغربا، في أوروبا وآسيا وافريقيا، في جهات جزائرنا الحبيبة، حكى لنا عن نماذج من الدعاة الربانيين والوطنيين المخلصين ... ثم إستوقفنا طويلا عند حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
((إن الله تعالى يقول : يا ابن آدم تفرغ لعبادتي أملأ صدرك غِنًى وأسُدُّ فقرك، وإن لم تفعل ملأت يديك شغلا ولم أسد فقرك )) تكلم عن الغنى والفقر، عن السعي والخمول، عن الصحة والفراغ، كما كان للشيخ الصالح بن عمارة إضافات عن مفهوم العبادة وشمولها، على أن يكون سعيك وكل حركاتك وسكناتك لله، أن يكون قلبك خاليا من كل الادران والأمراض، أن تجتهد في تعريف الخالق للخلق، كانت زيارة وجلسة تكلمنا عن الماضي والحاضر وعن الوقوف بين يدي الله، ورغم أنها كانت جلسة روحية إيمانية خالصة سقطت أثناءها بعض الدمعات، لكنها لم تخلُ من اللطائف والنكت والمُلح، فلقد إبتسمنا وضحكنا في وقار وأدب واحترام ... كانت عملية إفراغٍ وملإٍ ... كما كانت بالنسبة لي وفاءً لسيدي عمار رحمه الله في زيارة أحد أصدقائه ومجالسة إثنين من الذين جهزوه لرحلته الميمونة ... كم فيك يا جزائرنا من الكنوز والجواهر.
د. عبدالقادر سماري