الدكتورعبد القادر سماري

22 سبتمبر 1982 - 22 سبتمبر 2022:

22 سبتمبر 1982 - 22 سبتمبر 2022:
في مثل هذا اليوم، قبل 40 سنة، فجر ذلك اليوم ودّعت أمي (جميلة ) رحمها الله وإخوتي وأخواتي وخرجت من بيتنا مع سيدي عمار رحمه الله، صلينا الفجر في المسجد العتيق وراء الشيخ سي أحمد بلحاج الصالح رحمه الله، بعد الصلاة كان مجموعة من الأصدقاء في إنتظاري لأنهم كانوا يعلمون أنني سأسافر، جلسنا نتوادع استمعت لنصائحهم، ومما أذكره قول أخي الاستاذ الصالح بن عمارة حفظه الله قال : أكيد شياطينك هنا قد كلموا شياطين هناك وأعطوهم تقريرا مفصلا عنك وهم في إنتظارك بمجرد ما تنزل من الطائرة.
ودعتهم وقبّلت سيدي عمار رحمه الله، أخرج من جيبه مصحفا صغيرا وأعطاني إياه وهو ينظر في عيني وقال : استحفظ بهذا يستحفظ بك ربي وما داموا معك ما تخافش.
ركبت السيارة وأنا ماسكا دموعي كي لا تنهمر جبرا بخاطر أبي حتى لا يرى مني ضعفا، حين ابتعدت السيارة سقطت دمعات من مقلتي أردت إخفاءها عن السائق والركاب ولكن عبثا أحاول فقد لاحظوها، فَهُم يعرفون علاقتي بالوالد، فواسَوْني ببعض الكلمات وكانوا يعرفون وجهتي، ساد الصمت في السيارة فبدأ حديث النفس للنفس وبدأ شريط حياتي يتسلسل في مخيلتي، تلك التنقلات بين بيت جدي الحاج الضيف وبيت جدي الحاج المكي وبيت والدي، كنت دائم التنقل، ثم تلك المعاناة التي عشناها في بيت من أم وأب و 12 طفلا بالإضافة إلى ثلاثة أو أربعة من أبناء العمومة القادمين من البادية ليتابعوا الدراسة برأس الوادي وهم مقيمون عندنا في منزل من غرفتين ومطبخ، ثم تنقلي إلى الثانوية ببرج بوعريريج في النظام الداخلي ومتطلباته بعيدا عن الأهل، ثم إلتحاقي بالجامعة بسطيف داخلي أيضا، وانخراطي في العمل الدعوي الذي كان يأخذ كل وقتي أثناء العطل وأثناء الدراسة أيضا، هل أبي وأمي لما وافقا على سفري كانوا بأتم الرضا أم أنهما وافقا كي أنال درجة أعلى وأرجع إليهم لأكون سندا لهم، أم أنهم بحتاجونني الآن وقد إشتد عودي غير أنهم وافقوا مكرهين، ثم تذكرت والدتي التي باتت ليلتها تحضر لي بعض ( المقروط، والرفيس، والمطلوع ...) لآخذهم معي، ترى كيف هي الآن، كانت قبل ذلك دائمة البكاء على أختي الكبرى التي قذف بها القدر لتتزوج في الخارج، هل هي الآن فرحة بمستقبل إبنها أم أن كبدها يتفطر، وإخوتي وأخواتي ... ساعات في الطريق بين رأس الوادي والعاصمة لست أدري هل كانت طويلة أم قصيرة، تذكرت طلاسم ( إلياء أبو ماضي ) وقد حفظتها في المتوسط عند الأستاذ (العربي الوالي) حفظه الله ، لم أكن أوافقه في كلماتها من الجانب العقائدي لأننا كنا نراه ناكرا للقدر والبعث، ورغم ذلك رحت أردد بعض كلماتها، ( وطريقي ما طريقي أطويل أم قصير، هل أنا سائر في الدرب أم الدرب يسير، أم كلانا واقف والدهر يجري ... لست أدري ) ... وصلنا مطار العاصمة لألتقي بصديقي ( الآخ العربي زروال، والآخ حسين جلاب ) في مطار الجزائر العاصمة، فنحن متجهون إلى فرنسا، فقد أخذنا منحة للدراسة بجامعة قرونوبل بعد أن تحصلنا على شهادة التعليم العالي D.E.S
في الكيمياء الصناعية من جامعة سطيف بتفوق، جلسنا بعض الشيء ثم ذهبنا لدفعة الأغراض، كانت معي حقيبة كبيرة وكذلك الأخ (حسين جلاب) فذهبنا لدفعها في مكتب التسجيل، الآخ (العربي زروال) لم تكن لديه حقيبة فلم يذهب، بدأ النداء للمسافرين نحو مطار ليون، فقد حان وقت الدخول للطائرة، تقدمنا طُلِبَت أوراق الثبوت للسفر، الجواز، شهادة تأجيل الخدمة العسكرية، المبلغ المالي المطلوب، شهادة القبول في الجامعة ... كلها موجودة ونعرفها ولكن ورقة لم نكن نعرفها هي ( بطاقة الصعود في الطائرة boarding pass ) قدمنا لهم تذكرة الطائرة رفضوها ، قالوا هي ورقة أعطوكم هي لما سجلتم الأمتعة، أخرجناها أنا والآخ حسين، فسمحوا لنا بالدخول للقاعة، أما الآخ العربي فلم تكن معه بطاقة الصعود فقالوا له تعالى غدا لأن مكتب التسجيل أغلق، كانت تلك أول رحلة لنا للخارج ولم نكن نعرف بأنه يجب التسجيل كنا نظن أن تذكرة الطائرة تكفي، فلو لم تكن لي وحسين أمتعة لما قمنا بالتسجيل، المهم إنطلقت بنا الطائرة وأنا مع حسين على متنها وتأخر الاخ العربي، وصلنا إلى مطار ليون ومنه إلى محطة القطار (بيراش Perrache ) ، الآخ حسين أخذ القطار وذهب إلى قرونوبل أما أنا فبقيت في المحطة أنتظر الآخ العربي، توضيت في أحد الأماكن ثم إنسحبت إلى زاوية صليت الظهر والعصر جمعا وقصرا، بدأ المغرب يقترب يجب أن أجد مكانا لأنام فيه، تقدم الوقت، بحثت فوجدت في محطة القطار بيت شباب الطلبة auberge d'étudiants ، دخلت وقدمت وثائقي، أعطوني ورقة فيها قوانين البيت ثم دلوني حيث يجب أن أكون لقضاء الليلة ، جاءتني شابة قدمت نفسها طالبة من أحد مناطق فرنسا ذاهبة إلى قرونوبل للدراسة وليس هناك قطار حتى الغد صباحا، قدمت نفسي، قالت لي : جزائري هذا جيد سنكون أصدقاء ... تذكرت كلمة الأخ (الصالح بن عمارة) عند صلاة الفجر عن تقرير شياطين الجزائر للشياطين فرنسا وأنهم في الانتظار ... إبتسمت لها إبتسامة عريضة واستأذنت منها وانسحبت، أكيد لم تفهم إبتسامتي ولا إنسحابي، ذهبت إلى مكاني وأخرجت مصحف سيدي عمار رحمه الله وبدأت أقرأ مستذكرا أحداث فجر اليوم، إنتظرت حتى هدأ المكان وصليت المغرب والعشاء جمعا ... ثم نمت إلى الغد حتى وصل الآخ العربي وانتقلنا معا إلى قرونوبل وبدأنا حياة جديدة هناااك مليئة بالأحداث... كان هذا قبل 40 سنة يوما بيوم .
د. عبدالقادر سماري