الدكتورعبد القادر سماري

رحلة لا تُنسى!!! فكانت فرصة لم أكن أحلم بها لخدمة ديني ووطني في أروقة من نوع فريد !!!

رحلة لا تُنسى!!! فكانت فرصة لم أكن أحلم بها لخدمة ديني ووطني في أروقة من نوع فريد !!!
بالأمس تواصلت مع الصديق ( عسول أبوبكر ) الأمين العام الاسبق للمجلس الشعبي الوطني، وهو من بين أفضل الاداريين الذين تعرفت عليهم في مسيرتي العملية، تبادلنا التحية والسلام والأخبار عن الأحوال والاولاد، قال لي : بالأمس كانت الذكرى السنوية الأولى لوفاة السيد ( عبدالقادر بن صالح ) ترحمنا عليه، ثم تذكرنا السنوات التي قضيناها معه وهو رئيسا للمجلس الشعبي الوطني، تذكرنا أول برلمان تعددي ( 1997- 2002)، كيف كانت مستويات النقاش والمرافعات ولجان التحقيق، وكيف كان التعايش في ظروف صعبة، وكيف كان التشاور والتجاذب وفي بعض الأحيان التدافع بالافكار والبرامج، ونوعية الجلسات الحوارات، النقاشات، وتذكرنا الاسفار التي قمنا بها داخل وخارج الوطن، ولعل أهمها السفر إلى أبو ظبي للمشاركة في ( دورة إتحاد البرلمانيين العرب ) وسفر نيويورك للمشاركة في ( لقاء القمة للألفية الثالثة)، سنتكلم عن هذا السفر، أما لقاء أبوظبي فسنفرد له حيزا آخر بإذن الله.... بعد هذه المكالمة جلست أتذكر تفاصيل الرحلة:
ففي أواخر شهر أوت من سنة 2000 دعاني السيد عبدالقادر بن صالح لمكتبه، كان رئيسا للمجلس الشعبي الوطني وكنت يومها نائبا له، ممثلا ل حركة مجتمع السلم، في مكتبه أخبرني بأنني سأكون ضمن الوفد الذي سيرافقه إلى نيويورك للمشاركة في ( قمة الألفية الثالثة ) التي ستعقد أيام 6-7-8 سبتمبر 2000، وطلب مني أن أتواصل مع السيد الأمين العام ( عسول أبوبكر ) حيث قام بجميع الترتيبات التأشيرات والتذاكر وغيرها ، كان موعدنا يوم 3 سبتمبر صباحا في مطار هواري بومدين، أخذنا الطائرة إلى باريس، وكان الوفد متكون من السادة ( بن صالح،سماري، ميموني، عسول، طرباق، زواوي، عشوي) كلهم على قيد الحياة إلا السيد بن صالح رحمه الله ، وصلنا إلى باريس الساعة العاشرة صباحا، أخذونا إلى قاعة الدرجة الأولى في انتظار الرحلة التي ستُقِلُّنا إلى نيويورك، أخذنا بعض المشروبات والمأكولات، لاحظت أن السيد بن صالح، الذي لم يكن بعيدا عني، يتكلم في الهاتف وكأنه منزعج، بعد أن أنهى المكالمة اقتربت منه وسألته : خيرا إن شاء الله، قال: هناك بعض الترتيبات لم تكن في الحسبان ويجب أن نتصرف.
قلت : هل يمكن إخبارنا بها؟
قال : إن السيد رئيس الجمهورية سيغادر من الجزائر إلى نيويورك على الطائرة الخاصة وسيصلها في نفس الوقت الذي نصل نحن ولذلك علينا أن نتدبر أمرنا لأن كل موظفي السفارة سيكونون مع الرئيس، ونحن علينا أن نأخذ سيارات أجرة ونذهب للفندق، وهذا إسم وعنوان الفندق.
كنت حريصا على تمثيل الحركة بأفضل صورة، وعلى تقديم أفضل ما يتطلبه منا ديننا في مثل هذه المواقف، وكذلك إعطاء الجزائر ما تستحق، وفرصة للتعريف ببعض رجالنا في المهجر، قلت في نفسي هذه فرصة ساقها القدر.
فقلت للرئيس : هل تسمح لي بالتصرف .
قال : نعم
نظرت إلى عنوان الفندق وقلت: إن شاء الله سنجد من ينتظرنا .
أخذت هاتفي، بحثت عن رقم الاستاذ : (نصر الدين بن زكري فهو من خيرة الطلبة الذين تربوا في محاضننا وهاجر إلى أمريكا وقد كنت زرته قبل ذلك )، واتصلت به، بعد السلام والتحية كان الاستفسار عن هذا الاتصال في هذا الوقت ولم يحن وقت الفجر بعد في أمريكا، إذ بيننا وبينهم سبع ساعات، قلت : أين أنت ؟
قال: أخبرني ما الأمر ولا يهمك
قلت : قل لي أين أنت؟
قال: في بوسطن
قلت : كم المسافة إلى نيويورك
قال : 4 ساعات.
أخبرته بالأمر والوقت الذي نصل فيه وعدد الوفد، قال : أي مطار ، قلت : JFK كينيدي. قال : وفندقكم أين ؟
قلت : في third street
قال : أبشر، تصلون بالسلامة .
توادعنا، وطمأنت الجماعة، بعدها أخذنا رحلتنا، وصلنا إلى نيويورك وجدنا الاخ ( ناصر ) مع الآخ (أمين قراط) في إنتظارنا بسيارتين ليموزين، أخذونا إلى الفندق الواقع في 3rd street مقابل مقر الأمم المتحدة، قاموا بالاجراءات للاقامة، ثم طلبوا منا الاستراحة قليلا ليرجعوا يأخذونا للعشاء ... دخلنا الغرف رتبنا أمورناواستىحنا بما فيه الكفاية، وضوء وصلاة، جاءانا وانطلقنا بسيارتين عبر شوارع نيويورك، عبرنا نفق لينكولن
Lincoln Tunnel
فهمت أننا متجهين إلى نيوجرسي لأنه سبق لي وأن مررت من هنا في زيارة سابقة، هناك جلسنا على الضفة الغربية للمحيط الأطلسي، أو الشواطيء الشرقية لأمريكا ( east coast) وتناولنا العشاء ، ثم رجعنا إلى فندقنا، في الغد خلوت مع السيد بن صالح نتجاذب أطراف الحديث، شكرني على هذا العمل وطلب مني شكر الاخ ناصر، قلت له : عندي رأي تنصلح به أحوال البلد وخاصة في مثل هذه المواقف
قال : تفضل
قلت بابتسامة : أعطونا البلد مسيرها ونعدلها خمس سنوات وننظمها جيدا فتصبح أفضل من الساعة السويسرية في الانضباط ثم نرجعها لكم في أحسن حال
ضحك ضحكة واسعة وقال : أمر أوافقك فيه والآخر لا أوافقك.
قلت : تفضل السيد الرئيس
قال : أعرف قدراتكم وأوافقك بأنكم ستفعلون الشيء الكثير في الطريق الصح، ولكنني لا أوافق في قولك إرجاعها لأن الأمر ليس سهلا ... أحسبني وأظن أنني قد فهمت ضحكته وما قال وما لم يقل، ثم ضحكنا سويا وخضنا في أمور أخرى وفيما ينتظرنا ... جاءت مواعيد القمة التي كانت حافلة بالنشاطات واللقاءات، وهنا علي أن أذكر ثلاث أمور :
- في كل لقاءاتنا لم يكن هناك أي إحتكار للكلمة، كما كان هناك تشاور مستمر وكان الوفد معبرا بصدق عن توجه الشعب و الدولة الجزائرية العربية المسلمة دفاعا عن القيم والمبادئ في عزة واعتزاز.
- لما أخذ الكلمة ممثل الكيان الsهيوNي خرجنا بكل اعتزاز رفضا لوجوده وعدم الاعتراف به.
- لقاءنا الثنائي مع كوفي عنان كان كله عن فلسطين وعن دور الأمم المتحدة الذي يجب أن يكون متوازنا وخادما للشعوب ولا تتسلط عليه القوى الظالمة.
قضينا خمسة أيام فلما اقترب موعد السفر طلبت من السيد ( بن صالح ) أن أبقى أياما في أمريكا فوافق وقال : أكيد تريد أن تلتقي مع جماعتكم هنا... لما سافر رئيس البرلمان والوفد المرافق له وودعناهم، تواصلنا مع بعض الإخوة الشيخ ( موسى العزوني الذي هو الآن إمام في بوفاريك) والاستاذ ( وحيد المقيم دائما في أمريكا) كانا يقيمان في ديترويت، وتوليدو، فقررنا زيارتهما مع الآخ ( ناصر )، نظرنا إلى الخرائط، المسافة أكثر من 1000 كيلومتر، توكلنا على الله وانطلقنا نشق الولايات المتحدة الأمريكية من الشرق إلى الغرب، وهناك كانت لنا جلسات وتعارفات ودروس، ثم أكملنا إلى شيكاغو لزيارة الاخ الاستاذ ( حريزي ) يعني 500 كلم إلى الغرب ، وفي طريق عودتنا إلى نيويورك توقفنا في كليفلاند، نكون قد قطعنا مسافة أكثر من 3000 كلم ... كم هي واسعة أرض الله ... وكم في كتاب الله المنظور من آيات وعِبر تعيننا على فقه وفهم آيات الكتاب المسطور ...
جمعة مباركة والصلاة والسلام على الحبيب المصطفى.
د. عبدالقادر سماري