الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون،

إنا لله وإنا إليه راجعون،
إنتقل إلى رحمة الله قطب من أقطاب هذه الأمة، وأحد رواد الفكر والفقه والدعوة والتجديد والوسطية والاعتدال، له فضل كبير على الأجيال وعلى الصحوة بنظراته وإجتهاداته وأشعاره وأدبياته، وهو العلم العلامة الدكتور الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله، عن عمر يناهز 96 سنة ميلادية 100 سنة هجرية، بعد أن أفنى عمره في خدمة الإسلام والدعوة إليه، له إجتهادات في مختلف العلوم الاسلامية، ولعل أهم إبداعاته كان في رسالة الدكتوراه التي كانت تحت عنوان ( الزكاة وأثرها في حل المشاكل الاجتماعية ) لم يُسبق إلى موضوعها، والذي يبقى مرجعا أساسيا لكل باحث في فقه الزكاة ومقاصد الشرع منها، وكل باحث في الموضوع بعده هو عالة عليه، ثم توالى إنتاجه العلمي والمعرفي ترسيخا لقيم الوسطية والإعتدال ، عرفته أولا من خلال محاضراته المسجلة بالاستماع وكتاباته التي كانت من مراجع دروسنا وحلقنا ، ثم كان أول لقائي معه مباشرة في مدينة سطيف في سنة 1986 خلال ملتقى الفكر الإسلامي العشرون والذي عُقد في دار الثقافة بمدينة سطيف تحت عنوان ((الاسلام والعلوم الإنسانية)) كنت وقتها مديرا للدراسات العليا بمعهد الكيمياء الصناعية بجامعة سطيف، وقد حضر الملتقى عدد كبير من المشايخ العلماء من مختلف الدول العربية والإسلامية والغربية، وكان وصول الشيخ رحمه الله متأخرا في اليوم الثاني وحضي بإستقبال رائع، ثم صال وجال خلال مداخلته أو تعقيباته، ولقد حدث في ذلك الملتقى بينه وبين الأستاذ (رشيد بن عيسى حفظه الله ) بعض المناكفات التي لا داعي لذكرها الآن، ثم كانت له دروس في بعض المساجد والأحياء الجامعية، ثم توالت بعد ذلك لقاءاتي معه ولعل أهم لقاء هو ذلك الذي كان في مدينة (ستوكهولم) عاصمة السويد بدعوة من ( رابطة المسلمين بالسويد ) إبتدأ اللقاء يوم 26 ديسمبر 1992 ليدوم ثلاثة أيام، أي بعد سنة من الانتخابات التشريعية التي جرت في الجزائر وتم توقيفها وقد بدأت الأحداث تتأزم، كان في ذلك الوقت ممثل الحركة بالسويد الاخ الأستاذ ( عبدالباقي ) حفظه الله، وكان رئيس رابطة المسلمين بالسويد الأستاذ ( شكيب حفظه الله ) ومن بين من حضر الملتقى الاستاذ الشيخ ( فؤاد البرازي حفظه الله ) الرئيس الحالي لرابطة المسلمين في (الدانمارك ) لقد كان ذلك اللقاء ساخنا جدا، وكانت للشيخ القرضاوي نظرته في كيفية إمتصاص الأزمات ودفع المفاسد، وكاد يحدث في ذلك اللقاء ما لا تحمد عقباه إذ تدخل مجموعة من الشباب بالعصي والفوضى لإيقاف الملتقى الذي كان الهدف منه فهم التحولات الكبرى في العالم الإسلامي وضرورة تجنب المواجهات الداخلية، ولكن الله سلم وانتهى اللقاء على خير، ثم كانت لنا نقاشات لمعرفة ما يحدث في الجزائر.
ثاني أهم لقائي به كان بعد سنتين أي في سنة 1994 في بيروت في فندق ( كارلتون) أثناء الجلسة الاولى لتأسيس ( المؤتمر القومي الإسلامي ) والذي حضره نخبة من الوطنيين والقوميين والإسلاميين وكان حدثا عظيما حيث لأول مرة تلتقي هذه التيارات الأساسية في الأمة العربية والاسلامية، من بين الحضور من الجزائر : الاستاذ عبدالحميد مهري، الشيخ محفوظ نحناح، الشيخ عبدالله جاب الله، الاستاذ محمد الطاهر عبدالسلام، الاستاذ نويصر، الاستاذ خالد بن اسماعيل، الاستاذ علي بن محمد ... وحضر من رموز القوميين العرب: معن بشور، أحمد الدجاني رحمه الله، خير الدين حسيب، الأب ضو، الرئيس نجيب ميقاتي، الرئيس سليم الحص...، ومن مشايخ المسلمين : يوسف القرضاوي، فيصل مولوي، راشد الغنوشي، عصام العريان، الراوي، السامرائي ... كان عددا كبيرا من الحضور حيث دارت نقاشات مثمرة وحُددت أهداف جليلة وكان بالإمكان أن يؤدي المؤتمر القومي الاسلامي دورا رائدا لرأب الصدع بين المكونَيْن الأساسيين للأمة ( الوطنيين والإسلاميين) لولا أنه أجهض وصرف عن أهدافه وأفرغ من محتواه. ومما أذكره أنني قبل يوم سفري من الجزائر إلى بيروت سلمني أخي الشهيد ( لحسن لن سعد ) ملفه لأحاول مع من حضر أن يسجل لإكمال الدكتوراه في أي دولة مسلمة، فلما وصلت بيروت والتقيت مع الشيخ القرضاوي كلمته عن الاستاذ ( لحسن ) وقد تذكره جيدا وأعطيته الملف ووعدني خيرا وفي صباح الغد يلقاني الشيخ القرضاوي ليخبرني هو بأن الاستاذ (لحسن بن سعد الله) قد أستشهد في الجزائر، فكان هو من أخبرني بذلك ، رحمهما الله.
أما اللقاء المهم الثالث فكان أيضا في بيروت أيام 28-29 جانفي 2001 حيث شاركنا مع ما يقارب 2000 سخصية إسلامية ووطنية وقومية ومسيحية من القارات الخمس، في الملتقى التأسيسي الأول ل ( مؤسسة القدس الدولية ) وذلك بعد الاعتداءات المتكررة من الصهايNة لتهويD القدس وكان الهدف هو حماية القدس والأقصى الشريف، فكان لفقيدنا الشيخ القرضاوي رحمه الله بصمته وأثره.
بعد ذلك توالت لقاءاتنا به في مختلف المواعيد والمنتديات والملتقيات ... وهنا وجب علي أن أذكر مطالباته لنا بالحفاظ على الجزائر وعدم جرها إلى أتون النزاعات وضرورة المحافظة عليها من كيد الكائدين، لقد أحب الجزائر ويرى فيها أمل الأمة وأمل الإسلام، ربما للرجل إجتهادات يختلف فيها البعض معه أو بوافقونه ولكن الجميع يشهد ويقر له بأنه إماما من أئمة الأمة الداعين لوحدتها وصيانة كيانها ونشر ثقافة الوسطية والاعتدال فيها كما أنه وقف منافحا ومدافعا ضد محاولات التدجين والتغريب والتفريق ...
دعواتي له بالرحمة والمغفرة والرضوان ودخول الجنان، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه وإن كان مسيئا فتجاوز عن سيئاته وآت أهله وأحبابه جميل الصبر والسلوان .
وأمام هذا المصاب الجلل أقول بلسان الأمة جمعاء مبتهلا إلى الله :
اللهم أجِر الأمة في مصيبتها واخلفها خيرا منه وأخرج لها علماءَ وحُكّاماً هداة مهديين ووفقهم لما فيه خير البلاد والعباد.
د. عبدالقادر سماري