الدكتورعبد القادر سماري

تنبيه المنشور طويل فمعذرة :

تنبيه المنشور طويل فمعذرة :
يوم أمس كان خاصا بامتياز، تعلمت فيه الكثير، ووقفت فيه على الكثير من الدروس والعبر والفوائد والعظات، وليوم الأمس قصة، بدأت يوم أن دعاني بعض الأصدقاء، قبل أيام، إلى جلسة يتبعها عشاء في مدينة برمنغهام Birmingham، حضرها جمع كبير من الجزائريين المقيمين في بريطانيا من مختلف جهات الوطن بالجزائر ومن مختلف ولايات بريطانيا ومن مختلف التخصصات فمنهم الاستاذ الجامعي ومنهم العامل في شركات البترول البريطانية ومنهم الباحث في المختبرات العلمية ومنهم الطالب ومنهم التاجر، معظمهم بعيد كل البعد عن كل الانتماءات الايديولوجية والحزبية ... جمعهم أمران : حب الجزائر والغيرة على الاسلام، في ذلك اللقاء لم نخرج في حوارنا ونقاشنا وكلماتنا عن الأمرين ( الإسلام والجزائر) والحقيقة أن الكثير منهم لأول مرة يلتقون، وكانت لي معرفة بكل واحد منهم قبل اللقاء في مناسبات مختلفة وفي أماكن متنوعة ولكنني لم أفقد الصلة بهم، وكان من بين الحضور الأستاذين ( هشام و عبد العلي) وقد تعرفت عليهما في ( قطر ) قبل خمس سنوات، فسمعاني أتكلم عن المركز الإسلامي في مدينة إدنبرة Edinburgh وعن أستاذ ( علي ) في مدينة قلاسقو Glasgow دعوناه للقاء ولكن تعذر عليه الحضور، افترقنا من لقاء Birmingham ... كل واحد رجع إلى سكناه وعمله.
قبل يومين كلماني مستفسرين إذا كنت مازلت أريد زيارة الآخ في Glasgow والمركز الإسلامي في Edinburgh، فرحبت بالفكرة فجاءاني بالأمس من مدينة مانشستر Manchester حيث يقيمان إلى مدينة Newcastle مسافة 3 ساعات ونصف بالطريق السريع لننطلق إلى Edinburgh ومنها إلى Glasgow يعني 5 ساعات طريق وأكثر منها قضيناها في الصلاة والجولات واللقاءات وبعض الملح والطرائف، وهكذا بدأ يوم أمس، لأبدأ أتعلم من جديد في جولتنا التي لم تكن إلا لله خالصة، وهذه بعض محطاتها:
1- أثناء الطريق تعرفت أكثر على الأستاذين ( هشام و عبد العلي)، فهشام متخصص في ( الذكاء الاصطناعي ) و عبد العلي متخصص في (الالقوريتمات والتنبؤات) وبدأت أتعلم وأستفسر وهما ينتقلان بي من مجال إلى آخر في تخصصاتهما وتطبيقاتها في الحياة العملية، فأيقنت أن أمامي الكثير لأتعلمه، وأيقنت كم هي طاقاتنا مبعثرة في العالم يستفيد منها غيرنا وربما توظف لغير صالحنا.
2- في Edinburgh وصلنا المركز الاسلامي، الذي أوصاني أخي الدكتور ( تيجيني) بزيارته، وقد حانت صلاة الظهر، صلينا مع الجماعة، ثم إنفردنا بالامام، أستاذ من باكستان يتكلم العربية بسلاسة، أخبرنا عن تاريخ المركز الذي أنشأه الطلبة في سبعينيات القرن الماضي في البناية التي هي الآن مقهى ومطعم تابع للمركز، وكيف أنهم اشتروا هذا المكان ليصبح منذ سنة 1998على ما هو عليه تحفة فنية في قلب عاصمة سكوتلندا مقابل جامعتها العريقة، ثم أنهم توسعوا أكثر فاشتروا (كنيستان 2churches ) واحدة عن اليمين والأخرى عن الشمال لتدريس القرآن والفقه والسيرة وتربية الأبناء ... فازددت يقينا أن هذا الدين أمره عجبا ... ولا عجب من أمر الله ، وتلك موعظة ودرس يعجز عن وصفه اللسان والقلم.
3- جولتنا في Edinburgh كانت أكثر إثارة بنظافتها وحيوية سكانها وتعدد الأعراق فيها وجامعاتها والمحافظة على آثارها، كان البرد قارسا والمطر يهطل ولكن الحركة لا تتوقف والأشغال جارية دون أن تعيق أحد أو تعطل عمل، والإشارات واضحة، وأنواع الفنون والابداعات عامرة بها الساحات في فسيفساء تجذبك إليها جذبا تناديك لتتعرف عليها... ومجموع ما رأيناه إنما هو بعض ما قرأناه من توجيهات ربنا عن عمارة الأرض والاستخلاف فيها والمشي في مناكبها والأخذ بأسبابها ...
4- وصلنا Glasgow بعد الخامسة عصرا إستقبلنا الأستاذ (علي) في بيته ومعه شقيقه ( عبدالكريم )، علاقتنا من قبل كانت كلها بالهاتف فقط، لم نلتق من قبل وجها لوجه، ولكن هي الأرواح تعارفت فتآلفت، كان اللقاء نفحةً ربانية ونفخة قدسية سرت في أجسادنا فكان للحياة طعم جديد، جلسنا نتذاكر ونتحاور وكأننا نكمل مواضيع كنا قد بدأناها منذ زمن تنتظر الانجاز ، لم يخرج كلامنا عن (الجزائر والاسلام) آهات، وآلام، ثم أحلام وآمال، ثم جاء الكرم ( التيارتي) نسمي الله ونقول : اللهم بارك لنا فيما رزقتنا وزدنا منه فالاستاذ (علي) سليل عائلة كريمة من ( تيارت) بلد ( ابن خلدون ) خرج من الجزائر شابا بداية تسعينيات القرن الماضي، تنقل في أرض الله بين عدة دول ليستقر في اسكتلندا، خبير في طب الحيوانات، عارف بتطور الجينات ، متبحر في علوم البترول والنفط والطاقات، همه الوحيد كيف يخدم دينه ووطنه، أما الأستاذ ( عبدالكريم ) فعالَم وعالِم متكامل وخاصة في العلاقات مع مختلف الدوائر والمؤسسات الإقليمية والدولية، جلستنا كانت كلها علوم ومعارف دَنْدَنَّا فيها حول أمرين ( كيف نرضي ربنا وكيف نخدم وطننا) قربت صلاة المغرب ... فرفعنا أيدينا بالدعاء والتضرع إلى الله بالمأثور عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الجلسات ثم أردفنا بما كان يردده الشيخ محفوظ رحمه الله في ختام مثل هذه اللقاءات لأهل البيت والمجتمعين... ثم كانت وجهتنا المساجد.
5- توقفنا عند بناية كبيرة ضخمة من طراز الكنائس الكبرى، قال الاستاذ (علي) هذا مسجد ( الفاروق) كان كنيسة إشتريناها قبل سنوات وهي داخلة ضمن ( الموروث الثقافي الاسكتلندي ) فلا يسمح بتغيير مظهرها الخارجي، دخلنا فإذا بالمسجد عامر بشباب وكهول وشيوخ من مختلف الأعمار والجنسيات، رُفِع آذان المغرب عاليا، كنت جالسا في الصف الأول، طلب مني المؤذن أن أتقدم لأصلي بهم فاعتذرت، قدموا شابا فشنّف آذاننا وسمى بأرواحنا بتراتيل من كتاب الله أخذتنا بعيدا لتحلِّق بنا في ملكوت الله ورحماته.
وبعد الصلاة كانت لنا جولة في مرافق المسجد وهي كاملة مكتملة لكل ما يتطلبه المسجد النموذجي، حمامات وميضاء وقاعات وغرف ومكتبة ومواقع للتبرعات بالملابس وغيرها ... ثم سمعنا ما يشفي الصدور : في هذه المدينة تنافس وتسابق بين مختلف الأعراق لخدمة الإسلام ونشره ... طلب منا الاستاذ (علي ) أن يستضيفنا في بيته فاعتذرنا لأننا قد حجزنا، ودعناه ورُحنا نتجول في Glasgow حتى قربت صلاة العشاء،،،
6- قبل صلاة العشاء كنا أمام تحفة أخرى، ( المركز الإسلامي Glasgow central mosque ) مسجد قائم بذاته، قبة كبيرة، ومئذنة عالية، وقاعة الصلاة تسع الآلاف، ومرافق كثيرة، وبالخارج موقف سيارات خاص به، قبل الآذان تحلَّق الشباب حول كهل يشرح بلغة أنجليزية سلسة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ )، كانت الأعناق مشرئبة والآذان صاغية، وصوت الأستاذ حنون دافيء يتغلغل في الوجدان والعقل والقلب بهدوء، تذكرت صراخ بعض أئمتنا فوق المنابر، الموعظة لا تحتاج لصراخ وتأنيب، أما الآذان فكان تحفة سمعية من مزامير داوود، ثم الصلاة ب ( الفاتحة) و ( الطارق ) و( الضحى ) فقد وجلت لها القلوب وذرفت لها الدموع واهتزت لها المشاعر ... ثم خرجنا إلى المفاجأة.
7- المفاجأة :
كان الشباب ( هشام و عبد العلي ) قد حجزا بيتا عن طريق ( برنامج تطبيقي للحجز عن بعد application) لنقضي فيه ليلتنا ودفعا ثمنه عن طريق ( البطاقة ) لما إتصلا بصاحب البيت لأخذ المفتاح كانت الإجابة بلغة لم يفهماها، الظاهر أنها من سرق أوروبا، وأكيد ليست أنجليزية، حاولا مرات ومرات فانقطع الخط، إتصلا بالوكالة صاحبة البرنامج، الموظف احتار لأنه دفع المبلغ المطلوب لصاحب البيت، وعد بأنه سيتصل به من أجل المفتاح، أعادا الاتصال بالموظف الذي أكد أن هناك مشكل وأنه لا يستطيع فعل أي شيء ويجب أن يحول الأمر لمسؤوله، التواصل مع المسؤول لم يعط نتيجة لأن الأمر يتجاوزه وقال أمامكم أحد الحلين، إما تقومون بالماء في أي فندق ونعوض لكم نصف المبلغ أو نحولكم إلى التواصل مباشرة مع مالك الوكالة، تم التواصل مع مالك الوكالة وصاحب التطبيق، هو أمريكي مقيم في أمريكا، طلب معلومات الحجز وصيغة الدفع وتفهم الأمر وتأكد من طبيعة المشكل والوقت قد تأخر فقام بإرجاع المبلغ ودفع تعويضات إضافية مباشرة في نفس اللحظة شكراه على ، ثم قام الأخوان بكراء بيت في قلب مدينة Glasgow الذي قضينا فيه ليلتنا ونحن الآن فيه وقد قرب آذان الفجر ... وبالمناسبة كان النقاش مع أصحاب الوكالة والتطبيق حادا ولكن بأدب ورجوع للقوانين والحقوق والواجبات ، كان فن ودرس تطبيقي لعملية التواصل والمطالبة بالحقوق في ظل الاختلافات ... واستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه ...
الاسفار والمجالس حكم ومدارس.
د. عبدالقادر سماري