لما كتبت مقال الأمس عن ( النظافة ) كلمني صديقنا الفاضل الآخ ( محمد قاضي ) متأسفا لأوضاعنا الكارثية، وقال: (إنني الآن في مستشفى بومرداس والوضع كارثي لا يمكن تصوره ولا أستطيع وصفه فالاوساخ من كل الأنواع وفي كل مكان)، كانت عبارات الأسى والألم تصلني منه عبر الأثير والحسرة تغمر مشاعره حتى أشفقت عليه...
لما كتبت مقال الأمس عن ( النظافة ) كلمني صديقنا الفاضل الآخ ( محمد قاضي ) متأسفا لأوضاعنا الكارثية، وقال: (إنني الآن في مستشفى بومرداس والوضع كارثي لا يمكن تصوره ولا أستطيع وصفه فالاوساخ من كل الأنواع وفي كل مكان)، كانت عبارات الأسى والألم تصلني منه عبر الأثير والحسرة تغمر مشاعره حتى أشفقت عليه...
حقيقة إنه لمن المؤسف أن تصبح ( الأوساخ) هي سيدة الموقف، فلم تنجُ منها لا الشوارع ولا الأحياء ولا المدارس ولا المعاهد ولا الجامعات ولا المستشفيات، في بلد الجميع، صغيرا أو كبيرا، يردد ( النظافة من الإيمان والوسخ من الشيطان ) فهل عشعش الشيطان فينا حتى سكن في كل مرافقنا واستحكم فينا إلى درجة أننا أصبحنا نعيف أو نعاف النظافة، وإذا كانت المقولة صحيحة ف( هل بقي فينا شيء من الإيمان )...
لِحِكْمَةٍ ما نجد في موروثنا المكتوب ( باب الطهارة ) هو أول أبواب كتب ( الفقه )، ولحكمة ما لا تُقبل الصلاة، التي هي عماد الدين وركنه الركين، فلا تقبل إلا إذا سبقتها عملية النظافة ( الوضوء)، بل أن الدخول في الإسلام يوجب الغسل ثم النطق بالشهادتين، ولحكمة ما نجد أنه مع بداية تكليف المصطفى، عليه الصلاة والسلام، بالرسالة كان من بين أول ما نزل عليه قوله تعالى ( وثيابك فَطَهِّر).
كلمة ( الطهارة) في موروثنا هي أوسع مدلولا وأعمق معنى من كلمة ( النظافة).
الطهارة بِشِقَّيْها المادي والمعنوي، ( الطهارة المادية) والمتمثلة في:
طهارة الجسم من النجاسة، وطهارة اللباس من الأوساخ، وطهارة المكان من الأدران، وطهارة الشوارع من القاذورات ...
ثم ( الطهارة المعنوية ) والمتمثلة في طهارة القلب من الأحقاد والغل والحسد، وطهارة اللسان من الكلام البذيء، وطهارة العقل من الافكار المنحرفة، وطهارة الوجدان من المشاعر المشينة، وطهارة القلم من الكتابات المسيئة، وطهارة المعاملات من الغش والرشوة ...
أم أننا رضينا بالأوساخ في كل شيء حتى لا يُخرجنا الصليبيون من ديارنا ولا يقتلوننا ... وقصة ذلك :
أنه بعد سقوط آخر مدينة في الأندلس بدأ الصليبيون الإسبان في إخراج المسلمين من ديارهم تقتيلا وتشريدا، فكان بعض المسلمين يخفون إسلامهم، ولكن الصليبيين تفطنوا إلى أمر وهو أنهم إذا وجدوا شارعا أو حيًّا نظيفا عرفوا أن سكانه مسلمين، وإذا وجدوا بيتا نظيفا أيقنوا بأن أهله مسلمين فقتلوهم أو أخرجوهم ...
يا قومنا ( لا تخافوا ) تَنَظَّفُوا وتَطَهَّروا فإنكم في ( الجزائر المستقلة ) ولكم كل الأمن والأمان ...
د. عبدالقادر سماري