وتتجدد الذكرى، وتتجدد معها العهود، وتتجدد الأشواق، ويزداد الحنين، ويقترب اللقاء :
وتتجدد الذكرى، وتتجدد معها العهود، وتتجدد الأشواق، ويزداد الحنين، ويقترب اللقاء :
في مثل هذا اليوم 11 نوفمبر من سنة 1988، قبل 34 سنة، كان الفراق، فراق من أحببتُها، عشقتُها، هِمتُ بها، أخذت مني كل جوارحي وجوانحي، ملأت عليّ الدنيا حاضرة وغائبة، يغزوني طيفها في يقظتي وسهادي، في غفلتي وانتباهي، في حِلِّي وترحالي، رافقتني في حياتها، مربية، معلمة، موجهة، مواسية، مشجعة، داعمة ... ولا تزال ترافقني بعد مماتها، استشعر روحها، مع روح سيدي عمار، في كل أوقاتي، أكاد أجزم أنهما لم يفارقاني مذ فارقاني، حين أُوَّفَّق لعمل خير أخاطبهما : بأن ذلك حسنة من حسناتهما وذاك بعض حصاد زرعهما، وحين أهم بسوء أو ترنو نفسي إلى شيء من الشهوات المحرمة يقفان لي، ليس خيالا أو أشباحا، بل أطيافا كأنهما واقعٌ أكاد ألمسهما يأتيني صوتُهما منبها ومحذرا، فتجدني استحي من روحيهما كأنهما أمامي فأتراجع عن ذلك وأنا كلي أمل أن يفرحا في قبرَيْهِما عسى أن نفرح باللقاء هناك .
استرجع اليوم ذكراها ككل سنة بل كل يوم ذكراها معي، وها أنا قد تجاوز عمري الآن عمرها حين فارقتنا، ولكنني دائما ذاك الطفل الذي يحس لمساتها، يصغي لهمساتها، يتشمم ريحها، يشتاق لبسماتها، يسترجع ذوق طعامها، ينتظر كلماتها عند الاستيقاظ، ويتطلع للقياها بعد الغياب ... في مثل هذا اليوم إنتقلت إلى رحمة الله الوالدة الكريمة والأم الرؤوم والصدر الحنون، جميلة بنت المكي سلوم، بعد أن قدمت لهذا الوجود 12 ولدا، 8 إناث و 4 ذكور، احتسبت لله 2 ذكرا وأنثى، سبقوها إلى دار الخلود، وبقي لها 10 رعتهم بكل ما تملك من دين وأخلاق وتضحية ووفاء، غادرت هذه الحياة ولم تبلغ الستين سنة، غادرتها لما استوت الامور في عائلتها الصغيرة، غادرتها بعدما بدأت أمورنا تتحسن وأصبح فينا المعلم والاستاذ والدكتور والطالب الجامعي والتلميذ الثانوي والتلميذ المتوسط والتلميذ الابتدائي، كأنها قالت لنا : ما قدمته من جهد وتعب وصبر لن تستطيعوا أن توفوني حقه فإنني ذاهبة إلى من عنده الأجر العظيم إلى صاحب الخزائن التي لا تفرغ ولا تنضب، هكذا فهمتُ فراق أمي لنا وهي في أوج صحتها وشبابها، تماما مثل فراق سيدي عمار قبل سنتين،
لم نكن قد شبعنا منهما، ولم نكن قد ارتوينا من زلالهما.
فإلى أبنائها وأحفادها الذين يتجاوز عددهم الآن 180، وإلى إخوتها وأخواتها وأبنائهم وأحفادهم الذين يتجاوز عددهم 400، وإلى جيرانها في مختلف الاماكن التي مرت بها في سكناها ( أولاد محلة، أولاد بوكثير، رأس الوادي، سطيف ) وإلى كل من يعرفها أو لا يعرفها أسوق هذه النبذة عن حياتها :
هي السيدة جميلة ( فاطمة) بنت المكي سلوم، أطلق عليها أبوها إسمين ( جميلة وفاطمة، ولكل إنسان جزء من إسمه فقد كانت جميلة الخَلق والخُلُق، كما نالت من فاطمة البتول بعض صفاتها من العفة والكرامة ) من مواليد سنة 1934 بدوار أولاد محلة بقصر الأبطال ولاية سطيف، أبوها المكي سلوم تاجر الاقمشة المعروف بصدقه وأمانته في ولايات سطيف والبرج وبسكرة والمسيلة وبجاية وقسنطينة حيث كان يرتاد أسواق بلدياتها الاسبوعية قبل الثورة وبعد الاستقلال ، وأمها صغير حدة، وهي الثالثة في ترتيب إخوتها، توفيت أمها عند الولادة ب (سي الذوادي) وهي في السادسة من عمرها، فبقيت جميلة مع أختها (بهيجة) وأخوهم (لخضر) يرعون أخويهما (رشيدة والذوادي) الاخ الاخير، فعاشت يتيمة الأم مع أب كثير الترحال لطلب الرزق، عند بلوغها 16 سنة خطبها الحاج (الضيف سماري) لابنه (سي عمار)، فانتقلت إلى البيت العامرة، حيث زاوية الحاج الضيف معلم القرآن ومفتي المنطقة والمرجع الذي يتحاكم إليه بالاضافة إلى الفلاحة التي كانت هي المصدر الاساسي للاسترزاق، إذ أن الحاج الضيف بعد نزول والده (موسى بن عيسى) من أولاد تبان استقر في منطقة أولاد بوكثير بقصر الطير ولاية سطيف واشترى مع إخوته أراضي بالمنطقة وبدأ مع إخوته وأبنائه يشتغلون فيها، وهي الآن لا تزال ملكا لأحفاده، فها هي الشابة اليتيمة تجد نفسها في بيت كبير يؤمه خلق كثير من كهول وشيوخ وشباب، طلبة العلم، مستفتين، متخاصمين، تجار لتبادل السلع، عمال، بالاضافة إلى الجلسات التي كانت بين رجال المنطقة من أمثال الشيخ (عبدالرحمن يحي الشريف بن بيبي، الشيخ بلعيساوي، الحاج المكي، الشيخ بلقبايلي، الشيخ رحال، الشيخ محمد رزاقي، الشيخ الخوجة وغيرهم ...) ممن كانوا أصدقاء ذاك الزمان، فكانوا يُغَيِّرون أماكن لقياهم يتدارسون أوضاع البلد ومستقبل أبنائهم حريصين على حفظ الدين تحت حكم المستدمر الفرنسي، بالاضافة الى النساء اللواتي كن يأتين إلى العجوز (الحناشية مسعودة ) والدة زوجها فكانت حكيمة المنطقة ومربية النشأ، فعاشت سيدتنا بداية زواجها في هذا البيت تخدم تربي تتعلم وتحفظ ما تيسر، ولكن ، بعد خمس سنوات من زواجها، انطلقت ثورة التحرير المجيدة، فما كان لعائلتيها الاولى والثانية أن تتأخر عن هذا الحدث الجلل، فمنهم المجاهد بالسلاح ومنهم الفدائي ومنهم المسبل ومنهم حامل الخطابات ومن النساء من تعد الطعام والمؤونة للمجاهدين حين يمروا بالمنطقة ، وتنقلب الحياة الرتيبة في خدمة أهل القرآن والعمال والزوار إلى تطورات يومية وتغير فيها كل شيء وخاصة بعد أن أستشهد أخو زوجها (سي اخضر سماري) وحكم على أخيها (سي الذوادي) بالاعدام وبدأت مطاردة أبو زوجها الحاج الضيف وزوجها سي عمار، وبدأت فرنسا بالانتقام من العائلة فأتلفت الزرع وقتلت المواشي وهدمت البيوت واستمر ذلك إلى غاية الاستقلال، سبع سنوات ونصف عاشتهم المجاهدة (جميلة) مثل كل حرائر الجزائر، خبزت نقلت الرسائل دفعت جنود الاحتلال، وتغنت بالثورة تغنت بأخيها المطارد وتغنت بأخي زوجها الشهيد وتغنت بالحرية، فلما بزغ فجر الاستقلال ها هي تحمل مع زوجها وأبنائهما الخمسة متاعهم، وأي متاع، إلى أقرب مدينة، إلى رأس الوادي، حيث كان لزوجها علاقة طيبة مع الشيخ بلعيساوي وأبنائه، وفي هذه المدينة رزقت بالابناء الآخرين، وتبدأ رحلة جديدة في الحياة، تربية الابناء، ومرافقة الزوج في عمله، تعليم القرآن وتأسيس جامع طوملة، ورغم أن أباها من الميسورين وإخوتها كذلك وأبو زوجها من الميسورين أيضا، إلا أنها عاشت حياة أبسط من البساطة، فكانت تخيط الالبسة وتربي الدجاج وتقوم على شأن حديقة البيت التي كانت توفر لها ما تستهلكه (البصل، البطاطا، الجزر، العنب ... ) سهرت مع زوجها على ضرورة تعليم الابناء فأدخلوهم جميعا إلى المدرسة الرسمية بالاضافة إلى تعلم القرآن في الجامع عند الوالد، واستمرت الحياة العادية، عاشت بعد الاستقلال مع زوجها آلاما كثيرة لعل أولها حين فقدا إبنهما نور الدين رحمه الله 1966، وحين فقدت أبا زوجها الحاج الضيف رحمه الله1972 وحين فقدت أباها الحاج المكي رحمه الله1981، ومن آلامها ألَمَان لن أنساهما الاول1970 لما نجح إبنهما عبدالقادر في شهادة التعليم الابتدائي للمرور الى المتوسط، لم تكن برأس الوادي متوسطة، فسعى الاولياء إلى فتح قسمين في إحدى المدارس وطلب من كل تلميذ 12000 سنتيم ثمن الكرسي والطاولة لم يكن بحوزتهما المبلغ فمرت بهما ليالي وأيام صعاب لتحصيل المبلغ، والثاني لما أرادا إدخال إبنهما البكر الميلود مدرسة تكوين المعلمين بقجال 1972 وطلب منهم 34000 سنتيم ولم يكن بحوزتهم هذا المبلغ فلقد مرت بهما( جميلة وسي عمار ) ليالي عصيبة لتجميع المبلغ كنا صغارا ولكننا كنا نسمع ونرى ما بهما من تعب وعنت وألم، ألم آخر كان يعتصر قلبها لسنوات حين تزوجت أختي الكبيرة عائشة وانتقلت إلى فرنسا بقيت تبكيها لسنوات إلى غاية يوم زواجي، 26 ماي 1984، كنت طالبا في فرنسا أخذتها معي، لا يمكن تخيل فرحتها حين إلتقت بأختي في مطار ليون ... لقد ذاقت سيدتنا الفرحة في عدة مناسبات بنجاح أبنائها في مختلف الشهادات الابتدائي الاهلية الباكالوريا الليسانس الدكتوراه، كما فرحت بزواج بعضهم وازدياد بعض الاحفاد، ومما كنا نرى في عينيها من فرح لما كانت تخبز الخبز وتجهز الحليب والقهوة صباحا لنأخذها إلى الجامع وتقول : (خذوه هذه صدقة على أبي وأمي وشيخي وصدقة عليكم، لعل الله يحفظكم بها ) رافقتْ بداية الصحوة في بيتها فكانت تستقبل شباب الصحوة أواخر السبعينات وبداية الثمانينات وتخدمهم، استقبل بيتها معظم الدعاة أثناء بداية العمل الدعوي في وقت لم يكن سهلا، كانت حريصة على تقديم أحسن ما يمكن للعلماء والدعاة.
بعد هذا المسار وذاك العطاء تأتيها، وتأتينا، المصيبة التي لم تكن تنتظرها ودون مقدمات ولسبب بسيط يمرض زوجها الحاج سي عمار يتكاثر الزوار ثم فجأة ستة أشهر فقط من مرضه، ينتقل سيدي عمار، زوجها، إلى رحمة الله، إلى الفردوس الأعلى إن شاء الله في الخالدين، وتبقى بعده تذكرنا بخصاله بقرآنه بحيائه بورعه بنظافته بزهده، بعد أشهر العِدة بدأنا بإجراءات ذهابها إلى العمرة، فإذا بها تسقط طريحة الفراش، وذات يوم من شهر نوفمبر 1988 يكلمني الإخوة بأن عندنا موعد مع بعض مشايخ الدعوة الاسلامية لمناقشة موضوع الوحدة بين الجماعات الاسلامية، أخذت سيارتي ومررت على الاخوة في سطيف لننتقل إلى موعدنا في سكيكدة في بيت الشيخ ( عبدالله جاب الله ) كان جمعا طيبا وآراء سديدة، إنتهى اللقاء ، طلب مني الإخوة البقاء إلى الصباح اعتذرت، فالوالدة مريضة، رجعت إلى رأس الوادي، مسافة خمس ساعات، دعاء إبتهال ذكر، الخيال يسرح بعيدا،تقريب منتصف الليل عند مدخل رأس الوادي كانت هناك سيارتان متوقفتين ، خففت السرعة يمينا، لألمح على ضوء السيارة (العمري سلوم إبن خالتي) وآخر معه، الدموع في عينيه، أسرع إليّ، احتضنني وقال وهو يبكي : خالتي خالتي ، عرفت أنه يقصد أمي والدتي روحي عقلي كبدي قلبي،
أسرعت بالسيارة إلى البيت، إنتهت رحلتها في هذه الحياة لتبدأ رحلة الخلود ... اللهم إنها آمتك إبنة آمتك إبنة عبدك كانت تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، اللهم اكرم نزلها ووسع مدخلها واجعل قبرها روضة من رياض الجنة واحشرها مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين لها وللوالد والاجداد وألحقنا بهم على خير .
أتمنى أن لا يطول الفراق وكلي أمل ورجاء من الله أن يجمعنا عند الحوض، حوض المصطفى ، صلى الله عليه وسلم، مع الذرية والأهل والاحباب، وكلي أمل ورجاء من الله أن يشملنا بقوله سبحانه وتعالى :
(( وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَٰنٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَآ أَلَتْنَٰهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَىْءٍ)) ... ذريتها الآن منتشرة في بقاع الأرض ( رأس الوادي- سطيف - برج بوعريريج - صالح باي - عين ولمان - العلمة - وهران - الجزائر العاصمة - اودانكور - نيوكاسل - بلفور - لوكسمبورغ - ليون - ماليزيا - البحرين - قطر ... ) منهم الطبيب والبيطري والمحامي والدكتور والاستاذ والمعلم والتاجر والصيدلي ... كل ذلك بفضل الله أولا ثم بخطوة صغيرة قامت بها سيدتنا جميلة مع زوجها سيدي عمار فينتقلا، مباشرة عند الاستقلال، من البادية ( أولاد بوكثير ) إلى المدينة ( رأس الوادي ) في ظروف صعبة ... صعبة ... ويكون الفتح من الله... فأكثروا أيها الأبناء والأحفاد لهما ولموتى المسلمين الدعاء بالرحمة والمغفرة.
د. عبدالقادر سماري