الدكتورعبد القادر سماري

(( إني أَسُوسُ أسودا وليس خِرافا)).

(( إني أَسُوسُ أسودا وليس خِرافا)).
هذه المقولة أرى أن تكون منهجا للقائد في تعامله مع الفريق الذي يعمل معه ومع عموم الناس ليجعل منهم أسودا لا يخافون إلا الله، ولقد تذكرتها بالأمس بعد إتصال من أحد الإخوة الأفاضل حيث قادنا الحديث إلى سوء المعاملة التي يتعرض لها الأتباع في مختلف المواقع من مجتمعاتنا حتى أصبح أحدهم لا يجرؤ على كلمة الحق أو تقديم النصيحة من سوء ما يتعرض له من القادة، وقصة هذه المقولة هو :
أن معاوية رضي الله عنه كان في مجلسه بعض وزراء الروم، فدخل عليهم الصحابي ( جارية بن قدامة التميمي رضي الله عنه) وكان (جارية) من الذين وقفوا مع ( علي رضي الله عنه ).
قال له معاوية : ألست أنت الساعي مع علي في كل مواقفه.
قال جارية: يا معاوية دع عنك علياً، فما أبغضنا علياً منذ أحببناه، ولا غششناه منذ نصحناه، قال: ويحك يا جارية، ما كان أهونك على أهلك إذ سموك جارية ( وهو إسم أنثى ). قال: أنت يا معاوية كنت أهون على أهلك إذ سموك معاوية وهي الكلبة التي شبقت فَعَوَتْ فأستعوت الكلاب ، قال معاوية: أسكت لا أم لك،
قال جارية: لي أمٌّ ولدتني، وإن قوائم السيوف التي لقيناك بها بصفين في أيدينا، وإنا قد أعطيناك سمعا وطاعة لتحكم بيننا بكتاب الله فإن وَفَّيْتَ وَفَّيْنا، يا هذا قل معروفا وراعنا فإن شر الرعاء الحطمة... وطال بينهما الحديث ووزراء الروم ينظرون مندهشين ... ثم أن ( جارية ) خرج غاضبا، فقال أحد وزراء الروم لمعاوية : إن أحدنا ليقف بين يدي قيصر راكعا لا يكاد يرفع عينيه فإذا تكلم لا تكاد تسمع صوته، ولو أن أكبر خاصة قيصر رفع صوته في حضرته لكان عقابه التقطيع عضوا عضوا ولقد كنا نهابك وإننا لنعجب لما رأينا من جرأة هذا الأعرابي عليك الذي يتهددك وكأن رأسه من رأسك.
قال معاوية : إني أسوس رجالا، وكل قومي مثل هذا الرجل، لا يركعون إلا لله ولا يخافون في الحق لومة لائم ولا يرضون بالضيم ( الظلم ) وإني قد ظلمت الرجل بلساني فأنصفني وأنا بدأته والبادي أظلم، وهذا حالهم معي فكيف ترى حالهم مع أعدائهم.
فقال الوزير الرومي : كنت أظن أننا أقوى منكم وأكثر منعة، أما وقد رأيت ما رأيت، فإن كان هذا حالكم فإنني أخاف أن يأتي اليوم الذي تبسطون فيه ملككم على أرضنا ...
وما هي إلا سنوات حتى كان المسلمون على أبواب القسطنطينية بأمثال جارية ...
أقول: ونظرا لمعرفتنا بدهاء (معاوية) رضي الله عنه وحكمته وحنكته فإنني أظن أنه فعل هذا الفعل عن قصد مع ( جارية ) رضي الله عنه وفي حضرة الروم وهو يعرف ردود فعله وجرأته ليرى الروم حقيقة المسلمين فيهابونهم، فكان ما كان.
وإن خير القادة من تكون خاصته وعموم أتباعه ناصحين ولا يرضون بالظلم، وأسوأ القادة من لا تجرؤ خاصته ورعيته على نصحه وقول الحق الذي يرونه في حضرته مخافة ردود فعله وبطشه وسوء تصرفه ... وإني أرى بعض قادة الغرب قد أخذوا هذا السلوك عنا فيسمعون من رعاياهم ما يسرهم كما يسمعون ما يسوءهم ولا يستطيعون إيذاءهم ... وذاك من باب رفض الظلم وتقديم النصيحة وأداء الشهادة ... وهو عين مقصد حديث ( تميم بن أوس الداري رضي الله عنه ) ... فهل نحن فاعلون !!!
د. عبدالقادر سماري