وللأقدار منطقها!!!
وللأقدار منطقها!!!
نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة في ماليزيا استوقفتني طويلا ورجعت بي إلى أكثر من 30 سنة للوراء فبدأت أسترجع بعض الذكريات وأتوقف عند بعض المحطات لأقدم مختصرا عن بعض ما أعرفه لعلنا نأخذ منه درسا :
أواخر الثمانينات وبداية التسعينات من القرن الماضي
كنت، مثل غيري من شباب العالم الاسلامي، كنت من المنبهرين بماليزيا وما حققته تحت قيادة الثنائي (مهاتير محمد رئيس الوزراء) و ( أنور إبراهيم وزير المالية ) وكيف إستطاعا أن يجعلها من ماليزيا نمرا من نمور جنوب شرق آسيا في مجالات مختلفة: التعليم، التكنولوجيا، التنمية، التصنيع والاستقرار السياسي والبنى التحتية، فزرتها أول مرة سنة 1997 فازددت انبهارا خاصة مع حادثة (سوروس) رجل الأعمال اليهوDي الذي قام بعملية مكر وخداع من أجل تأزيم الوضع الاقتصادي في بعض الدول الآسيوية وذلك من خلال التلاعب بالعملات الوطنية لجنوب شرق آسيا وأذكر أنني في تلك الأيام كنت في كوالالمبور ضيفا عند الأستاذ الدكتور ( ليث جاسم رحمه الله) وقد قدم لنا إبن أخيه ( صهيب جاسم الذي هو الآن مراسل الجزيرة في اندونيسيا) قدم لنا عرضا مفصلا عن خطط ( سوروس ) وكيف تصدى لها كل من ( مهاتير و أنور إبراهيم ) وكيف استطاعت ماليزيا أن تخرج من تلك الأزمة بأقل التكاليف، ولقد كان التناغم والتوافق بين ( مهاتير ) رئيس الوزراء، و ( أنور إبراهيم ) وزير المالية في تسيير شؤون الدولة في أحسن صوره، وكانت علاقتهما جد متينة، فلما حدث بينهما الخلاف، أواخر سنة 1998، لم أكن أصدق التهم التي وُجِّهت ل(أنور إبراهيم )، خاصة بعدما علمت أنه لما سمع (مهاتير محمد) قول( مارقريت تاتشر ) رئيسة وزراء بريطانيا السابقة تثني على ( أنور) حيث تقول "" بأنها تتمنى لو أن بريطانيا عندها وزير مالية مثل أنور إبراهيم" فقد تناقلت وسائل الإعلام وقتها بأن ( مهاتير ) قد وجد في نفسه شيئا على ( أنور ) وأنه لن يسمح له ب ( خلافته ) حسب ما كان مقررا بينهما، ومع ذلك قلت : "هذا كلام صبيان وهو للاستهلاك الإعلامي والقضايا الداخلية ربما لها مبرراتها" كنا وقتها نتابع الأحداث متوجسين خيفة من هذا التباعد الذي قد يعود على ماليزيا بالخسران وبالتالي يفقد العالم الإسلامي نموذجا كنا نفتخر به، وأذكر أننا في إحدى زياراتنا لماليزيا سنة 2000 وفي جلسة مع بعض النواب الماليزيين والسياسيين الماليزيين أذكر منهم الاستاذ ( أحمد فريض) قلت لهم : "الخير كل الخير لماليزيا في التعاون بين الرجلين ومن الضروري الجمع بينهما"، غير أنهم قالوا : بأن السيد مهاتير لا يقبل بوجود أنور ولا سماع إسمه.
تأسفنا حينها كثيرا ولكنني بقيت مشدودا إلى النموذج الماليزي نظرا للإنجازات المحققة ، ثم أن زياراتي إلى ماليزيا تعددت فوصلت إلى 11 زيارة، وفي الزيارات الأخيرة أحسست بأن ( ماليزيا ) تتراجع في معظم الجوانب التنموية، وبدأت مظاهر الفساد تستشري في كل مرافق الدولة، وبدأ التضخم يرتفع والتراجع يزداد خاصة في القدرة الشرائية والمظاهر الاخلاقية ومستوى التعليم ووضع بعض الجامعات الذي تراجع خاصة بعد مرض ووفاة الاستاذ الدكتور ( عبدالحميد أبو سليمان رحمه الله ) ... وأقول: ومع ذلك التراجع كانت الآلة الإعلامية تضخم صورة ( مهاتير ) وكان يقدم نفسه بأنه لا إنقاذ لماليزيا إلا برجوعه هو شخصيا لقيادة البلد وكان أيضا يعمل على تلميع صورة إبنه ( داتو مخرز مهاتير ) واقترحه لنيابة رئيس الوزراء فثارت ثائرة الطبقة السياسية، وقبل 5 سنوات تبادر إلى ذهني عدة أسئلة أملتها الظروف ولاتزال تلك الأسئلة قائمة:
(( كيف لشخص بقي في الحكم ما يقارب 40 سنة وقد حقق الكثير ولكنه لم يستطع أن يوجد له خلفاء وبدائل يستكملون طريقه ولم يستطع أن ينشيء مؤسسات تضمن لماليزيا تلك السيرورة التي كانت عليها بل وأخفق في تحقيق الاستقرار السياسي والتقدم المنشود فكيف تراجعت ماليزيا بهذه السرعة ))،
أمام هذا التحول وبعد نتائج الانتخابات التشريعية خلال الأسبوع الماضي حيث لم يستطع (أنور إبراهيم) أن يحقق النتائج المرجوة وبالتالي لا يستطيع وحده أن يشكل الحكومة، أما ( مهاتير محمد) فلم يستطع حتى الفوز شخصيا بمنصبه في البرلمان وتحصل فقط على 9% من أصوات دائرته الانتخابية التي كان يفوز فيها بالأغلبية الساحقة، ولم يتحصل حزبه على أي مقعد بالبرلمان، كما أن إبنه لم ينجح في الانتخابات، أمام هذا الوضع رجعت إلى بداية الأزمة التي حدثت بين ( مهاتير) و ( أنور ) والتي قضت على الرجلين ثم أثرت سلبا على ماليزيا كلها، وهما اللذان كان بإمكانهما الوصول بماليزيا إلى أرقى المستويات، ولكنها ( الأنا ) التي تجعل صاحبها يقضي على منافسه البعيد ثم يحطم محيطه القريب فيفقد معاونيه ليذهبوا بعيدا عنه ويُصحِّر بيته الداخلي ثم يبقى وحيدا لتدور عليه الدائرة فيفقد كل شيء ، وربما يتذكر الجميع ( حلقات شاهد على العصر للسيد أحمد منصور مع السيد مهاتير ) وكيف حاول ( مهاتير) من خلالها إستدراك الأمر واستعطاف السيد (أنور إبراهيم ) ولكن بعد فوات الأوان وكما يُقال ( بعد خراب مالطة)، وهنا أقول أن السيد (مهاتير ) لا ينقصه الذكاء والبرامج التنموية ولا يمكن الانتقاص من برامجه وإنجازاته ولكن هناك شيء آخر يتحكم في مآلات الأمور وهو ( حسن الأداء وحسن التعامل مع الطاقات والقدرات البشرية) ، ومن محاسن الأقدار فإنني في هذه الأيام منكب على مطالعة وقراءة كتابَيْ ( تاريخ سنغافورة) و ( من العالم الثالث إلى الرفاهية )
للسيد ( لي كوان يو LEE KUAN YEW) رئيس وزراء سنغافورة السابق ورائد نهضتها والذي جمع حوله الكبار والمتميزين، والذي استطاع أن يترك خلفه دولة قائمة ورجال ونساء نزهاء يتنافسون بكل أريحية ومؤسسات ثابتة واستقرار سياسي وأمني واقتصادي، واستطاع أن يحرر ( السنغافوريين ) من شخصه ومن الولاءات الفاسدة، وها نحن نرى كيف أصبحت ( سنغافورة) تنافس الكبار رغم أنها كانت تابعة لماليزيا واستقلت عنها بداية الستينات فقط، وكيف أن ( ماليزيا ) تتراجع في كل شيء وتساءلت :
( متى نستطيع أن نكون مثل غيرنا من الأمم ونخرج من منطق الولاءات الفاسدة والشخصانية المفرطة وتهميش الطاقات ).
خلاصة كلامي وقد تدافعت إلى ذهني الكثير من الوقائع والأحداث ( منها لقائي مع السيد عمر حسن البشير الرئيس السابق للسودان قبل التقسيم والذي سنفرد له موضوعا خاصا، كما تبادر لذهني" السيد أردوغان رئيس تركيا والذي أتمنى وأسأل الله أن لا يحذو حذوهما وأن يترك تركيا في أحسن حال بعد رحيله)( ودعواتي لكل حكام أمتنا ودولنا أيأل لهم التوفيق والسداد والرشاد )
وأقول: أمتنا فيها كثير من الطاقات من مختلف التخصصات ومختلف الأعمار شباب كهول شيوخ نساء رجال، تحتاج من يجمعها ويحررها من الولاءات الفاسدة والشخصانية المفرطة ويقيم العدل ويوظف الطاقات ويفتح الابواب ... ويتحرر هو أولا من ذاتيته وشخصانيته لينطلق الركب ...
وأخيرا : أوصي بقراءة هاذين الكتابين مع كل الشكر للآخ الفاضل الذي أهداني الكتابين قبل أسابيع ولا يحب كتابة إسمه ... والله من وراء القصد ...
د. عبدالقادر سماري


