الدكتورعبد القادر سماري

قاعدتان في " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" كانتا ولا تزالان مذهبي في هذا الشأن :

قاعدتان في " الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" كانتا ولا تزالان مذهبي في هذا الشأن :
بالأمس الجمعة، دخلت مسجد ( صلاح الدين الايوبي)، صليت ركعتين ثم جلست أستمع للدرس من تقديم الشيخ ( صلاح الدين)، كان موضوع الدرس ( قواعد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، تكلم عن أنواع المعروف المتروكة والواجب الأمر بها، وعن أنواع المنكر المنتشرة والواجب النهي عنها، ضرب بعض الأمثلة ثم بدأ يستعرض الاستشهادات القرآنية والنبوية، كان درسا قصيرا وهادفا وممتعا، بعد الصلاة وقفت مع الشيخ ( صلاح الدين) شكرته على الدرس والخطبتين وقلت له أن أول درس ألقيته في فرنسا كان حول ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ، ثم لما خلوت إلى نفسي تذكرت قصتي مع ذلك الدرس، وبدأت الأحداث تجول بخاطري، كان ذلك سنة 1982، كنت شابا لم يتجاوز عمري 23 سنة، فبمجرد وصولي إلى مدينة (قرونوبل بفرنسا) بدأت أبحث عن الجزائريين فكان أول من إلتقيته الأخوين ( لخضر وعبد المنعم رحمهما الله) فهما يدرسان في مختبر ( الرياضيات التطبيقية
math. app.)
القريب من المختبر الذي كنت فيه ( مختبر الطاقة الكهروكيميائية Énergétique électrochimique )
تعارفنا وتكررت لقاءاتنا ثم أخبراني بأن عندهم جلسات للطلبة الجزائريين وأنني مدعو لحضورها يوم الأحد صباحا، برنامج اللقاء دوما يفتتح أحد الإخوة بقراءة آيات من القرآن ثم التعارف ثم حفظ ثُمن على أن يتولى أحد الحضور تقديم تفسير مختصر ثم يقدم أحدهم موضوعا تتم بعده مناقشة مستفيضة مع إسقاطات واقعية وأخبار عن الوطن ثم تختتم بنصائح نتبادلها بيننا ثم يتم تعيين المكان ومن يقدم الدرس القادم، كانت المجموعة متكونة من :
ثلاثة إخوة إنتقلوا إلى رحمة الله: لخضر بيطام (باتنة)، عبدالمنعم بن الصغير( جامعة)، الهاشمي الصغير(بشار) رحمهم الله، والإخوة : فؤاد لموشي( سكيكدة) مقيم الآن في سويسرا، محمد السعيد غيلاني( توقرت) مقيم في بلجيكا، عمر عبدالقادر( العاصمة) مقيم في هولندا، أحمد حوزي ( فرندة) أستاذ بجامعة ( تيارت)، وصاحب هذه الكلمات.
في تلك الأثناء كانت قد إندلعت أحداث الجامعة المركزية (12 نوفمبر 1982)، كانت الأخبار شحيحة وقليلة جدا فاختلفت التحاليل واختلفت النظرة، وفي هذه الأجواء طُلِب مني الإخوة تقديم الدرس القادم حول ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، فعكفت خلال أسبوع أبحث في الموضوع، فكان المنطلق من الآية الكريمة ( كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتومنون بالله)، وكان كتاب ( إحياء علوم الدين ) للإمام ( أبي حامد الغزالي ) هو المرجع الأساسي مع بعض التفاسير، وكان ذلك البحث هو أول علاقة لي بالموضوع فَرُحتُ أغوص فيه وأسبح في أمواجه وأتنقل بين سفوحه وجباله، وأصبح من مجرد ( درس وموضوع للإلقاء والمناقشة) إلى ( البحث عن منهج وطريقة القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) واستوقفتني طويلا الشروط والقواعد 12 ( الإثنى عشر) التي وضعها أبي حامد الغزالي عليه رحمة الله للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الدوائر التي يتحرك فيها المسلم في هذا الباب والأولويات في ذلك، ولم يترك للمسلم أي حجة للإنزواء والانسحاب والتقاعس عن إصلاح ما فسد وتصويب الاعوجاج والبحث عن أفضل السبل لذلك، فهو بقدر ما يُحمِّلك مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه في نفس الوقت يدفعك إلى ضرورة وزن الأشياء وقياس الأمور وحسن التدبر وحسن الأداء، يدفعك إلى تحمل المسؤولية الكبرى في متابعة الشؤون العامة والسياسية على الخصوص ليقول لك في قاعدة ذهبية بأن:
(( السياسة يجب أن تدور في فلك العقيدة وليس العكس ) فيدفعك إلى الاهتمام بالشأن العام وفي القضايا كلها ويحرّضك على الإصلاح والصلاح في المجالات كلها، ولكنه يجعل لك حدا فاصلا بين الشجاعة والتهور ليعطيك قاعدة أخرى تضبط سلوكك في عملية ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) فيقول لك:
(( وأنت تقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عليك أن لا تحرِّك فتنة يتعدى شرها إلى غيرك أو تأتي بمنكر أكبر من المنكر الذي تريد تغييره) ... لقد ألقيت ذلك الموضوع على الإخوة في قرونوبل قبل 40 سنة، وأرى من واجب كل عامل يعمل من أجل إصلاح أوضاعنا أن يرجع إلى تلك المراجع ويطعمها بإجتهادات المتأخرين عسى الله أن يوفقنا للقيام بهذا الواجب الذي به نصبح : ((خير أمة أخرجت للناس )) ... كانت هذه بعض الذكريات التي لا تزال عالقة في الذهن وموجهة للسلوك...
د. عبدالقادر سماري