أكمل قراءة هذا المنشور رغم طوله وإن شاء الله لا تندم ولعل يكون لك أو لأحد أقاربك دور فيما يحتويه:
أكمل قراءة هذا المنشور رغم طوله وإن شاء الله لا تندم ولعل يكون لك أو لأحد أقاربك دور فيما يحتويه:
قبل أيام وعلى هامش جنازة فقيدنا البروفسور الوزير الشيخ ( السعيد شيبان رحمه الله) كان لنا لقاء أخويا مع معالي الوزير عميد جامع الجزائر الشيخ ( مأمون القاسمي حفظه الله) استرجعنا ذكريات جمعتنا في خدمة الدين والوطن، ثم تواعدنا أن نزوره في المسجد، وحانت الفرصة بالأمس، الخميس، فيسَّر الله لنا زيارته، إستقبلنا كعادته بشوشًا مُبْتسمًا مُرحِّبًا فاتحا ذراعيه، تبادلنا التحايا والسلام وعبارات الأشواق والاشتياق، قدّمنا بين أيدينا عربون الحب والود، وقدَّم لنا ما جاد به علينا من مرطبات وكرم وإكراميات،
ثم استدعى أحد مرشدي المسجد، الشاب الخلوق متنوع المواهب ومتعدد اللغات الإبن ( المهدي حفظه الله) الذي رافقنا في جولة استطلاعية لمختلف مرافق المسجد، هذا الصرح، مفخرة الجزائر، المُقام على الأرض التي وقف عليها ذات يوم ( 15 ماي 1867) الكاردينال المسيحي ( لا فيجري ) فألقى كلمته ومن بين ما جاء فيها ( إن فرنسا والكنيسة متحدتان لاسترجاع أمجاد الماضي .. من هنا سننطلق من أجل إفريقيا المسيحية .. لقد استرجعنا هذه الأرض وإلى الأبد .. إننا سنعمل على إيجاد جيل من سكان هذا البلد يكونون روادا للتبشير والتعميد ...) قال هذه الكلمات ولم يكن يعلم بأن هذا البلد وشعبه سيسترجع وطنه ودينه ولغته يوما، وأن عين الله ترعى الجزائر ولن يقالها ربُّها، وأن المكان الذي وقف عليه سينسب إلى خير البشر ومنقذها صلى الله عليه وسلم ( المحمدية ) ... لقد كانت جولتنا مع الإبن (مهدي) مليئة بالعبر والدروس والعز والافتخار والطموح وبعث الهمم والتطلع إلى المستقبل الواعد، تعرّفنا على مختلف الأجنحة ( المركز الثقافي الإسلامي وقاعة محاضراته الفسيحة ذات 1500 كرسي، المكتبة التي من المقرر أن تحتوي أكثر من مليون كتاب، ثم المبنى الجامعي المخصص للدراسات العليا في مختلف التخصصات والإقامة التابعة له بأكثر من 350 غرفة فردية مجهزة بكل المستلزمات، ثم الجناح الإداري، ثم ولجنا إلى بهو "منارة جامع الجزائر" والتي تعتبر من أكول المنارات ب 260مترا، و43 طابقا مختلفة العلو ، صعدنا السلم الهوائي لننتقل بسرعة 5أمتار في الثانية إلى قمة المنارة وبَهْوِها الفسيح المغطى بالزجاج والبِلَّوْر فتتراآى من خلال شرفاته " جزائر سيدي عبدالرحمن، جزائر مزغنة" استعملنا "المنظار المقرب" ورحنا نتمتع بأبصارنا بجولة عبر أحياء عاصمتنا "باب الوادي، بلوزداد، المدنية، حسين داي، الخروبة، حي الجبل، الحراش، المحمدية، الدار البيضاء، باب الزوار، برج الكيفان، تامنفوست، عين طاية ... ) ، ثم وقفنا على هضباتها واستأنسنا بمآذن مساجدها، ولامستْ أرجلُنا بعيوننا مياه شطآنها، وتفقدنا بأبصارنا مختلف منجزات جزائرنا ... وَلَهَجَتْ ألسنتُنا شكرا لله وترحما على الشهداء والمجاهدين من الرجال والنساء الذين إختارهم الله لرفع كلمته وتحرير أرضه واسترجاع هيمنةَ دينه ودحر عدوه ... كانت لحظات فارقة، تحمل الكثير من المعاني والأماني والطموحات من هذا المكان، ننظر شمالا نحو أوروبا وجنوبا نحو إفريقيا وشرقا وغربا نحو امتداد أمتنا ... ثم استكملنا جولتنا فمررنا بساحات شاسعة مزينة بالرخام ونافورات المياه، ولقد أثلج صدري (سي المهدي ) حين قال لي : "إن أسفل هذه الساحات توجد خزانات تستقبل مياه الأمطار حين تنزل من السماء فتخزن عبر مجاري ومسامات ثم يعاد إستعمالها"، وختمناها بقاعة الصلاة التي يمكنها أن تستوعب أكثر من 35000 مصلي بالداخل فقط ناهيك عن الساحات الجانبية، كل ما في القاعة مرتب ومنظم أحسن تنظيم، صلينا ركعتين، ثم بدأنا نستمع لشروحات مرافقنا، عن الأبواب والسجاد والمنبر والمحراب والثريا، هندستها وطابعها ونمطها ومكوناتها، كلها ترجع إلى الطابع الاندلسي ومستوحاة من مساجد الجزائر القديمة، و معظم ما فيها جزائري، البساط جزائري tapi d'or، الأبواب جزائرية خشب البلوط من ورشات مدينة المدية، النقوش بأيدي جزائرية، ثم تتبعنا الآيات المنقوشة فوق المحراب وعلى الجدران وفي المنبر من (سورة النور، سورة البقرة ) وأسماء الله الحسنى وبعض الأدعية، ولقد كانت حاضرة أيضا تلك العبارة التي تستهويني دوما وأتوقف عندها كلما وجدتها منقوشة في عرصات ومحاريب ومنابر مساجدنا (( لا غالب إلا الله )) فَرُحْتُ أكررها بيني وبين نفسي ( لا غالب إلا الله، لا غالب إلا الله ... )، أنهينا جولتنا، وفي طريق عودتنا مررنا بالأبواب والمنافذ الأرضية التي تؤدي إلى مرأب السيارات على طابقين سفليين سعتهما أكثر من 4000 سيارة بالإضافة إلى أماكن التوقف خارج الجامع وأمام العمادة وفي محيط المركز الثقافي وقرب المكتبة وقرب الجامعة وعند السكنات الوظيفية، إستوقفنا ( سي المهدي حفظه الله ) عند شجيرات الزيتون الثلاث التي جيء بها من ساحات ( المسجد الأقصى بفلسطين ) وتم غرسها في ساحة ( جامع الجزائر ) فاقتربت منها ولمست أوراقها وشممت ريحها وعبيرها ... وعدنا إلى مكتب معالي الوزير عميد الجامع والعود أحمد، لتكون الجلسة الدسمة، علما وحلما وروحانية وشروحات وتطلع لما هو آت،
قدم لنا فضيلته ما تصبو إليه الدولة من خلال هذا الصرح، ونظراته حول الرؤية المستقبلية في كيفية أن يكون هذا المَعْلم منارة يُهْتدى بها، والتي تتمثل في:
أن يستقطب النخب من العلماء والمربين أصحاب الكعب الرفيع والسند العالي في مختلف العلوم والفنون للتأطير والإشراف على مختلف أنشطته ،
وأن يجمع خِرِّيجوه بين العلم الشرعي والسلوك القويم والهمة العالية،
وأن يجد فيه عُمَّارُه ورُوَّادُه: طمأنينةَ القلب وسكينةَ الروح وصفاءَ الفكر وحسن الاقتداء.
وأن تحوز الجزائر به ومن خلاله فضل السبق والريادة في نشر تعاليم ديننا السمحة وتُرسِّخ لدى أجيالنا منهج الوسطية والاعتدال في العقيدة والفكر والسلوك لنعيش لديننا ووطننا وأمتنا.
وأن يُشِع بأنواره وهداه على محيطنا الافريقي والعربي والإسلامي والمتوسطي.
إنها آمال وأماني نرجو أن يرثها أبناؤنا وأحفادنا لتكون لحياتهم معنى ...
كان يوما من أيام الله ... ولا يسعني إلا أن أقول عن ( جامع الجزائر):
(( كل ما فيه أجمل من كل ما فيه ))
فهو يحتاج عبر الأجيال إلى :
حسن الصيانة، وحسن التثمين وإتقان التوظيف ... مع دعواتنا لعميده وطاقمه بالتوفيق والسداد والرشاد ... والله من وراء القصد ...
وجمعة مباركة للجميع.
د. عبدالقادر سماري





