وصلني قبل قليل خبر مرض هذا الشيخ الوقور الذي في الصورة وهو طريح الفراش، فلم استطع أن أنام قبل أن أكتب عنه، فهو من الرعيل الأول، نموذج من نماذج الرجال الكبار، خدم دينه الاسلام، ووطنه الجزائر، في كل مراحل حياته، شابا وكهلا وشيخا، إلتحق بجيش التحرير الوطني في ريعان شبابه أَلقى عليه القبض الاستعمار الفرنسي فدخل السجن وكان في نفس الزنزانة مع الشيخ أحمد حماني رحمه الله، بعد الاستقلال إشتغل ( ممتحن لرخص السياقة ) ثم إنسحب ليتفرغ للتجارة والدعوة في سبيل الله، علاقتي به لم تنقطع منذ أن تعارفنا، نتفق في بعض الأمور ونختلف في أخرى، ولكن الحب والود والاحترام هو السائد بيننا، إذ أن الاختلاف لا يُفسِد للود قضية، ولي معه قصص وحكايات، وهذه بعضها:
وصلني قبل قليل خبر مرض هذا الشيخ الوقور الذي في الصورة وهو طريح الفراش، فلم استطع أن أنام قبل أن أكتب عنه، فهو من الرعيل الأول، نموذج من نماذج الرجال الكبار، خدم دينه الاسلام، ووطنه الجزائر، في كل مراحل حياته، شابا وكهلا وشيخا، إلتحق بجيش التحرير الوطني في ريعان شبابه أَلقى عليه القبض الاستعمار الفرنسي فدخل السجن وكان في نفس الزنزانة مع الشيخ أحمد حماني رحمه الله، بعد الاستقلال إشتغل ( ممتحن لرخص السياقة ) ثم إنسحب ليتفرغ للتجارة والدعوة في سبيل الله، علاقتي به لم تنقطع منذ أن تعارفنا، نتفق في بعض الأمور ونختلف في أخرى، ولكن الحب والود والاحترام هو السائد بيننا، إذ أن الاختلاف لا يُفسِد للود قضية، ولي معه قصص وحكايات، وهذه بعضها:
1- أول لقاء جمعنا كان ذات يوم من شهر ديسمبر 1983 في مسجد ( ابن باديس ) بمدينة ( شلغوم العيد ) كنت قد دخلت للجزائر في عطلة من فرنسا حيث كنت طالبا وأريد أن أتزوج، فأخبرني أحد الإخوة ( الاستاذ مالك عبدالقادر ) بأن في شلغوم العيد هناك رجل (الحاج يوسف بوفارس رحمه الله) عنده بنت تقدم الحلقات والدروس في مسجد المدينة، فطلبت منه التوسط، فتواعدنا، ذهبت إلى شلغوم العيد مع ( الاخ أبوبكر بن حمادي رحمه الله) بعد الصلاة دخلنا المقصورة، لم أكن أعرف أحدا سوى الاستاذ ( مالك عبدالقادر الذي رتب الموعد) ، كان الحضور كلهم من ذوي اللحي الطويلة، افتتح أحدهم اللقاء وبين سبب اللقاء بأن : هذا القادم إسمه (عبدالقادر سماري) وهو طالب دكتوراه في فرنسا وجاء ليخطب بنت ( الحاج يوسف).
أول مرة أتعرف على الحاج يوسف، الذي يصبح فيما بعد ( جد أولادي ونعم الجد)، بدأ التعارف بيننا، وبدؤوا يسألونني من أعرف من المشايخ والدعاة فذكرت بعضهم حتى إذا وصلت لإسم ( الآخ عبدالقادر حشاني رحمه الله ) الذي كنت قد زرته قبل أيام في بيته بسكيكدة مع أخي عبدالمالك بوغازي، فلما ذكرت إسمه قال الحاج يوسف : إذا قَبِل بك الآخ حشاني وقبلتْ هي فمبروك عليكم.
هممنا بالانصراف لنلتقي في موعد آخر ليأتي معي أهلي ويحضر الآخ حشاني، لكن أحدهم وهو صاحب الصورة الذي نتكلم عنه وقف وقال علينا تطبيق السنة النبوية، سألناه : ماذا نطبق، قال : (ينظر إليها وتنظر إليه عسى أن يؤدم بينهما).
تناقشنا في الموضوع، كان مُصِرًّا،
فخضعنا لمطلبه وذهبتُ مع ( الحاج يوسف) إلى بيته ولأول مرة أنظر إلى التي تصبح فيما بعد ( أم أولادي) لترافقني في حياتي طيلة 38 سنة... كانت تلك النظرة بعد إصرار صاحبنا وبعدها الخطبة والزفاف والسفر.
2- المحطة الثانية مع صاحبنا كانت بعد الزواج وقد توطدت علاقتنا وعلمت أنه الصديق الحميم ل ( الحاج يوسف) وتعرفت على بعض مآثره وتاريخه وعلاقاته، فلما تزوجت ورجعت إلى فرنسا وكنت أقيم خطبة الجمعة في مسجد ( الفتح très cloîtres) بمدينة قرونوبل ( Grenoble ) وكان في ذلك الوقت عبارة عن شقق تحت العمارات، فجاء أحد الشيوخ ( ب. ن.) من نواحي جيجل وبدأ ينشر فتوى وإشاعة بأن الصلاة تحرم ولا تجوز في أماكن تحت عمارات يسكنها الكفار والأولى الصلاة في البيت، وبدأ الناس يهجرون المصلى، ولم يبق معنا إلا عدد قليل، فكنت مع بعض الإخوة نحاول معهم فنزورهم في بيوتهم أو نلتقيهم في المقاهي والساحات العامة فأصروا على ذلك وقالوا : لا نرجع حتى تأتينا بفتوى من الشيخ أحمد حماني شخصيا. فأتصلت بصاحبنا، وشرحت له الموضوع، وكنت قد علمت أن علاقته بالشيخ حماني رحمه الله لم تنقطع، وبعد 15 يوما تأتينا الفتوى في 10 صفحات بختم الدولة الجزائرية وإمضاء الشيخ أحمد حماني، وزعناها على الجالية المسلمة وعلقناها في باقي المساجد ومصليات مدينة قرونوبل، فرجع الناس لبيت الله وهي عامرة إلى يومنا هذا.
3- المحطة الثالثة مع صاحبنا، كانت معركة خضناها معا، فبعد رجوعي من فرنسا أخبرني عن إنتشار ( البهائية) في ( شلغوم العيد ) وقد مر على ذلك بضع سنين، والتي كادت أن تفسد عقائد كثير من الشباب، فبدأنا في البحث والتنقيب حتى عرفنا رؤوسها ومدبريها وكيف ينفقون الأموال لنشر العقيدة البهائية وفكرها وسمومها، فحاصرناهم بجميع الوسائل ومن كل الجهات، واستعنا بالخطباء والمشايخ والأساتذة وبعض المسؤولين، وبعد جهد جهيد كان النصر المؤزر واندحر أصحاب تلك الدعوة المشؤومة لغير رجعة إن شاء الله.
4- أما المحطة الرابعة والتي لا تنتهي فصولها ولا تنقطع حلقاتها، كلما إلتقينا أو تواصلنا بالهاتف كانت محور كلامنا، نتوافق في بعض مفاصلها ونختلف في أخرى، إنه الهَمُّ المشترك الذي نحمله والمتمثل في كيفية نصرة الدين وحماية الوطن وإقامة العدل ورد المظالم ومحاربة الفساد ... فهذه تدافعات وقضايا تبقى ما بقي الإنسان ، وما بقي الخير والشر
أما صاحبنا فهو :
عمي الحاج (( موسى شعلال)) حفظه الله ورعاه وشفاه وأبعد عنه كل الاسقام، فهو من مواليد شلغوم العيد بولاية ميلة سنة 1938 وقد ناهز 84 عاما من عمره، وإني أُشهد الله بأنني منذ عرفته وهو محب للإسلام منافح عنه باذل في سبيله الغالي والنفيس قائم على حدوده محب العلماء والدعاة حتى وإن اختلف معهم في بعض الفروع، كما كان مولعا بالجزائر مدافعا عن أصالتها ساعيا لتحقيق العهد الذي قطعه مع إخوانه الشهداء والمجاهدين لإقامة الدولة الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المباديء الإسلامية ... والحمد لله للجزائر رجال أوفياء في كل مكان، يعملون في هدوء، منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا ... نحن مطالبون بأن نتعرف عليهم ونأخذ عنهم... فهم مناراتنا ومرجعياتنا ومعالمنا... وسنبقى لهم أوفياء ...الصور كانت قبل أشهر وقد كان أحسن مما هو عليه الآن ... فلا تبخلوا عليه وعلى أنفسكم بالدعاء.
د. عبدالقادر سماري

