الدكتورعبد القادر سماري

... بين نهاية عام وبداية سنة جديدة ... دائما : وفاء حب وتواصل ...

... بين نهاية عام وبداية سنة جديدة ... دائما : وفاء حب وتواصل ...
ختمنا عام 2022 بذلك اللقاء الذي جَمَعْنا فيه أصدقاء الوالد رحمه الله ومعلمينا وأساتذتنا وأصدقائنا من تلاميذ الابتدائي والمتوسط وأفراد عائلتنا فكان لقاء مميزا تكلمنا عنه في المنشور السابق ... بعده، وقد دخل أول يوم من سنة 2023، سمعنا بوجود أحد أعلام أمتنا بالجزائر وأنه قدمها في جولة علمية تربوية دعوية، وأن له بمقر الحركة ( حمس ) ندوة فكرية، والرجل تربطنا به علاقة قديمة ترجع إلى أكثر من 30 سنة، حين دعوناه إلى جامعة سطيف سنة 1991 مع بداية الانفتاح في ذلك الملتقى الذي أشرف عليه الطلبة من أمثال ( عمر مبارك منصوري - المهندس نذير بن جاب الله - إبراهيم مباركي - الطاهر مزروع - عبدالرحيم قيطوم - خالد مباركي - عبدالحميد حمر الراس - عبدالمالك بوزيد - زكريا كرميش) وهؤلاء كلهم الآن أعلام كل واحد في تخصصه، أما نحن الأساتذة فكان دورنا مرافقتهم ودعمهم واستضافة القادمين للملاقى، كنتُ وقتها مدير الدراسات العليا بجامعة سطيف، ولقد حضر ذلك الملتقى جمع من علماء الأمة أذكر منهم ( الشيخ بوسليماني، الدكتور توفيق الشاوي رحمهما الله - الاستاذ كمال الهلباوي - الشيخ أبو جرة سلطاني- الاستاذ ضو مسكين - الدكتور أحمد بن محمد - وزائرنا الذي سنتكلم عنه بعد قليل... " غاب عنه الشيخ محفوظ رحمه الله لأنه كان في السودان" ) كان اللقاء تحت عنوان ( نظام الحكم في الإسلام ) ولقد أبدع فيه الحاضرون وقدموا تصورات من أروع ما يكون حول ( التعددية - المعارضة - الانتخابات - الترشح - دور النخب - بين الدولة والسلطة - الدولة القطرية والخلافة الاسلامية - مشاريع إحياء الأمة ... ) كان ملتقى مميزا استفدنا منه في مسارها السياسي ... المهم أن زائرنا تعرفنا عليه في ذلك الملتقى ومن محاسن الأقدار أننا حين قمنا بتوزيع الضيوف على بيوتاتنا كان نصيبي (صاحبنا الذي سنذكره مع الدكتور " توفيق الشاوي رحمه الله " فاستضفتهما في بيتي، وكانت لنا قصة طريفة لا يتسع المجال لذكرها، ثم بعد ذلك توالت لقاءاتنا في بريطانيا وفرنسا وتركيا والسعودية وماليزيا وغيرها من البلدان في أنشطة متنوعة ومختلفة ولكن كلها تصب في ( خدمة ديننا والإرتقاء بأوطاننا ونهضة شعوبنا )، آخر تواصل بيننا كان عن طريق الهاتف في قضية تصريح الشيخ الريسوني التي انتهت حلقاتها على خير وكان لثاحبنا دور بحمد عليه ... فلما سمعت قبل يومين بقدومه للجزائر عزمت على ملاقاته لاسترجاع بعض الذكريات وأن ننهل من علمه وحفظه، فخرجت من سطيف صباح أمس إلى العاصمة لأوافي الجمع بمقر حركة مجتمع السلم ب ( المرادية ) فكان جمعا مباركا حضره الكثير من الإخوة الأفاضل أذكر من بينهم ( الدكتور أحمد بوساق - الدكتور عبدالرزاق مقري - الدكتور اسماعيل ميمون - الاستاذ محمد مخلوفي - الدكتور عبدالرزاق عاشوري- الاستاذ عبد الرحمن بن فرحات - الاستاذ عبد العالي حساني -الدكتور فاروق طيفور - الاستاذ محمد الويز - الدكتور ابراهيم بودوخة-الاستاذ لعموري نورالدين - الاستاذ نصرالدين حمدادوش- الاستاذ عبدالرشيد ميرة - الاستاذ ابراهيمي ...) كانت جلسة طيبة للتذاكر والذكرى، إنتقلنا بعدها لقاعة المحاضرات بالمقر، لنجد جمعا محترما في الانتظار، وتبدأ الجلسة بآيات من الذكر الحكيم للشاب المتميز مروان ثم التنشيط من طرف الاستاذ حمدادوش، بعدها كلمة ترحيبية لرئيس الحركة د. عبدالرزاق، وكلمة خفيفة لضيف من ضيوف الجزائر د. أحمد جدو من موريتانيا ... ثم بدأ الغيث ينهمر من عند صاحبنا، كل ما فيه يتكلم: لسانه وحنجرته يده ملامحه تقاسيم وجهه إبتساماته، درر من الشعر والنثر، كان موضوع مداخلته تحت عنوان :
(الرؤى التجديدية في الفكر السياسي الإسلامي)، فبعد مقدمة عامة شكر الداعين وعبارات حب للجزائر وذكر مآثر رحالها وتاريخها ثم ملام عن أوضاع الأمة والتحديات العالمية، وإشارات إلى ضرورة التكامل المعرفي والتراكم العملي، ثم مفهوم الوسطية المرتكز على التوازن المحمود بين طرفي الإفراط والتفريط في كل شيء، والخيرية والعدل في حياة البشر، وضرورة التوازن بين ظلم الحكام وطغيان العوام، بعد ذلك دخل في صلب الموضوع حول تجديد النظر في بعض المسائل وآليات التعامل معها ذكرها :
- مصادر المعرفة والمتمثلة أساسا في الكتاب المسطور والكون المنظور، بعد الكلام عن كتاب الله تلاوة وحفظا وتدبرا واستنباطا ، بعده أسهب في الكلام عن الكون المسطور وعن السنن الإلهية المودعة في الكون والمسخرة للإنسان فهو مطالب بالاستفادة الدائمة من هذه المسخرات.
- النظرة للدنيا والتي نحن مطالبون بإعمارها وتوظيف جميع الطاقات لبنائها، بعيدا عن المفهوم الخاطيء للزهد، فقد تكون غنيا زاهدا كما كان الحسن البصري، وفي المقابل يوجد فقير حريص غير زاهد، فلا علاقة للزهد بالفقر والغناء، إنما الزهد سلوك ومعاملات، فالدنيا خلقت للإنسان والإنسان خلق لعبادة ربه ...
- ثم شمول المنهج لا يعني تركيز العمل في شخص واحد أو هيئة واحدة وأسهب الشيخ في ذكر تنوع الوظائف والمهارات عند الصحابة وكيف استطاع رسول الله صلى الله عليه وسلم استغلال ذلك في من كان حوله، وهو ما يعبر عنه بالتخصص الوظيفي سواء داخل الدولة أو الجماعات والأحزاب أو الأسرة الواحدة، لأن مطالب الحياة تتطلب مهارات يجب تطويرها وتحسين أدائها والارتقاء بها، في إطار الاجتهاد الجماعي المتكامل والمتناغم.
- ثم تناول قضية الوطن الذي له استحقاقاته من حيث أنه الحيز المكاني اللازم الاهتمام به وتطويره، ثم أن للمواطنين باختلاف مشاربهم وأفكارهم وعقائدهم فلهم أيضا استحقاقاتهم وحقوقهم ومن هذا الباب يجب تعظيم المشتركات بين جميع مكونات الوطن الواحد، وليكون التراحم هو السمة الظاهرة في السلوك السياسي لأصحاب المشروع الذي نريد أن تحيي به الأمة وتصل أنواره للناس حميعا ... اختتم كلامه بنصائح عن مميزات المشروع الذي نحمله والذي يجب أن نورثه للأجيال القادمة ليكون هادئا للبشرية كلها ... كان ذلك شاطيء محيطه الذي سبحنا فيه سائلين الله أن ينفعنا به.

صاحب هذه الدرر، الذي قطعنا المسافات لزيارته والحفاوة به هو الاستاذ الدكتور الشيخ عصام البشير وزير الشؤون الدينية والأوقاف السابق في دولة السودان الشقيقة ونائب رئيس الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين، نتمنى له إقامة طيبة في بلده الثاني الجزائر والتي عبر لنا عن حبه لها وعشقه لرموزها وعلمائها، فهو يُكِنُّ للشيخ ابن باديس والابراهيمي والورثلاني والنحناح رحمهم الله احتراما وتقديرا ويغتبرهم رواد الأمة وصانعي أمجادها ونهضتها ... معذرة عن الإطالة
د. عبدالقادر سماري