....هكذا كان آخر يوم من سنة 2022: وفاء، حب وتواصل...
....هكذا كان آخر يوم من سنة 2022: وفاء، حب وتواصل...
صبيحة أمس، السبت، لم تكن مثل غيرها من الصُّبْحِيَّات، تحقق فيها حلمٌ راودني منذ سنوات لتكريم أساتذتي وأصدقاء والدي ( سيدي عمار رحمه الله) وملاقات زملائي التلاميذ، كان الموعد الساعة التاسعة صباحا في مدرسة عبدالرزاق العيدي، وصلت باكرا، تَفَقَّدْنا المكان: الخيام ضُرِبت، والكراسي صُفِّفت، والإكراميات وُضِعت، والأجواء تهيأت لاستقبال أهل الفضل علينا، أساتذتنا ومعلمينا وعمال مدرستنا، كذلك زملائنا التلاميذ الذين كانوا معنا في الطور الابتدائي والمتوسط، كما دعونا بعض تلاميذ المدرسة القدامى الذين كانوا بها قبل 70 سنة، حاولنا أن تصل الدعوة إلى أكبر عدد ممكن، ولكن نظرا للظروف قَدَّرنا أن يحضر بين 50 و 60 مدعو، لكن مديرة المدرسة، السيدة شناح، ونائبتها، السيدة رباح، أصرتا على جلب أكبر عدد ممكن من الكراسي، وكانتا على صواب، الساعة الثامنة والنصف وقفتُ مع بعض الاصدقاء عند مدخل المدرسة ننتظر القادمين،كنت أتمرن على أن أتذكر كل قادم، طبعا مع الأخذ في عين الإعتبار فعل الزمان من شيب وتجاعيد، خاصة وأن الكثير منهم لم نلتق بهم منذ عشرات السنين، بدؤوا يتوافدون، أولهم كان ( الاستاذ سيدي العربي الوالي) كان أستاذ اللغة العربية ثم مفتش كما أنه كان من تلاميذ هذه المدرسة الأوائل عند إفتتاحها، بعده مباشرة الأستاذ ( سيدي عبدالمجيد سعدودي) أستاذ الأدب العربي، ثم بعده الاستاذ ( سيدي الخير جابو) أستاذ الرياضيات، ثم الاستاذ ( سيدي صالح بركاتي ) أستاذ الاجتماعيات، ثم الاستاذ ( سيدي علي بن حسن ) المفتش، وبعده الاستاذ ( سيدي أحمد لقصير) ثم أستاذ اللغة الفرنسية الأديب ( سيدي الطاهر دومي) والتحق شقيقي الأكبر ( سيدي الميلود سماري ) ... ثم بدأ العدد يتكاثر من معلمين وتلاميذ وعمال، معظم الأساتذة والمعلمين قاربوا الثمانين سنة وبعضهم تجاوزها، أصدقاء الدراسة أعمارهم تجاوزت الستين، أما الملفت فهو حضور السيدة ( خديجة ) نناديها ( خالتي خديجة ) تجاوزت التسعين سنة، كانت تهيء لنا فطور الصباح ( حليب، خبز، معجون) وتسهر على دفء الأقسام ونظافتها ( المدرسة في ذلك الوقت بها قسمين فقط)، توافدت الجموع، شيوخ عجائز كهول شباب أطفال ذكور وإناث ، كان من بين الحضور أخويَّ وشقيقاتي كل أبناء ( سي عمار سماري وجميلة سلوم رحمهما الله) تتلمذوا بمدرسة عبدالرزاق العيدي، غابت الدكتورة نونة لأنها في ( البحرين ) وأمي الثانية أختي ( عائشة ) لأنها في ( فرنسا)، حضر الأبناء والأحفاد، كما حضرت عائلات كاملة، ما إن وصلت الساعة التاسعة صباحا حتى إمتلأ الفناء، تجاوز العدد 200 شخص، الأعمار بين ( من9o أو أكثر إلى 7 سنوات أو أقل)، بعد التحايا والسلام وتبادل الأشواق وإعادة التعارف وإسترجاع الذكريات مع بعض الدمعات الممزوجة بالابتسامات، أخذ الجميع أماكنهم داخل الخيمة الكبيرة، البعض بقي واقفا، تعرفت على معظم الحضور، وترحمت على الذين فارقونا إلى دار البقاء ... بدأ الحفل بآيات من كتاب الله للشيخ ( فيصل حلقوم) قالت لي شقيقتي ( أنه تلميذها قبل سنوات)، ثم النشيد الوطني، بعدها جاء دور منشط الحفل الاستاذ الأديب الشاعر ( بشير بوكثير ) الذي أتحفنا بكلمته عن مراحل تحضير الحفل والمغزى منه، ليتقدم بعده تلاميذ المدرسة الحاليين بأنشودة ترحيبية من الزمن القديم، سكبت أثناءها العبرات وتعالت التصفيقات والزغرودات، ثم كانت كلمة أستاذنا ( سيدي العربي الوالي) الذي قدم لمحة عن المدرسة التي تعتبر أول مدرسة نظامية في المنطقة، ثم أخبرنا عن أنواع الدروس التي كان يقدمها الفرنسيون للتلاميذ وكيف يبثون سمومهم عن التاريخ والآداب والأخلاق، كانت كلمته جد مؤثرة ومعبرة عن معاناة الشعب الجزائري أثناء الاحتلال الفرنسي، ثم أخبرنا أنه لم يرجع إلى هذه المدرسة منذ خروجه منها سنة 1961، ثم كانت دردشات بين الحضور، ثم جاءت فقرة أخرى في الحفل وهي تقديم درس لتلاميذ قسمنا يعيد ذكريات سنة 1970، بأمر من مديرة المدرسة دق الجرس، وقفنا نحن تلاميذ السنة السادسة إبتدائي في ساحة المدرسة مثل ما كنا نفعل قبل خمسين سنة، وجاء المعلم ( سيدي علي بن حسن)، نظم الصف، ثم أمر بالدخول للقسم وهو يتفقد الأظافر والشعر لكل تلميذ، دخلنا القسم عرف كل واحد منا مكانه، مكاني كان الطاولة الأولى على يمين القسم مقابل مكتب المعلم، ثم بدأ الدرس :
( أنواع الفاعل : الاسم الصريح - الضمير المتصل - الضمير المستتر - الضمير المنفصل - إسم الإشارة - إسم الموصول ...) ضرب لذلك أمثلة، وألقى علينا بعض الأسئلة، كان درسا تفاعليا معنا نحن تلاميذ سنة ( 1970) تماما كما كان من قبل.
ثم رجعنا إلى الجموع التي كانت تنتظرنا في الساحة عند الخيمة، ليأتي دور تلاميذ المدرسة الحاليين،من جديد، لتقديم عرضا للألبسة التقليدية الجزائرية المحتشمة والأنيقة، ثم عرض مسرحية عن إحترام المعلم وقدسية رسالته، ولقد أبدع التلاميذ وأحسنوا الأداء وخاصة ( الطفلة ) التي قامت بدور المعلمة، ثم تقدم الدكتور العربي زروال بقصيدة شعرية عن ( التلميذ الناجح)، ثم كانت كلمتي التي نوهت فيها بدور الطاقم الإداري في إنجاح هذه التظاهرة، وركزت فيها على خصال المعلمين والأساتذة الذين رافقوني في مسيرتي الدراسية معترفا لهم بأفضالهم عليَّ وعلى زملائي التلاميذ الذين أصبح منهم الاستاذ والطبيب والدكتور والمدير والممرض والعقيد والشرطي والفلاح والتاجر والمهندس، وأكدت أن معظم أساتذتي كانوا أيضا أصدقاء والدي (سيدي عمار رحمه الله) وأن هذا التكريم جمع بين عدة غايات ( تكريم أصدقاء الوالد و تكريم معلمينا والتواصل مع الاصدقاء)
ثم دعوت أساتذتي للمنصة وبدأنا عملية التكريمات وأثنائها كان لكل معلم وأستاذ كلمة بالمناسبة، ثم جاء دور تكريم زملائي التلاميذ بتقديم صورة جماعية قديمة أُخذت لنا قبل 50 سنة ، ثم بدأنا في أخذ الصور التذكارية لنختم اللقاء بالإكراميات التي تم إعدادها في البيوت من كل ما لذ وطاب ... هنيئا مريئا ... وأختُتِم الحفل الذي تلاقت فيه كل الأجيال، وذابت كل الفروقات، وانصهرت فيه كل الطاقات... وحان وقت الفراق وصعب الافتراق الذي لا بد منه ... آملين أن تحذوا المؤسسات التربوية والجامعية والتكوينية حذو مدرستنا بمبادرتها الطيبة هاته، فتقيم الاحتفالات ليجتمع الشتات خدمة للدين والوطن وضمانا للوحدة والانسجام ... هكذا كان آخر يوم من سنة 2022 ... لنستقبل سنة 2023 سائلين الله أن تكون مليئة بالأمن والأمان والسلامة والإسلام والحب والوصال والرحمة والحنان والعمل والإتقان ... شكرا لكل من ساهم في إنجاح الحفل من قريب أو من بعيد... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري













