الدكتورعبد القادر سماري

من العاصمة إلى الشلف ذهابا وإيابا:

من العاصمة إلى الشلف ذهابا وإيابا:
( وأما بنعمة ربك فحدِّث )
( وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها).
الآية الأولى: أمرٌ من الله بالحديث عن نعمه سبحانه علينا.
والثانية: تنبيه وإشارة لضرورة ذِكر النعم رغم علمه بأننا لن نحصيها كلها.
ونِعم الله وأفضاله علينا كثيرة ومتنوعة، ليست فقط مالٌ وأولادٌ وجاهٌ وسمعٌ وبصرٌ وغيرها من المحسوسات، بل هناك نعم أخرى قد ينالها الناس ولا ينتبهون لها، وقد يحرم منها الكثير ... وبالأمس أفاض الله علينا بنعم متتالية تترى: أداء واجب، رفقة صالحة في الطريق، ملاقاة أحباب بعد فراق لسنوات، جلسة تلاوة كتاب الله، مجلس موعظة، صلاة جنازة، تفسح في أرض الله، تواصل مع أصدقاء جدد للتذكير والتواصي بالمعروف، لنختتم اليوم بفطور جماعي ودرس عن سيرة المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ... كان هذا كله يوم أمس الأحد، سمعنا بوفاة والدة أخينا الأستاذ النائب معمر عمر رحمها الله وأسكنها فسيح جناته، إتصلت بأخي الاستاذ ( محمد مكركب ) طلبت منه الرفقة إلى ولاية ( الشلف) لأداء واجب العزاء، ( الرفيق قبل الطريق ) إستجاب لطلبي كعادته دون تردد، وهذه إحدى خصاله الكثيرة المحمودة، وهو مشكور، في الطريق كان لنا إتصال بأحد معارفي الجدد ( س. ج.)، عبر الهاتف، السيارة مجهزة بمكبر صوت داخلي، مكالمة كلها كانت عن الأخلاق والقيم والقرآن والمحبة في الله والصداقة، كُنا في حلقة درس وتذكير عبر الأثير، وصلنا إلى مقر العزاء ببلدية ( واد سلي ) إستقبلنا الآخ الاستاذ (معمر عمر) حفظه الله مع إخوانه وأهله، كان شديد التأثر من فقدان والدته، أعرف جيدا هذا الشعور وذاك الاحساس الذي يذوب من الفؤاد ويتفطر له القلب ويتقطع له الكبد، فلقد ذقته من قبل، حين فقدت والدي ( سيدي عمار رحمه الله) وبعده والدتي ( أمي جميلة رحمها الله) وقبلهم أجدادي ( الحاج الضيف والحاج المكي رحمهما الله) وبعدهم الكثير من الأحباب والأصدقاء، ذقت مرارة مصيبة الموت مرات ومرات، طعمها صعب المستصاغ، احتضنت أخي ( معمر ) همست في أذنيه بعض عبارات المواساة والعزاء، دلفنا إلى إحدى الغرف فوجدنا عددا من الإخوة والأصدقاء، أساتذة، نواب، عمال، جلسنا بعض الوقت نتبادل التحايا والسلام والسؤال عن الأحوال، ثم إنطلقنا إلى المسجد لأداء صلاة الظهر وصلاة الجنازة، بفناء المسجد كان خلق كثير من مختلف الولايات القريبة والبعيدة، رغم جلال الموقف وهَيْبَة المناسبة إلا أنه كانت هناك صورة جمالية رائعة بهذا الاجتماع الذي تلاقت فيه الأجسام بعد تلاقي الأرواح والقلوب في فسيفساء من الشباب والكهول والشيوخ، بعضهم لم ألتق بهم منذ أكثر من عشرين سنة، جمعتنا ذات أيام لقاءات وندوات ومخيمات ومجالس، تذكرنا الأمر الذي جمعنا والمشروع الذي نذرنا أنفسنا لخدمته، وتلك السنين الخوالي التي كانت مليئة بالحب والأخوة والعمل والتضحية والبذل والعطاء خدمة للدين والوطن، كلما وقفت مع أحدهم وعانقته إلا وتسابقت إلى ذهني ذكريات كانت معه، كنت أحمد الله عن ما بقي في ذاكرتي من أحداث مع الجميع، لا أستطيع أن أذكر الأسماء مخافة أن أنسى بعضهم، خاصة أن الجميع كانت تربطني بهم علاقات متميزة، وبعد السلام وتبادل الأشواق دخلنا المسجد، كان بداخله عدد قليل، تقدمت إلى الصف الأول، صليت ركعتين، توافد بعض المشايخ على الصف الاول والثاني، أخذوا مواقعهم، عملوا حلقة، وجدت نفسي في إحدى أطرافها، افتتح أحدهم بصوت جَهْوَري وتبعه الآخرون :
( أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله الرحمن الرحيم : وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إلى الله وهو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى ... ) إنها سورة ( لقمان )، قبل فجر اليوم كنت أراجعها مع سورة (السجدة) وسورة (الأحزاب)، سبحان الله ما أجملها من فرصة وما أحلاه من قدر، دخلت معهم في القراءة، تذكرت جلسات التكرار في رأس الوادي بمسجد العتيق مع الشيخ (سي الرزقي رحمه الله ) وفي سطيف بمسجد السبطين مع الآخ ( فيصل حفظه الله)، كانت قراءة برواية ورش وبطريقة (الحدر) مع مخارج الحروف الواضحة والوقف المتناغم، دخلنا سورة ( السجدة ) سجد الجميع عند قوله تعالى ( ... وهم لا يستكبرون ) أكملنا القراءة، ودخلنا سورة ( الأحزاب ) توقفنا عند قوله تعالى
( ... والله أحق أن تخشاه)، أذن المؤذن، وقف الامام وقدّم موعظة، وجلت منها القلوب وذرفت لها الدموع، عن طبيعة الانسان، عن الموت، عن حقيقة الحياة، عن العلاقة بالله، عن ما ينتظره الميت ممن بقي بعده، عن الدعاء والصدقات، عن الوالدين والأبناء، عن الفقيدة وذريتها، ثم استدعى أحد المشايخ الذي تقدم هو أيضا بكلمات تلامس شغف الفؤاد، وتسمو بالارواح، وتزيح الرَّان عن القلوب، ثم ختم كلمته بدعوات للميتة وذويها وللمعزين وعموم المسلمين، ثم صلينا الظهر وبعده صلاة الجنازة، أخبرونا بأن المقبرة توجد داخل الحدائق والبساتين وأنه قد يتعذر ذهاب كل هذه الحشود مخافة إيذاء فأذنوا لمن يريد الانصراف، خرجنا إلى فناء المسجد ليتجدد اللقاء مع العشرات بل المئات من الوافدين إلى الجنازة، كان الوقت قد تأخر قليلا خاصة أنه يربطني موعد بالعاصمة مع بعض الإخوة في مصلى (النور) عند صلاة المغرب، وفي البليدة عندنا مشوار قبل ذلك، إستأذنا وقفنا راجعين، كنا نتنعم لتلك المناظر الخلابة لجبال الونشريس وهضبات الشلف وعين الدفلة، ما أجملك يا جزائر، وما أحلاك يا وطني، لك الشكر ربنا على هذه النعم، وصلنا إلى البليدة، قصدنا بلدية (بني تامو ) لزيارة إبن أخت ( الحاج محمد ) المسير لمؤسسة تربية الخيول ونادي الفروسية
Club Hippique l'hacienda
إستقبلنا الشاب ( ياسين رحماني) وقمنا بجولة أكثر من رائعة عبر مختلف المرافق، خيول عربية أصيلة، بيضاء، شهباء، حمراء، سوداء، الخيل معقود بناصيتها الخير ... مناظر مبهجة، نظافة وتنظيم، وعمل متقن، يعجز القلم عن وصفه، توادعنا وقفات راجعا إلى البيت، اقترب موعدنا المحدد عند المغرب بمصلى ( النور ) إجتمعنا هناك، أذَّن المؤذن تناولنا بعض التمرات مع ( الرائب ) صلينا المغرب، ثم جاء الإكرام للفطور من الاستاذ ( منير عطية حفظه الله )، بقينا بالنصلى إلى آذان العشاء، إعتلى الشيخ ( أبو جرة سلطاني حفظه الله ) المرسي وبدأ في تقديم درسا حول ( بين يدي بعثة المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم ) تكلم فيه عن الأوضاع العالمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية قبل مولد المصطفى وقبل بعثته، وأحوال العرب واليهود والنصارى ... صلينا العشاء وافترقنا على أمل اللقاء اليوم عند صلاة المغرب وقد وعد أحد الأساتذة بتحضير الفطور فاليوم هو الاثنين وهو ثالث الأيام البيض من شهر رجب ... أما صاحب هذه الكلمات فسأبدأ بعد قليل بتحضير حصة تلفزيونية سنقوم بتسجيلها بقناة
( جيل دز Jil DZ ) حول ( قانون النقد والقرض ) الذي تقدمت به الحكومة، وستبث لاحقا بإذن الله ... والحمد لله على نعمه، والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري