الدكتورعبد القادر سماري

الخير في هذه الأمة لا ينقطع،

الخير في هذه الأمة لا ينقطع،
والخير في شبابنا أصيل متمكن،
ومجتمعنا في مأمن ما دامت فيه مثل هذه النماذج الواجب نشرها وتسويقها والدعوة إلى الاقتباس منها،
وما كان لي أن أمر على هذه الحادثة مرور الكرام دون ذكرها وتدوينها،
ولقد استشرت أصحاب القصة، التي سأروي بعض أجزائها، إستشرتهم في نشرها فأذنوا بذلك قائلين :
إذا كان في ذلك خير ومنفعة فلا بأس.
قلت: أكيد هناك خير، فيمكن أن تكون خطوتكم هذه نموذجا وقدوة لشبابنا وبيوتنا وعائلاتنا فتنصلح بها الأحوال، ويمكن أن تعمم فتنالوا الأجر.
والحكاية كانت خلال الأسبوع الماضي، حين تواصل معي أحد الشباب، لم يتجاوز عمره 25 سنة، طالبا مني الاستشارة في وضع الحالة العائلية التي تكاد تنفجر، إستقبلته في بيتي بمدينة سطيف،
طقوس عيد الفطر مازالت راخية سدولها،
فالطاولات لا تزال تعج بالحلويات والبقلاوة والشوكولاتة والشاي والقهوة،
استقبلته استقبال الكبار والزعماء، كأن بيني وبينه صداقة عمر، وكأن بيننا مشاريع مستقبلية بدأناها منذ زمان ويجب استكمالها ،
الاربعين سنة التي بيننا لا أدر ماذا حدث لها،
هل تناقص عمري وتراجعت بي السنين لأعود إلى عمره ،
أم تُرى الزمان تسارع بصاحبي فقفز به إلى الستين التي أنا فبها،
أم أنه قطع نصف المسافة الزمنية وقطعتُ النصف الآخر لنلتقي في الاربعين ...
المهم تناغمت الكلمات بيننا وتوافقت الإشارات والملامح، سقطت الكلفة وانهارت الأسماء والألقاب، وفي وقت وجيز أصبحنا أصدقاء وخلان، وبكل أدب وإحترام وتقدير، ها نحن نبث لبعضنا البعض أسرار الحياة، وتقلبات الأيام، وأحوال الدنيا ...
في تلك الأثناء استنشق صاحبي جرعة هواء أظنها ملأت رئتيه وتوزع الأوكسيجين في أوعيته فاحترق الكاربون وتجددت خلاياه، ثم زفرها بهدوء كأنه يستنجد طالبا المساعدة في حمل عبء تنوء له الجبال،
إبتسمت له وقلت: كل شيء سهل، قل لي ماذا يجري
بدأ يسرد علي بعض المعاناة الأسرية،
بين الأب والأم،
بينه وبين إخوته الثلاثة وأخته،
المعاناة في النشاط التجاري للعائلة،
كنت أستمع له بكل جوارحي منصتا إليه كأنه يرتل آي القرآن،
لم أقاطعه،
ولم أستنكر عنه ما يقول لا بالقول ولا بالاشارة، محاولا أن لا يصدر مني أي ملمح يسيء إليه أو يشكك في مقولته،
استرسل في كلامه ما يقارب النصف ساعة،
لما انتهى ... من مقولته تناولتُ الكلمة وبدأت أذكر له بعض المعاناة والظروف الصعبة التي عايشتها في عائلتنا الكبيرة والصغيرة على حد سواء ... والحمد لله كلها ذهبت وزالت،
ثم بدأت أعرض عليه بعض المصاعب في الحياة الأسرية لرسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة ...
وأخيرا قلت له : من كلامك فهمت أن المشاكل كلها مصدرها الأب والأم وبعض الإخوة ، ( تبسمت ثم قلت له ممازحا وقد أعطيته الأمان ) فهل تستطيع أن تذكر المشاكل التي مصدرها أنت ؟
بادلني الابتسامة،
أغمض عينيه برهة
ثم بدأ في الكلام وتشريح ممارساته منتقدا نفسه بنفسه، محاولا تبرير بعضها ، والتأكيد على عدم الرجوع لها.
لما انتهى ..
شكرته على الثقة التي وضعها في شخصي
وشكرته أكثر على الصراحة وقوة الشخصية
ثم قلت له : هل يوجد من العائلة من يستطيع معاونتك في تجاوز هذه الظروف
قال : أختي وهي أكبر مني بسنتين ومتزوجة
قلت : هل يمكنها أن تأتي معك
قال : نعم وفي الوقت الذي تريد
حددنا موعدا، ولكن طلبت منه بعض الأمور التي يقوم بها قبل الموعد منها على الخصوص:
* تقبيل الام وضمها
* تقبيل الوالد ومداعبته
* مرافقة الوالدة في بعض الخرجات
* مرافقة إخوته في بعض الأنشطة
* طلب من الوالد مرافقته إلى الصلاة
* تقديم هدايا للوالدين
* مكالمة الوالد وهو داخل إلى المسجد
* الاستفسار عن سير الأمور المختلفة
توادعنا وإفترقنا ...
وبعد ثلاثة أيام كان الموعد
مع صديقنا وأخته ...
وكان اللقاء على نسق اللقاء الأول، مع إحترام ووقار أكبر بوجود الفتاة بيننا ولكن دون تكلف ...
ودون ذكر التفاصيل التي لم تكن بعيدة عن اللقاء الثنائي الأول ،
استمعت واصغيت لهما لأوقات طويلة،
بين الحين والآخر اتصل كنت أتصل هاتفيا مع بعض معارفي منهم شقيقي الأكبر ( الحاج الميلود ) وشقيقتي الكبرى ( الحاجة عائشة ) وبعض الأحباب، دون سابق ترتيب وبعفوية ، أطرح عليهم سؤالا واحدا :
كيف تعالج مشكلة العائلة إذا حدث سوء تفاهم أو سوء تصرف؟
وافتح سماعة الصوت وأتركهما يستمعان للجواب عبر المكبر.
قال أحد الذين اتصلت بهم : الأمر بسيط أحاول أن أعدل روحي يتعدلوا الآخرين .
لقد كانت جلسة طيبة ومفيدة .
بعد ذلك
وضعنا خطط عمل وممارسات يلتزمان بها لمدة خمسة أيام، ثم افترقنا...
على أمل لقاء أوسع سيكون بإذن الله يوم السبت القادم ...
لقد كان الشاب وشقيقته رائعين ، حفظهما الله ورعاهما وحفظ شبابنا وعائلاتنا .
في هذه الحادثة تذكرت دعوات وابتهالات الأئمة في القنوت داخل المحراب أو على المنابر وهم يرددون :
( اللهم أصلح أبناءها وبناتنا، اللهم اجمع شملنا ، اللهم ألف قلوبنا، اللهم أصلح ذات بيننا ... ) تذكرت هذه الأدعية وقلت في نفسي :
نعم الدعاء جميل بل مطلوب وهو لازم وواجب ... ولكن سيكون أجمل وأفضل وأجدى إذا كان مدعوما بمرافقة وحسن تواصل ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري