الدكتورعبد القادر سماري

أملي أن يطلع على هذا الموضوع، رغم طوله النسبي، أكبر عدد ممكن وأن نستفيد منه جميعا:

أملي أن يطلع على هذا الموضوع، رغم طوله النسبي، أكبر عدد ممكن وأن نستفيد منه جميعا:
"" الآن فقط فهمتُ مدلول :
(( أوْغَرَ صَدْرَه )) التي كنتُ أجدها في كتب التاريخ والسِّيَّر ""
عبارة قالها لي أحد الإخوان ، وهو يتحسر،
خرجت من فمه والألم يعتصر قلبه،
لما سمعتها منه وخلوت إلى نفسي رجعت إلى شرح معاني مفردات اللغة العربية، فوجدت معنى ( أوغر صدره ) أي:
أشعله من الغيظ وأغضبه وملأه حقدا وكراهية عن شخص ما، حتى لا يبقى له منفذا لأي تواصل
والقصة، كانت البارحة، علمت أن بعض الأحباب قد خرجوا من العاصمة قاصدين إحدى ولايات الشرق الجزائري، وأنهم سيمرون على ( سطيف )، فأخبرتهم بأنني في البيت ب ( سطيف ) ودعوتهم للإستراحة ، وصلوا بعد المغرب فكان واجب الترحاب وحسن الاستقبال بما تيسر، خاصة أنه قد مر علينا عقدان أو أكثر لم تكن لنا لقاءات وجلسات حميمية،
وبعد العَشاء والعِشاء جلسنا نتسامر،
وبدأنا نتذكر البدايات الأولى التي كانت قبل أكثر من أربعين عاما واستمرت لسنوات.
لقاءات ودورات،
أسفار وزيارات،
دروس ومحاضرات،
مخيمات وسهرات،
كانت كلها في سبيل الله وخدمة للدين والوطن وحمل همِّ فلسطين،
ثم جاء في سياق الحديث ذكر بعض المحطات والأشخاص، ومنها محطة كانت قبل 20 سنة،
وقبل البارحة وطيلة هذين العقدين، كنت أحس، أن صاحبي في نفسه شيئا : مني ومن أحد الأفاضل الذي كانت تجمعنا معا، نحن الثلاثة، أعمال ولقاءات وجلسات، ولكن حدثت هوة سحيقة، وتباعد كبير دون مبرر ...
تذكرت ذلك، فكانت جلسة البارحة فرصة لرفع اللبس عن بعض الممارسات، وبدأت أسرد لصاحبي هموم تلك المحطة، وذكرت له الاستعدادات التي كانت عند بعض الأصدقاء والاصفياء تجاهه وتجاه ما كان يحمله وما أوكل له، وركزت أكثر على شخصي وعلى صديقنا الثالث،
ثم قلت له : لكنني لم أفهم بعض ردود الأفعال ( وذكرتها ... )
هنا، خرجت على لسان صاحبي تلك العبارة التي ذكرتها في مستهل هذا المنشور، قال:
"" الآن فقط فهمتُ مدلول :
(( أوْغَرَ صَدْرَه )) التي كنتُ أجدها في كتب التاريخ والسِّيَّر ""
قالها وقد أغمض عينيه، ثم فتحهما كأنه ينظر إلى اللاشيء، أو يحاول أن يستجلب الماضي ليصلحه ...
وصاحبي ليس شخصا عاديا، فهو موسوعة من المعارف الشرعية والعلمية، وقامة من القامات، أشهد له بذلك ... ومع ذلك فهو يُقِر بأن الحيلة قد انطلت عليه ...
بعدها قال :
كنت أقرأ عن إيغار صدور السلاطين والأمراء وعن الوقيعة التي تحدث بين الأصفياء، وعن تحريض بعضهم على بعض ، وكيف كانت تحاك الأباطيل وحديث البهتان،
وإنني أعترف أن شيئا من هذا قد حدث لي فأحدث إعصارا وزلزالا مريعا في المحيط الذي كنت أشتغل فيه،
استرسل في التأسف والحسرة، حاولت أن أخفف عليه لإعتبار أن هذه الأشياء تحدث في عالم البشر والمعصوم من عصمه الله ...
فقال: " المؤلم والمحير أن الذي حدث كان من أقارب الناس ومن الذين كنت اعتبرهم السند والدعم والخلص، من الذين يستشهدون بالآيات والأحاديث، فأوغروا صدري على بعض إخواني ، وما كنت أظن أن ذلك يحدث منهم، ولقد ضاعت في غمرة ذلك الكثير من المصالح، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت وتفطنتُ للأمر في أوانه لكانت لي مواقف أخرى، نحفظ بها الكثير مما ضاع ... "
كان بيننا الحديث ذي الشجون ، وقاربت الساعة منتصف الليل، فأوى ضيوفي إلى أماكنهم، وبقيتُ مع تلك العِبارات والعَبرات أقلبها، تؤرقني، كالنار تنطفيء ثم تشتعل، وفجرا صلينا جماعة،
إنطلق أصحابي لاستكمال سفرهم ...
وجلست أدوِّن هذا المنشور،
أكملت جزءً منهم، إتصلت بصاحبي، وأطلعته عليه،
استأذنته في نشره،
أذِن في ذلك بعد أن صحح لي بعض الكلمات، وأضاف بعض الآهات عبر الأثير ...
وقال: لعله يكون درسا للسائرين... وما أكثر الدروس في مسيرتنا.
فَهَا أنا ذا أكتبه وأنشره لعله يحدث لنا ذكرا
وأخيرا أقول :
لا تُوغِرْ صدر أحدهم على الآخر،
واحذر أن يوغِرَ بعضُهم صدرك على أحد،
لأنه سيأتي اليوم الذي تظهر فيه الحقائق،
فإذا الموغِر والموغَر أعداء وينجو الموغرُ عليه ... وتكون الخسارة والندامة ...
أما هناك ، أما في ذلك اليوم :
يوم العرض الأكبر، يوم تبلى السرائر، حين تتطاير الصحف، حين تجد كل نفس ما عملت محضرا ... فالأمر أجَلُّ وأعظم ...
والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري