الدكتورعبد القادر سماري

خلال الأسبوع الماضي كنت غارقا في قضايا عائلية واجتماعية:

خلال الأسبوع الماضي كنت غارقا في قضايا عائلية واجتماعية:
بين سطيف ورأس الوادي وقصر الأبطال،
اغتنمت الفرصة فقمت بزيارة بعض الأحباب والاصدقاء، من باب الوفاء،
خلال ذلك، كلمني أخي عبدالنور خليفي رئيس المكتب الولائي ل ( البليدة ) يدعوني لحضور إحياء الذكرى العشرين لرحيل الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله المزمع عقدها :
أمس الجمعة في أولاد يعيش بالبليدة، بعد العصر، والتي ستكون المنطلق لإحياء هذه الذكرى عبر ربوع الوطن.
الظروف لم تكن تسمح لي بالسفر، ولكن للوفاء ضريبته، خاصة وأن هذه القيمة :
(قيمة الوفاء ) لي معها قصة مع الشيخ (سعيد رمضان رحمه الله ) زوج السيدة (وفاء حفظها الله) إبنة الامام (حسن البنا ) رحمه الله، ترجع إلى سنة 1985، لما زرته في بيته ب ( جنيف ) وكان معي الوالد ( سيدي عمار رحمه الله ) و( زوجتي وإبني عبدالله رضيعا حفظهما الله )، وبدأ الشيخ سعيد رمضان يكلمنا عن قيمة الوفاء عند الله وعند رسوله عليه الصلاة والسلام، وكيف انطبع بها الإمام البنا حتى أنه أطلق إسم ( وفاء ) على ابنته البكر، قال ولو كان ذكرا لأسماه ( وفاء ) ... المهم تلك الكلمات عن ( الوفاء ) بقيت تلاحقني وانغرست في عقلي وقلبي وفكري وانطبع بها سلوكي ومعاملاتي، وترسخت في وجداني، والحمد لله لا ولم ولن أتنكر لأحد جمعتني به يوما لحظة حب وصداقة وعمل ، حتى وإن اختلفنا وتفرقت بنا السبل، قد نتباعد ولكنني سأبقى وفيا لتلك اللحظات ولن تراني إلا ذاكرا شاكرا حافظا للود ...
هذا مع عموم الناس، فكيف بمن جمعتنا به يد الله طيلة ربع قرن خداما لدين الله وللوطن والأمة، وانتقل إلى رحمة الله ونحن يدا وقلبا واحدا في السراء والضراء، في العسر واليسر، في المنشط والمكره ...
أمام هذه الإيحاءات الضاغطة ، استأذنت شقيقي ( عبدالحليم ) الذي كان يمر بظروف عصيبة، واستأذنت أهلي وابنائي، فأذنوا لي بالسفر، عن طيب خاطر، لما يعرفون من علاقة بيني وبين الشيخ رحمه الله وهم شهود على الليالي ذوات العدد التي كنا نقضيها مدارسين لديننا، تخطيطا وتنفيذا لحماية وطننا، وسهرا لتربية ومرافقة أبناء أمتنا مع ثلة من أخيار هذا الوطن العزيز ...
وانطلقت وحدي في سيارتي من:
سطيف إلى رأس الوادي ... إلى العاصمة توقفت بها لأداء صلاة الجمعة ... ثم إلى البليدة.
وحقيقة أمري أنني حين أكون وحدي في سفر مثل هذا فإنني أتلذذ به،
ولو رآني الرائي لظن أنني مصاب بمس، أو اعتراني أمر خبل أو هبل،
فتجدني اضحك حتى اسمع صوت ضحكتي لما تخطر على بالي لطيفة من لطائف مسيرتنا أو أتذكر نكتة من نكات أصحابنا ... ثم تخبو تلك الضحكات شيئا فشيئا حتى تنقلب بكاء تتساقط فيه الدموع وتسيل العبرات وأنا اتذكر، بل أعيش لحظات مرت من جلسات الوجد والمناجاة وتبادل الأشواق، أَخَالها لا ترجع ... ثم ابتهل إلى الله راجيا منه إعادتها والتكرم بتكرارها ...
عشت 400 كيلومتر كأنها لحظة مسروقة من الوقت الممدود، طويلة في المسافة قصيرة في الزمان مليئة بالأشواق والأحداث، أحاور هذا واستمع إلى ذاك، واستفسر الآخر، واشرح للرابع هم عشرات بل المئات والآلاف، معظم أشخاصها فارقونا لدار البقاء ... لو كتبتها كلها لجاءت في دواوين عنوانها ( وصال وأشواق، بين دنيا الفناء ودار البقاء ) ...
وصلت البليدة قبل آذان العصر، فكان أول من قابلته ( عمي فيصل حفظه الله) بأناقته المعهودة، وبسمته الساحرة، وكلماته الرقيقة ... لم ألتقه منذ ثلاث سنوات، وهو من البقية الباقية الداعمين للدعوة والصحوة ...
تصافحنا، تعانقنا، تباوسنا ، تذكرنا الذين سبقونا إلى هناك ... دخلنا المسجد، صلينا العصر ثم انطلقنا إلى :
قصر الاندلس
حيث تقام الذكرى ...
حضر خلق كثير، من الرجال والنساء، من الشباب والشيوخ، من الأطفال والغلمان ...
فرقة الأقصى حاضرة
حماس فلسطين حاضرة
ثلة من السابقين
جمع كبير من المنتخبين والوزراء
هل أذكر الأسماء ؟
قلبي يراودني بذلك ولكن عقلي يقول قد لا تستطيع أن تتذكرهم كلهم ، وإن تذكرتهم وكتبتهم يطول المنشور ...
كان استقبالا رائعا من أهل البليدة والقائمين على التظاهرة ...
حقيقة لقد استمتعت بتلك الوجوه الناضرة، والاشراقات الطيبة ...
بدأت الاحتفالية :
بالقرآن الكريم، قراءة عطرة
النشيد الوطني
كلمات ترحيبية
وصلات إنشادية
كلمة فلسطين
كلمة السيد رئيس الحركة
وتكريمات
كلها كانت تتمحور حول طبيعة التظاهرة :
الذكرى العشرين لرحيل المرحوم المغفور له الشيخ محفوظ ...
حياته، صفاته، سلوكه، أخلاقه، نضاله، عطاءاته، مسيرته، آثاره في الداخل والخارج ... عهود على استكمال المسيرة خدمة للإسلام وللجزائر .
نعم كان جسدي مع التظاهرة،كنت حاضرا، كنت أسمع وأرى، أصافح وأعانق، أسلم وأرد السلام، أتبادل التحايا والأشواق ... نعم كنت هناك ولكن كانت تحدث بعض التقاطعات والتداخلات :
ترجع بي الذكريات في محطات لا تنسى
أول إتصال هاتفي مع الشيخ سنة 1983 من قرونوبل حيث كنت طالب دكتوراه ودعوناه لزيارتنا
ثم اللقاء الأول المباشر مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله في بوردو 04 أفريل 1984
ثم اللقاءات الماراطونية قبل الانفتاح السياسي، وبعد رجوعي من فرنسا، في بيته بالبليدة وفي بيتي بسطيف
ثم تلك الجلسات التحضيرية في بيت ( الزبير نعيمي حفظه الله ) في (فوكة) بحضور رجال لهم بصماتهم يعلمها الله مكتوبة عنده
ثم تلك الأيام السوداء التي لا تمر ساعة إلا وتطالعنا أخبار الاغتيالات والقتل والتدمير،
ثم جلسات الحوار والتشاور مع مختلف الفعاليات من رؤساء الدولة ورؤساء الأحزاب والائمة والدعاة
ثم تلك الأسفار إلى البقاع المقدسة حيث الحرمين الشريفين، حج وعمرة، إلى الشام، سوريا والأردن ولبنان ، ومسيرتنا بمحاذات فلسطين، من أم قيس إلى البحر الميت إلى اليرموك،
ثم سفرياتنا إلى تونس، ليبيا، تركيا، بريطانيا، ماليزيا، المغرب، ألمانيا، سويسرا ...
يشهد الله، ويشهد من عايش تلك المرحلة لم تكن سفريات تنزه، أو استجمام ، لم نذق فيها طعم الراحة أو الشبع أو النوم الطويل ...
أشهدكم وأشهد الله أنها كانت كلها لله خالصة
في خدمة الجزائر التي كانت في مرحلة خطيرة وحرجة،
ولرد الشبهات عن الإسلام الذي كان يراد أن تلصق به كثير من السلوكيات المريبة...
ليس شوفينية ولا استعلاء ولا إدعاء إذا قلت أنه :
لم يكن هناك من يتكلم عن الوسطية والاعتدال إلا نحن
لم يكن هناك من يدعو إلى الوئام والمصالحة إلا نحن
لم يكن هناك من يطالب بالحوار ونبذ العنف بكل أشكاله إلا نحن
من القائل : الجزائر حررها الجميع ويبنيها الجميع
من القائل : الجزائر فوق الرؤوس والرؤساء
من القائل : معاً نحو الهدف !
معًا! ليس المقصود بها فصيل دون آخر
معًا ! ليس المقصود بها حزب دون آخر
معا! ليست ذلك الصندوق المغلق
معاً! هي الكل الجزائري شعبا بكل أطيافه، حكاما ومحكومين، علماء وعمال، رجال ونساء، شباب وشيوخ ...
سهل الآن أن تتكلم عن هذه المعاني وتتبناها وتطالب بها ... ولكن ارجع بذاكرتك إلى الأيام التي قيلت فيها، إلى الظروف التي ولدت فيها ... لم تكن ولادة سهلة ... ولكن هذه ضريبة الوفاء
الوفاء للإسلام
الوفاء للجزائر
الوفاء للرجال والنساء
هذا وغيره كثير مما كان يختلج في صدري ويتداخل في ذهني وأنا بين الحضور في تظاهرة الأمس، ذكرى رحيل المؤسس رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وألحقنا به على خير ...
وأعتذر للسادة والسيدات ، الإخوة والأخوات عن عدم ذكر الأسماء ... وهذه بعض الصور من التظاهرة ... والله من وراء القصد ...
د. عبدالقادر سماري