المنشور طويل ولا يمكن تقسيمه
المنشور طويل ولا يمكن تقسيمه
إذا بدأت القراءة فأكمل،
أحسست بأن إرادة الله رتبت زيارتنا لولاية بشار، من أجل هذا اللقاء، لجبر خاطر عائلة محزونة،
خلال الثلاثة أيام التي قضيناها بولاية بشار،
يسر الله لنا أنشطة كثيرة، كلها خدمة للدين والوطن، وترويحا عن النفس،
فيوم أول أمس كانت أنشطة مكثفة،
وأكثر منه يوم أمس، الخميس،كان حافلا بالنشاطات المتنوعة،
خرجنا صباحا من بشار، قاصدين تاغيت،
حضينا باستقبال رائع وكرم حاتمي،
ثم جلسات فكرية،
لقاءات روحية،
جولات سياحية،
حوارات شبابية،
استحضار ذكريات
تكريمات وإكراميات،
واليوم الجمعة
ربما نعود إليها في منشورات قادمة،
ولكن هذا المنشور نخصصه لعائلة ساقنا الله إليها دون أن تكون في البرنامج الاولي،
فبعد أن أنهينا يوم الخميس كل البرنامج السالف الذكر، أخبرنا أحبابنا بأن عائلة فقدت ابنا لها في ظروف صعبة واقترحوا علينا الذهاب لمواساتهم وجبر خاطرهم، وخاصة الأم، التي أخبرونا عنها أنها من خيرة نساء تاغيت، خلقا وأخلاقا وعلاقات، وأن لها بصمتها في مواساة الناس ومرافقتهم، كما أن لها مواهب متعددة بما يليق بالمرأة النموذج، كما أنها امرأة مومنة خدومة .
غير أن مصابها في ابنها ترك عليها أثرا بليغا .
وافقنا على هذه الزيارة،
وبعد صلاة العصر انطلقنا صوب الحي الذي توجد به العائلة المصابة، توقفنا في الطريق لينزل الاستاذ (صالح نور) فلقد برمجوا له لقاء مع (نساء) تاغيت، ليقدم لهم محاضرة تحت عنوان :
دور المرأة للمحافظة على الهوية الوطنية، أما صاحب هذه الكلمات والأساتذة ( براح، لخضر، محمد) فقد اصطحبنا معنا سيدة من سيدات المدينة، لها صلة طيبة مع أم الفقيد.
إستقبلنا ( سي البشير ) والد المرحوم،عند باب المنزل، مكسور الخاطر، تظهر عليه آثار تعب الأيام وسهر الليالي، وشرود الذهن،
خرجت الابتسامة من بين شفتيه وكأنها تقاوم حاجزا ،
تبادلنا التحايا والسلام، دخلنا قاعة الاستقبال، الأرائك مفروشة، والمائدة موضوعة، والمياه مسكوبة، امرأتان تقابلننا، وعلى يمينهما شابتان في مقتبل العمر،
قدم لنا الوالد زوجته وابنتيه ( "دعاء" تحضر الدكتوراه في الطب) ، ( " هدايات " تلميذة في المتوسط )
ثم قام الأستاذ ( لخضر ) بتقديمنا للأسرة، وشرح سبب مجيئنا إليهم، لمواساتهم ومشاركتهم ألمهم،
ثم أحال الكلمة إلى الاستاذ ( محمد براح )، الذي حمد الله وأثنى عليه، وصلى وسلم على المصطفى، صلوات ربي وسلامه عليه، ثم بدأ كلامه رذاذا ثم غيثا، ثم انهمر السيل بكل أنواع الدرر، شارحا معنى الحياة، مركزا على النهاية المحتومة للبشر ولكل مخلوق، مبينا معنى المصيبة، مستدلا بالآيات والاحاديث عن الأجل، عن حقيقة الانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، ثم عرج على المحن والابتلاءات، وتوقف طويلا مع معاناته هو شخصيا مع مرض السرطان ومع صروف البلاء، وما رآه في مسيرته وحياته، وكيف أن خيار الله لنا هو أفضل من خيارنا لأنفسنا،
كنا جميعا وجوما منصتين، لأسلوبه السهل الممتنع، الذي لامس شغاف القلوب، وأحيا في كل واحد منا، محطات تدخلت فيها إرادة الله لتقول لنا :
لا راد لقضائه
والله يخلق ما يشاء ويختار
تمنيت أن لا يتوقف في استرساله ... ولكنه توقف طالبا من الأم والوالد تجاوز هذه المحنة التي هي فضل من الله لهم ليسمع مناجاتهم ويرى هروعهم وفرارهم إليه سبحانه ...
أخذ الكلمة مرة أخرى الاستاذ ( لخضر ) ليحيلها إلي،
حمدت وشكرته، وصليت على الحبيب وسلمت، توقفت برهة، فتراءت لي في وجوه الحاضرات إبني وأخواتي وزوجات أبنائي وبنات إخوتي وأخواتي، بل تراءت لي كل أنثى عرفتها،
وفي وقت قصير، قلت لنفسي،
ماذا سأزيد عن كلام شاعرنا المفوه وبيانه،
بل ماذا يفيد هذه الأم المثكلة، وهذا الأب المصاب وهاتين الأختين الزهراوتين وقد فقدتا سندا لهما ،
وهل كلامي سيخفف عنهم شيئا
وبسرعة عنَّ لي أن أفضل شيء لهم أن أستمع لهم،
قلت مخاطبا الأم : ماذا لو تعتبرينني أبا أو أخا أو عما أو خالا وتقولي لي ما يجول في خاطرك الآن.
كانت مطرقة فرفعت رأسها، وتنهدت، زفرة تحمل الكثير الكثير ... سمحت لنفسي أن أنظر في عينيها الممتلئتين بعبارات تساقطت بعضها كالجمان ... استجمعت قوتها وبدأت الكلام والبيان
حمدت الله وصلت على رسوله، وشرحت لنا معاني الصبر ثم أطرقت ثم استأنفت من جديد
وفاة والدها
وفاة أمها
وفاة أخيها عبدالجبار في حادث مروع
ثم يأتي الابن للوجود لتطلق عليه إسم شقيقها ( عبدالجبار) لعله يخلفه.
وتوقفتْ مع ( عبدالجبار ) الابن صاحب
19 ربيعا،
ولادته
رعايته
سلوكه أخلاقه
إعانته لها في محلها وأشغالها
إخراجه للصدقات كل يوم جمعة بطلب منه
النور الذي يحمله كلما دخل عليها البيت،
انتظارها له كلما خرج
ثم
الابتلاء ...
عائلة تتهمه بالتحرش على ابنتها،
كل الاصدقاء وكل المعارف يعرفون أن الشاب بريء،
بعد تدخلات ووساطات
يستقبلون العائلة المدعية في البيت ليكون الحوار المباشر بين العائلتين
بحضور الابن،
تتوقف مرة أخرى ... ثم تكمل
لم أدافع عن ابني
لم أرافع عنه
لم أسنده
قلت وقتها سحابة صيف وتنقشع
خرجت العائلة
جلسنا في البيت
ينحني ابني علي مثل عادته
يقبل رأسي
ينظر في عيني
يخاطبني:
اسمحي لي أخرج،
وكعادته يوصيني بنفسي وبأختيه،
تقول : بقيت أسلي نفسي ببعض الأشغال، وقد قارب المغرب،
ثم ...
يرن الهاتف
تنزل الصاعقة
على خط صوت يستفسر: أم ( عبدالجبار ) ؟
نعم
لا تنزعجي ولكن لكِ عندنا خبر عنه إنه في المستشفى
لست أدري ماذا فعلت،
كيف وصلت للمستشفى
لأجد
عبدالجبار فارق الحياة
عبدالجبار يغادرنا
تقول :
استرجعت الله
وسألته له الرحمة والمغفرة
ولي ولأبيه وأختيه الصبر والسلوان
أخبرنا الأخوال والأعمام
جهزناه
إستقبلنا المعزين
كانت جنازة مهيبة
أصحابه
أحبابه
رفاقه ...
وراحت تصف تلك الأيام
لم يكن سهلا أن تسمع من أم مثكلة أنينها ثم تستطيع أن تتجلد دون بكاء،
حين كانت تتكلم
كان كل شيء من جوارحي يصغي إليها
لا أخفي عليكم
تذكرت حينها يوم وفاة شقيقي نورالدين قبل 50 سنة وكيف كان حال أمي وسيدي عمار رحمهما الله وحالنا جميعا
تذكرت جدتي رحمها الله وهي تبكي عمي الشهيد سي لخضر طيلة حياتها إلى أن لحقته
تذكرت
فقداني لأبي وأمي وأحبابي ومشايخي
عشت معها آلام إبنتي
جال بخاطري حال أختي حين فقدت خمسة من رحمها وهي في أرض الغربة
وفي كل مرة أستقل الطائرة لزيارتها إلى ماليزيا مواسيا جابرا لخاطرها ...
واستشعرت معاناة زوجتي وأخواتي وبنات إخوتي وبنات أخواتي مع المرض والألم ... بل وكل معارفي ...
بعد أن أنهتْ كلامها،
طلبتُ من الأب الكلام ،
ثم من ( دعاء ) و ( هدايات )
كلهم أجمعوا على ضرورة أن تتحرر الأم من هذا الوضع فهي :
منذ وفاة عبد الجبار اعتزلت كل شيء
فهي
لا تخرج
لا تفتح محلها
انقطعت عن لقاءات الأخوات
تركت جلسات الوعظ والتزكية
كان كلامهم قويا
يحمل الكثير من الرأفة والرحمة والشفقة
يريدونها أن ترجع إلى العهد الذي كانت عليه ...
قاطَعَتْهم قائلة وهي تتجه نحوي :
إنني أريد أن أخرج مما أنا فيه
منذ شهرين وأنا أفسد عليهم كل شيء
لا أترك لهم أي فرصة للمرح والهزل البريء
واسترسلتْ في تأنيب ضميرها ...
ثم مدت لي هاتفها وقالت لي : أنظر ماذا أكتب
طالعتُ منشورها
محتواه : دافعوا عن أبنائكم، احموهم، لا تتركوهم يخرجون من البيت قلقون، لا تدرون ماذا يحدث لهم في مثل تلك الأوضاع ...
دار حوار هاديء بين الأم والأب والبنتين، حسبهم منذ وفاة عبدالجبار لم يفتحوا بينهم أي نقاش ،
اغتنمت سكوت الجميع لأقول :
كل شيء يبدأ صغيرا ويكبر مع الزمن إلا الموت يبدأ كبيرا ويصغر مع الزمن، والأمر بعد الله بيدك فأنت يمكنك أن تطيلي زمانه أو تقصريه ...
تدخلتْ مرافقتنا وطلبتْ منها حضور جلسة يوم السبت القادم مع الاخوات... تحول نقاشنا كله حول ما يجب أن يفعلوه وعلى الخصوص الأم
وضعنا مخططا وفق مراحل ... ابتسمت الأم
طلبت منا البقاء للعشاء
اعتذرنا لأن لدينا موعدا في بشار ويجب أن نصل قبل منتصف الليل، وكان قد اقترب المغرب
عاهدَتْنا
ووعدت بأنه إبتداء من هذه الساعة كل شيء سيتغير ...
ودعناهم وخرجنا ... ونحن نهم بىكوب السيارة تخرج البنت وتطلب منا الرجوع للبيت .
رجعنا
قالت لنا الأم مع الأب: رجاء نأخذ معكم صورة
تخلد هذه الذكرى
إلتقطنا الصورة الجماعية
هممنا بالخروج فقالت : يمكنكم كتابة ونشر هذه الجلسة مع الصور لعلها تفيد القراء ، وتكون لنا ذكرى، ويترحم الجميع على ابننا ويدعون لنا.
استبشرنا خيرا و علمنا أن رحمة الله ولطفه الرباني قد نزل ،،
إنها بركات ونفحات العشر من ذي الحجة
ودعناهم وخرجنا مستبشرين
سائلين الله أن يرحم عبد الجبار،
ويؤتي أمه وأباه وأختيه وكل العائلة جميل الصبر والسلوان
وأن يكتب أجر خطواتنا وكلامنا ومسعانا لأبائنا وأمهاتنا ومشايخنا وكل موتى المسلمين ... ويصلح بها أبناءنا وذرياتنا ولنا وللجميع حسن الخاتمة ...
بقي الكثير مما يمكن أن يقال عما كان لنا في ولاية بشار ....
د. عبدالقادر سماري