الدكتورعبد القادر سماري

هذا واحد من رجال الجزائر، خدام الدين والوطن،

هذا واحد من رجال الجزائر، خدام الدين والوطن،
حتى يعلم الناس أن الجزائر ولادة،
بالأمس، السبت، آخر أيام التشريق،
كانت وِجهتنا ( بلاد القبائل الصغرى ) نحو الشمال الغربي من ولاية سطيف، في الحدود مع ولاية برج بوعريريج،
لزيارة أخ عزيز، له مكانة خاصة عندي ، إستقر به الحال في منطقة ( دار الحاج ) بين
(قنزات) و ( حربيل )
فاتصلت بالأساتذة الأفاضل
الدكتور نورالدين شارف
الدكتور العربي زروال
الاستاذ مراد عريف
وقدمت لهم الاقتراح فوافقوا،
انطلقنا في حدود الساعة الرابعة من مدينة سطيف،
وافتنا صلاة العصر في مدينة ( عين الروى ) هذه المنطقة التي كانت، فيما مضى، مشهورة بالنوعية الرفيعة ل ( التفاح )، والتي لا تضاهيها سوى نوعية تفاح ( أريس بباتنة )، والآن تشهد تراجعا كبيرا لأسباب مختلفة،
مررنا بمدينة (بوقاعة) ثم ( حمام قرقور) وتذكرنا رجالا بها، تربطنا بهم علاقة ود وحب، و كانت لنا معهم صحبة طيبة وأعمال في خدمة الدين والوطن، حاولنا أن نتصل ببعضهم لاصطحابنا في هذه الزيارة ولكن لم نتمكن، بوقاعة ومناطقها كانت معقلا من معاقل الدعوة والصحوة والاسماء كثير لا يمكن حصرها في هذا المنشور.
مررنا ب ( بوفروج ) قبل أن نصل إلى مفترق الطرق لننعطف شمالا للطريق المؤدي إلى ( قنزات و حربيل ) اتصلت بالأخ الفاضل الاستاذ ( لحسن مسير ) عرضنا عليه اصطحابنا، فتواعدنا أن نلتقي في الطريق،
الاخ الاستاذ ( لحسن) من الرعيل الأول وكانت له مواقف جليلة ومشرفة تذكر له.
مررنا بعد ذلك ب ( كرجانة ) توقفنا قليلا عند مسجدها العتيق، الذي له تاريخ طويل، وهو الآن مقر ل ( جمعية الإرشاد والإصلاح ) وتذكرنا العائلة الأولى التي كانت سندا لنا في أوسط الثمانينات ( عائلة بونقطة ) وعلى الخصوص الاستاذ (خير الدين ) الذي هو الآن في البقاع المقدسة لأداء فريضة الحج نسأل الله له القبول وعودة ميمونة.
في مرتفعات ( تيطست ) وجدنا الاستاذ ( لحسن مرابطين ) في انتظارنا، توقفنا لبضعة دقائق،
مناظر خلابة ،
غابات مترامية
سلاسل جبلية
ديكور بديع وممتع
تذكرنا قول الله تعالى:
( والجبال أرساها متاعا لكم ولأنعامكم )
أخذنا بعض الصور ثم انطلقنا،
وصلنا إلى قرية إسمها ( تيجيت ) يطلقون عليها إسم ( أم القرى )، ذلك أنها، وحسب الروايات، فهي أول قرية تتأسس في هذه المنطقة ومنها تفرعت كل القرى المجاورة، ولها تاريخ ومآثر.
بعد مسيرة عشرين دقيقة كنا في (دار الحاج ) حيث يقيم صاحبنا،
سألنا عن مسجد ( الهدى ) فدلونا عليه،
ذلك أن بيت صاحبنا بجواره،
لم نخبره عن مجيئنا، ولكنني كنت قد تأكدت مسبقا من وجوده بالبيت من خلال إتصال هاتفي للمعايدة بمناسبة عيد الاضحى ،
في الطريق ، منظر بهيح، براعم لم يتجاوزوا العشر سنين، ذكورا وإناثا، خارجين من المسجد حاملين كراريس، كانوا يقرؤون القرآن ومعهم شاب أنيق بلحية مهذبة ولباس فاخر.
ما أن وصلنا أمام المنزل وتوقفت السيارة حتى كان صاحبنا واقفا أمام البيت،
وكعادته،
الابتسامة لا تفارق محياه،
صوته الجهوري، رغم السنين والمرض والعمليات الجراحية التي أجراها مؤخرا، فصوته يجلجل مرحبا،
إنه عمي ( عبدالرحمن ) كما عهدته منذ ما يقارب الاربعين سنة،
بعد السلام والتحية والقبلات والاحضان،
تعرّف على الدكتور نورالدين والاستاذ مراد
وقدمت له الأستاذين الغربي ولحسن.
دخلنا البيت فوجدنا ( الحاجة ) زوجته في الاستقبال، كما أعرفها، بشوشة، مرحبة،
توقفنا في البهو وبدأت أذكر مآثر هذا الرجل وهذه المرأة وعائلتهما كلها.
كانا يقيمان في ( المرادية ) مقابل ( رئاسة الجمهورية ) وبيتهما هو أقرب بيت لأبناء الحركة من المقر المركزي بالمرادية ،
كان لهما دور كبير في بداية التأسيس
كم استقبلوا من مشايخ وعلماء،
كم طبخت من أنواع المأكولات وأرسلتها للمقر،
كم استضافت من نساء ورجال في بيتها وخاصة القادمين من الولايات البعيدة.
أما، صاحبنا الذي نزوره، عمي ( عبد الرحمن ) الذي جاوز الثمانين سنة من عمره، فهو من أتراب الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، من مواليد 1942، فحدِّث عنه ولا حرج.
كان حركيا، خدوما، باذلا، معطاء ...
في البدايات كل أسفار الشيخين ( نحناح وبوسليماني رحمهما ) وقيادات الحركة كان هو الذي يرتبها ويتابعها .
علاقته بالشيخ بدأت مع خروجه من السجن بداية الثمانينات ، ولم تنقطع أو تتوقف حتى رحيل الشيخ رحمه الله.
علاقتي به قديمة ولكنها توطدت بعد حج 1992، منذ ذلك الحين أصبحت العلاقة ربانية أخوية عائلية لا تشوبها أي شائبة، رغم فارق السن الذي يقارب 20 سنة .
فكان نعم الاخ الأكبر، نصحا، ومرافقة، وتذكيرا ...
بعد اللقاء في البهو دخلنا قاعة الاستقبال، ثم توافد بعض الزوار على بيت عمي عبد الرحمن، وبدأنا في تعارف ثم تحاذبنا أطراف الحديث إلى أن وصلنا إلى علاقتي الشخصية والوظيفية والعملية مع عمي عبد الرحمن ،
فبدأت أسرد لهم القصة :
حين دعيت للوزارة، جوان 2001، كان عليّ إختيار شخص مكلف بالتشريفات ، وهو أول منصب يختاره الوزير من بين معاونيه،
جلست في الأيام الاولى استحضر الأسماء، لهذه المهمة:
عشرة، عشرون، مئة ... كثيرون من يمكن أن يصلحوا لهذه المهمة، ثقافة وفكرا وعلاقات ومعرفة بالعاصمة ...
حسب مخالطتي ومعرفتي بالذين سبقوني لمنصب وزير، فإن الوزير يحكم ويأمر كل طاقمه، ولكن المكلف بالتشريفات ( البروتوكول ) (chef protocole ) هو الوحيد الذي يحكم في الوزير، فهو عينه وأذنه ويده وقدمه وكل حواسه، فهو دليله ومسيره إلى الخير أو إلى غيره ...
والحقيقة أن الأسماء التي جالت بخاطري وكتبتها كلها تليق بالمقام ولكنني قلت في نفسي أريد شخصا يحميني من نفسي ومن شياطين الانس والجن،
أعرف كل الطاقم الحكومي بحكم منصبي في ذلك الوقت حيث كنت ( نائب رئيس البرلمان ) لقد سمعت الكثير عن الوزراء، ومعاونيهم ، وعلى الخصوص المكلفين بالتشريفات ... كنت خائفا، خاصة بعد مكالمة شقيقي ( الحاج الميلود حفظه الله) ورسالة شيخي وأستاذي ( الشيخ محمد بن مالك أمقران رحمه الله) ومكالمة معالي الوزير الشيخ ( عبدالرحمن شيبان رحمه الله ) ...
فقلت لأعقدن عقدة ليس للشيطان فيها نصيب ...
اتصلت ب ( عمي عبد الرحمن ) وطلبته ليأتيني حيث كنت أقيم،
تكلمنا في مواضيع شتى
ثم قلت له : عمي عبدالرحمن إنني أعلم أنك قد أخذت التقاعد وإنني أريدك أن تكون بجانبي
قال : وماذا أفعل
قلت : لتكون مكلف بالتشريفات
قال : هذا منصب يحتاج شباب وأناقة و ...
قلت : لا يصلح لي إلا أنت
قال : لماذا
قلت : هناك شروط كثيرة تتوفر فيك معرفتك بالعاصمة، مخالطتك للدوائر الحكومية ، تجربتك في العلاقات، ولكن عندي سببين آخرين
قال : ما هما ؟
قلت : الأول إذا رأيتني أخطأت أو وقعت في محذور أو أسأت أو زاغ عقلي أو بصري فرجاء لا تتركني أتمادى في الخطأ ويجب عليك أن تنبهني فلا أريد للمنصب أن يفسد علي ديني وأهلي ومعارفي ووطني وهذا عهد يجب عليك أن تعدني به، والسبب الثاني أسأل الله حين أبلغ الستين أن أجد ما يعاملني بما عاملتك به ...
دار بيننا حوار طويل في تلك الليلة، إمتنع في البداية، ثم وافق فقضينا أفضل الأيام والشهور في خدمة الدين والوطن ...
كانت لنا أسفار في الداخل والخارج ... ويشهد الله أنه وفى وكان خير معين ...
والمهم أننا قضينا يوم أمس في بيت عمي (عبدالرحمن الاخضري ) تكلمنا في الكثير من الأمور والذكريات وتواصلنا مع بعض الأصدقاء والاحباب ...
عمي عبد الرحمن الذي عاش حياته كلها في العاصمة فهو من مواليد ( المرادية ) ولكنه في الأخير وهو يسير نحو التسعين عاما، رجع إلى موطن الأجداد ( دار الحاج ) بين قنزات وحربيل ليكون قيِّم مسجد ( الهدى ) ... أسأل الله له موفور الصحة والعافية وصالح العمل ...
حكاياتي معه لا تنتهي ربما نرجع إليها في مناشير أخرى إذا كان في العمر بقية .
د. عبد القادر سماري