تستهويني مآثر الرجال والنساء،
تستهويني مآثر الرجال والنساء،
ولذلك تجدني شغوفا بقراءة مصنفات السير مثل
سير أعلام النبلاء للذهبي
وطبقات الأولياء لابن الملقن
وأحاول دوما الكلام والكتابة عن أولي الفضل وأهل السبق وأصحاب المواقف الخالدة، سواء الأحياء منهم أو الاموات، وخاصة الذين مهدوا الطريق لمن يأتي بعدهم،
والسبب في ذلك هو
أن يترسخ في ذهني ووجداني
وفي ذهن القراء والمتابعين ووجدانهم ،
بأن هناك أفاضل قد بذلوا الغالي والنفيس في مراحل مختلفة،
وأن ما نحن فيه إنما يرجع الفضل بعد الله لهؤلاء الرجال والنساء حتى وإن كانوا مغمورين،
وإن كان البعض يريد أن يمحو آثارهم،
فالله تكفل بتثبيت تلك الآثار،
وإذا كان بعضنا لا يعرفهم فالله يعرفهم،
وأحاول، دوما، أن أغتنم جميع الفرص المتاحة لأتكلم عنهم وأنقل نضالاتهم وعطاءاتهم وجهادهم للأجيال القادمة،
وكذلك لأذَكِّر بهم رفقاء الدرب الذين ينسون أو يتناسون من كان سببا فيما هم فيه،
فالفضل للسابق وإن أحسن اللاحق، وفي كلٍّ خير.
والبارحة، الأحد، كانت لنا زيارة إلى ولاية برج بوعريريج، لحضور جنازة والدة الاستاذ الفاضل ( عبدالحكيم تهامي ) رحمها الله، فأدينا الواجب تعزيةً وصلاةً ودفنًا،
ولقد كانت فرصة إلتقينا فيها بالرعيل الأول الذين كان لهم شرف إرساء الدعوة والعمل الجماعي في ولاية برج بوعريريج، حضر منهم :
(عبدالحكيم توهامي، كمال فاطمي، العربي لقرع، عامر مقدمي، محمد الشريف بكاي، سعدان محمدي ... ) غاب آخرون،
قد لا يتسع المقام لذكر مناقبهم جميعا ولذلك خصصت هذا المنشور للكلام عن واحد منهم وهو :
الاستاذ عبدالحكيم تهامي حفظه الله،
هذا الرجل الحيي، الصبور، الحكيم، القليل الكلام، المربي وهو من الاوائل بولاية البرج الذين حملوا على عاتقهم تربية الشباب ونشر الدعوة والوقوف في وجه المد الشيوعي والفرنكوفوني،
فهو من مواليد 1953 ببلدية الحمادية، وبها زاول التعليم الابتدائي ، ثم المتوسط بالبرج ،
تحصل على شهادة البكالوريا من ثانوية محمد قيرواني بسطيف سنة 1974،
إلتحق بجامعة قسنطينة ليتخرج سنة 1979 بشهادة الليسانس في الفيزياء،
ثم يشتغل معلم في المتوسط ببرج الغدير، وبعدها أستاذ الفيزياء في الثانوية الجديدة ببرج بوعريريج ... بالتوازي مع ذلك كان يقدم الدروس والمواعظ في المساجد والنوادي ودور الشباب، ودروس الدعم لطلبة الثانويات ...
أواسط الثمانينات يلتحق بجماعة الشيخ محفوظ نحناح ليكون مسؤول التنظيم بمنطقة برج بوعريريج، و عضوا بمجلس جهة الشرق الجزائري، التي تضم 15 ولاية، وذلك قبل الاعتماد الرسمي لحركة المجتمع الإسلامي،
وبعد الاعتماد الرسمي للحركة يصبح عضوا في المكتب الولائي للحركة ،
ثم سنة 1997 ينتخب عضوا بالمجلس الشعبي الوطني لحركة مجتمع السلم عن ولاية البرج.
في مرحلة التسعينات من القرن الماضي كان له دور كبير في حماية شباب الولاية من الانخراط في أعمال العنف والتطرف، واستطاع مع إخوانه أن ينشر المنهج الوسطي المعتدل في قرى ومداشر وبلديات ومدارس وثانويات الولاية.
كما استطاع أن يكون لسان حال ولايته في البرلمان ويدافع عنها وعن مواطنيها....
أما علاقتي الشخصية بالاستاذ (عبدالحكيم) فترجع إلى سنة 1981، أذكرها بتفاصيلها،
كنت طالبا بجامعة سطيف ، وكنا قد افتتحنا مصلى جديد بالجامعة، وكنا نسعى إلى جلب الكتب والمراجع لمكتبة المصلى،
كانت المكتبات فقيرة جدا بالنسبة للكتب والمجلات والدوريات الاسلامية،
سمعنا بأنه سيقام في الجزائر العاصمة معرضا للكتاب الاسلامي، وأظن أنها كانت الطبعة الاولى للكتاب،
سجلنا عناوين الكتب اللازمة للمكتبة ووزعناها على الطلبة الذين سينتقلون إلى العاصمة لشراء هذه الكتب،
كما أن كل واحد كتب العناوين التي يريدها لنفسه،
وصلتنا الاخبار التي تتكلم عن دور النشر التي ستشارك في المعرض، كما وصلتنا عناوين الكتب المتواجدة في كل دار ...
إنتقلنا إلى العاصمة،
إلى قصر المعارض،
كان العدد كبير جدا،
الطوابير طويلة ،
الدخول صعب،
كنت آخذا مكانا في أحد الطوابير، للدخول إلى دار النشر ( الشروق ) لأنني كنت أريد شراء كتاب :
(( أحكام القرآن لأبي بكر بن العربي )) وهذا العنوان ستكون له قصة في حياتي بعد 4 سنوات، وكتب أخرى من نفس الدار.
كان تنظيم الطوابير موكل لعناصر الجيش الوطني الشعبي،
وأنا في صف الطابور وقعت عيني على عين أحد الجنود فترجيته وطلبت منه أن يسرع بإدخالنا لأننا قَدِمنا من بعيد،
سألني من أين ؟
قلت : من جامعة سطيف
كان شابا خلوقا رحيما متفهما،
الابتسامة على محياه،
فسح لنا الطريق استفسر عن اسمي، فذكرته له
ثم قال : معك عبدالحكيم تهامي من البرج وأنا في الخدمة الوطنية، إذا احتجت مساعدة فأنا هنا .
دخلت الجناح
اشتريت بعض الكتب
إنتقلنا إلى الحي الجامعي ( بوراوي) حيث قضينا ليلتنا هناك
وفي الغد رجعنا إلى المعرض وكانت لي وقفة مع السيد الجندي عبدالحكيم تهامي الذي قدم لنا بعض التسهيلات، تعارفنا أكثر
منذ تلك الجلسة توطدت علاقتنا ...
وازدادت أكثر بعد رجوعي من فرنسا أواخر سنة 1985، وخاصة لما أصبحت مسؤول الشرق الجزائري سنة 1989وهو عضو مجلس الجهة كما أسلفت سابقا،
ثم في البرلمان حيث كنا معا ( 1997 - 2002 ) ...
منذ ذلك الحين علاقتنا لم تنقطع ... نتواصل في المناسبات وفي الأوقات العادية ... بيننا ود وحب وتقدير واحترام.
في زيارة الأمس تعرفت على عائلة
الاستاذ عبدالحكيم تهامي، أبناؤه وزوج إبنته كلهم نسخ أصيلة عن الاستاذ أدبا وأخلاقا وتدينا .. فلقد نجح في بناء الأسرة المسلمة والفرد المسلم يشهد لهم بذلك القريب والبعيد ...
والاستاذ عبدالحكيم، ورغم تقدمه في السن فلايزال مرجعا ومعلما من معالم المواطن الصالح الخادم لدينه ووطنه ...
وأنا أكتب هذه الحروف يصلني خبر وفاة رجل من رجال الجزائر العاملين المربين، الدعاة للوسطية والاعتدال، حماة الجزائر وحماة الإسلام وحماة فلسطين، من الغرب الجزائري من وهران ، إنه الاستاذ الشيخ الإمام المربي
أحمد بريكسي رحمه الله وأسكنه فسيح جناته ... الذي ربطتنا به علاقة عمل وتواصل خدمة للإسلام وللجزائر سنحاول أن نفرد له منشورا في قابل الأيام إن شاء الله...
أمام هذا الحدث المفاجيء في فقدان الرجال أجدني أزداد تمسكا بالكتابة عن الأحياء لتتعرف عليهم الأجيال وليتواصلوا معهم ويستفيدوا من تجاربهم ... قبل ... مغادرتهم ...
د. عبد القادر سماري




