الدكتورعبد القادر سماري

ووجدك عائلاً فأغنى

ووجدك عائلاً فأغنى
سورة الضحى 8.

لم يقل:
فأغناك.

لم يقل:
ألم يجدك عائلاً فأغنى.
قارنْ في السورة نفسها: (ألمْ يَجدكَ يتيمًا فآوى)

عائلاً:
فقيرًا.
عال: افتقر.
أعال: كثرتْ عيالُه.
العَيلة: الفقر.
(ذلكَ أدنَى ألا تَعُولُوا) النساء 3.
(وإن خِفتُم عَيلةً فسوفَ يُغنيكمُ اللهُ مِن فضلِهِ إن شاءَ) التوبة 28.

قال مقاتل: (فأغنى): رضّاك بما أعطاك من الرزق.
وقيل: أغناك بالقناعة والصبر.
وقيل: بالكفاف.
(أبو حيان).
حديث:
ليس الغنى عن كثرة العرَض، ولكن الغنى غنى النفس (متفق عليه).

أقوال المفسرين:
الرازي:
· »في كيفية الإغناء وجوه :
الأول: أن الله تعالى أغناه بتربية أبي طالب، ولما اختلّت أحوال أبي طالب أغناه بمال خديجة، ولما اختلّ ذلك أغناه بمال أبي بكر، ولما اختلّ ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار، ثم أمره بالجهاد، وأغناه بالغنائم، وإن كان إنما حصل بعد نزول هذه السورة، لكن لمّا كان ذلك معلوم الوقوع كان كالواقع.
روي أنه عليه السلام دخل على خديجة وهو مغموم، فقالت له: ما لكَ؟ فقال: الزمان زمان قحط، فإنْ أنا بذلتُ المال ينفد مالكِ، فأستحي منكِ، وإن لم أبذل أخاف الله، فدعتْ قريشًا وفيهمُ الصدّيق. قال الصدّيق: فأخرجتْ دنانيرَ وصبّتها، حتى بلغت مبلغًا لم يقع بصري على مَن كان جالسًا قدّامي لكثرة المال! ثم قالتْ: اشهدوا أن هذا المال ماله، إن شاء فرّقه، وإن شاء أمسكه!.

الثاني: أغناه بأصحابه كانوا يعبدون الله سرًا حتى قال عمر حين أسلم: ابرز! أتعبد اللات جهرًا وتعبد الله سرًا ! فقال عليه السلام: حتى تكثر الأصحاب، فقال حسبك الله وأنا، فقال تعالى: ( حسبكَ اللهُ ومَنِ اتبعكَ مِنَ المؤمنينَ ) الأنفال 64، فأغناه الله بمال أبي بكر، وبهيبة عمر.

الثالث: أغناك بالقناعة فصرتَ بحال يستوي عندك الحجر والذهب، لا تجد في قلبك سوى ربك، فربك غنيّ عن الأشياء لا بها، وأنت بقناعتك استغنيتَ عن الأشياء، وإن الغنى الأعلى الغنى عن الشيء لا به، ومن ذلك أنه عليه السلام خُيّر بين الغنى والفقر، فاختار الفقر.

الرابع: كنتَ عائلاً عن البراهين والحجج، فأنزل الله عليك القرآن، وعلّمك ما لم تكن تعلم فأغناك.
· روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:" سألتُ ربي مسألة وددتُ أني لم أسألها. قلتُ: اتخذتَ إبراهيم خليلاً، وكلمتَ موسى تكليمًا، وسخّرتَ مع داودَ الجبالَ، وأعطيَت سليمانَ كذا وكذا، وأعطيتَ فلانًا كذا وكذا!
فقال: ألم أجدكَ يتيمًا فآويتكَ؟ ألم أجدكَ ضالاً فهديتكَ؟ ألم أجدكَ عائلاً فأغنيتكَ؟ قلتُ: بلى.
فقال: ألم أشرح لكَ صدركَ؟ قلتُ: بلى.
قال: ألم أرفع لكَ ذكركَ؟ قلت: بلى.
قال: ألم أصرف عنك وزرك؟ قلتُ: بلى.
ألم أوتك ما لم أوتِ نبيًا قبلك، وهي خواتيم سورة البقرة؟ ألم أتخذك خليلاً كما اتخذتُ إبراهيَم خليلاً؟!
فهل يصح هذا الحديث؟
قلنا: طعن القاضي في هذا الخبر فقال: إن الأنبياء عليهم السلام لا يَسألون مثل ذلك إلا عن إذن، فكيف يصح أن يقع من الرسول مثل هذا السؤال؟! ويكون منه تعالى ما يجري مجرى المعاتبة»؟!

الشوكاني:
« قال الكلبي:(فأغنى): أي رضّاك بما أعطاك من الرزق.
واختار هذا الفراء، قال: لأنه لم يكن غنيًا من كثرة، ولكن الله سبحانه رضّاه بما آتاه، وذلك حقيقة الغنى».

الشنقيطي:
« كان يقضي الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، لا يوقد في بيته (صلى الله عليه وسلم) نار، إنما هما الأسودان: التمر والماء.
ثم جاءت غنائم حنين، فأعطى عطاءَ مَن لا يخشى الفقر، ورجع بدون شيء! وجاء مال البحرين فأخذ العباس ما يطيق حمله.
وأخيرًا توفي صلى الله عليه وسلم ودرعه مرهونة في آصُع من شعير»!

ابن عاشور:
«أغناه الله غناءين:
- أعظمهما غنى القلب، إذ ألقى في قلبه قلة الاهتمام بالدنيا.
- وغنى المال حين ألهم خديجة مقارضته في تجارتها».
أقول:
المقارضة: القِراض: المضاربة.
شاركته خديجة بمالها، وهو بعمله.

هذه السورة تذكرني بخطبة له قال فيها:
يا معشر الأنصار (...).
ألم آتِكم ضُلالاً فهداكمُ الله!
وعالةً (فقراء) فأغناكمُ الله!
وأعداءً فألّف اللهُ بين قلوبكم!
(...)
أما واللهِ لو شئتم لقلتم، فلصَدقتم وصُدّقتم:
آتيتنا مكذبًا فصدّقناك!
ومخذولاً فنصرناك!
وطريدًا فآويناك!
وعائلاً فواسيناك!

رسالة وصلتني من الأخ د. توفيق المصري
نفعنا الله بها