أول أمس، السبت 15جويلية، كنا في بوسعادة السعيدة ... فما هي قصة هذه السفرية وما مقدماتها ونتائجها؟
أول أمس، السبت 15جويلية، كنا في بوسعادة السعيدة ... فما هي قصة هذه السفرية وما مقدماتها ونتائجها؟
سيكون المنشور طويلا ... لن تندم على قراءته ... ففيه دروس وعبر، ووفاء وشكر، وسلوى ودرر ...
قبل أسابيع سمعت أن الشيخ ( عبدالهادي شبلي حفظه الله ) دخل نهائيا من السعودية ليستقر في بوسعادة، وهو الشيخ العالم الرباني الذي جاور الحرم المكي ما يقارب الاربعين سنة، الخبير بماء وبئر زمزم، وكان بيته بالعزيزية مفتوحا للحجاج والمعتمرين، إستقبل فيه الدعاة والعلماء والمربين، ولطالما قضينا عنده الأيام والليالي، وحضرنا مخيمات منى ، وجلسنا في حلق الذكر والعلم مع العلماء من شتى الامصار، فله علينا اليد الطولى ...
فلما علمت بخبر تواجده في بوسعادة تواصلت مع الشيخ ( أحمد بوساق حفظه ) لنذهب إلى زيارته،
مرتين نبرمج ولكن لم يشإ الله لنا ذلك،
ثم قبل 10 أيام يتصل بي الآخ الاستاذ الشيخ ( العربي بتقة حفظه الله ) ليكلمني عن نية بعض شباب بوسعادة في إحياء ذكرى رحيل الشيخ ( أحمد قاسمي رحمه الله ) ، فوافقت بل رأيت ذلك من شيم الوفاء ، وقدمت بعض المقترحات وتم تحديد الموعد ليوم أول أمس، السبت 15 جويلية، تواصلت مع الشيخ ( أحمد بوساق حفظه الله ) فوافق، ثم كتبت منشورا في هذه الصفحة يوم الجمعة عن موعد اللقاء وموضوعه ...
...وهنا كانت المفاجأة، الآخ الاستاذ مسعود بومعزة( Messaoud Boumaza ) - حفظه الله - مؤسس و عميد - معهد الاندلس - بمدينة ستراسبورغ Strasbourg بشمال شرق فرنسا على حدود المانيا، يرسل لي مجموعة من الرسائل النصية والصوتية مفادها:
أنه ينوي الذهاب إلى بوسعادة وحضور الملتقى مع إمكانية الرفقة في سيارة واحدة أو في سيارتين متتابعتين ...
للتنويه فإن الأستاذ مسعود و زوجته الأستاذة نورية عدو من المغرمين بمدينة بوسعادة و أهلها و لا يمكنهما زيارة الجزائر من دون أن تكون بوسعادة في برنامج الزيارة.
ثم تصلني رسالة من الاخ الاستاذ الدكتور ( ناصر جيرار حفظه الله ) الذي ينوي المشاركة في الملتقى خاصة أنه كان أحد أساتذة فقيدنا الشيخ ( أحمد قاسمي رحمه الله ) فكان طالبا عنده وله معه قصص وحكايات بداية الثمانينات،
رسالة ثالثة من الاخ الاستاذ الدكتور ( أحمد بن جدو حفظه الله ) يريد أيضا الرفقة،
بعد المشاورة ، عبر الهاتف، إتفقنا أن ننطلق من سطيف بعد صلاة الفجر على الساعة الخامسة والربع أو النصف كأقصى تقدير، الاستاذ ( مسعود ) يأتي من ( القرارم ) ونحن الثلاثة جيران في حي ( القصرية) ب سطيف ...
فجر السبت، الساعة الخامسة كان الاستاذ ( مسعود ) عند الباب، الخامسة وعشر دقائق مررنا على الدكتورين ( ناصر وأحمد )، قمت بواجب التعارف بين الإخوة :
- الاستاذ الدكتور أحمد بن جدو : خريج من جامعة سطيف، تخصص رياضيات، إلتحق بجامعة كلارمون فيرون بفرنسا، Clermont Ferrand ، حيث نال شهادة الدكتوراه وهو الآن أستاذ رياضيات بجامعة فرحات عباس، كان ولايزال ناشط في الدعوة إلى الله وخاصة بظروسه ومواعظه في أبواب السلوك والتزكية، وهو ينحدر من أسرة عريقة من بوسعادة، وهو من طلبة جامعة سطيف في الدفعة الأولى حيث إلتحق بها عام إفتتاحها سنة 1978.
-الاستاذ الدكتور ناصر جيرار ، نال شهادة الدكتوراه بين جامعتي سطيف ومونبولييه بفرنسا Montpellier ، أستاذ في كلية البيولوجيا بجامعة سطيف ، له حصص إذاعية دورية بإذاعة سطيف حول نظام التغذية والطب البديل، ناشط جمعوي في مجالات مختلفة، سليل عائلة عريقة بسطيف، والده المجاهد عمي ( لخضر رحمه الله ) واحد من العناصر الأساسية في أحداث 8 ماي 1945، عمي لخضر رحمه الله كان لي الشرف أن تعرفت عليه بداية الثمانينات في مصلى جامعة سطيف
-
- الاستاذ مسعود بومعزة، هاجر إلى فرنسا منذ حوالي 35 سنة (في نهاية الثمانينات من القرن الماضي ) مباشرة بعد مرحلة البكالوريا بالجزائر.
إلتحق بالمعهد الأوروبي للدراسات الإنسانية بمدينة شاتو شينون
I.E.S.H de Château-chinon (Institut Européen des Sciences Humaines)
و هو أول معهد يفتتح في أوروبا و يتخصص في تخريج الكوادر - الإطارات- الدينية في الغرب عموما و في أوروبا على وجه الخصوص.
بعد قضاء 5 سنوات تخرج مع زوجته في الدفعة الأولى سنة 1997.
بعد سنوات قليلة من تخرجه أصبح الأستاذ مسعود رئيسا لمجلس إدارة المعهد IESH لمدة 10 سنوات.
أصبح عضو مجلس إدارة اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا لعهدتين متتاليتين.
بعد تخرجه استقر في مدينة ستراسبورغ، و أسس مع نخبة من الشباب المسلم من الجيل الثاني( معهد الاندلس ) الذي يعتبر منارة من منارات العمل الجمعوي التربوي والثقافي حيث يستقبل ما يربو عن 1300 تلميذ و تلميذة من جميع الأعراق والأجناس و مع مرور السنوات أصبح المعهد مرجعية إعلامية و تربوية و تعليمية على المستوى الرسمي الفرنسي و على المستوى الشعبي.
، وهو سليل أسرة عريقة طيبة من منطقة القرارم بولاية ميلة .
بعد التعارف، وعلى الساعة الخامسة والنصف، وكما كان مقررا استوت بنا السيارة على الطريق السيار شرق - غرب، متجهين نحو البرج ثم المسيلة ثم بوسعادة ،
إتصلت بالاستاذ ( محمد براح ) إذا نمر عليه لنأخذه معنا فأخبرني بأنه سيذهب مع الاهل والابناء،
استفتحنا السفر بدعاء السفر بما مقاطعه المأثورة كلها، ثم توافقنا بأن أمير السفر الدكتور (أحمد بن جدو)
أثناء السفر، ست ساعات ، ذهابا وإيابا كنا في شبه حلقة علم ومجلس وعظ تبادلنا فيه الرؤى والنظرات تكلمنا في مواضيع شتى :
عن العلاقة مع الله
عن مراحل الدعوة الإسلامية
عن أسباب تأخر بلداننا
عن المسؤوليات المناطة بالنخب من معلمين وأساتذة ومحامين ودكاترة
عن سبل وطرائق حماية الصف الداخلي
عن المسؤوليات الملقاة على عاتق الحكومات والمؤسسات الرسمية
عن آليات التوفيق بين توظيف واستغلال المتاح والمكتسبات من جهة وعن ولوج مجالات أخرى وتحقيق غايات إضافية ...
وبين الحين والآخر نكت ولطائف وملح ...
حقيقة كنا في مجلس تعددت فيه الطروحات والرؤى وتنوعت تمنيت لو أننا سجلناه بالصوت والصورة ولكن قدر الله وما شاء فعل ...
الثامنة والربع صباحا كنا في بوسعادة أمام
المعهد الوطني للسياحة والفندقة
حيث سيكون الملتقى الخاص بإحياء ذكرى رحيل الشيخ أحمد قاسمي ... الداعية الذي لا يُنسى
وجدنا المنظمين في الانتظار، شباب وشابات في مقتبل العمر كأنهم شقائق النعمان، أناقة وأدب، ثغور مبتسمة، كلمات مهذبة،
جموع المدعوين قد ملؤوا الأروقة،
والأساتذة والائمة والدعاة قد امتزجوا مع الجمع في تواضع ووقار ...
فكان السلام والتحايا والعناق وتبادل الأشواق ... البعض لم أرهم مذ غادرنا مقاعد الدراسة بالجامعة، والبعض الآخر كانت لنا صولات وجولات في مختلف المجالات وأعداد كبيرة من الشباب ربما لأول مرة يكون اللقاء بهم ...
اكتمل العقد، والتحق الجميع وانتقلنا إلى قاعة المحاضرات ...
وعلى غير العادة التي كانت تقضي بالتأخر ساعة أو نصف ساعة عن انطلاق الأشغال، هنا كانت الدقة ... الثامنة والنصف القاعة مملوءة ، وكل واحد قد علم مكانه ... وبدأ العمل في الوقت المحدد سلفا:
القرآن الكريم
النشيد الوطني
كلمات الافتتاح والترحيب
الدكتور طارق سديد رئيس المكتب البلدي
الدكتور قدور لوعيا
نشيد وابتهال ثم ... عرض فيديو أنجزته إحدى الطالبات لرسالة الماستر عن مسيرة الشيخ أحمد قاسمي رحمه الله،
كلمة الاستاذ الشيخ لخضر لقدي الذي قدم ترجمة شافية كافية عن الاستاذ الشيخ أحمد قاسمي رحمه الله : بداياته، مساراته، منطلقاته، مراحل تحصيله ومجالات عمله وثمارها.
كلمة ممثل زاوية الهامل العامرة الذي أعطى نبذة عن الأصول الطيبة للشيخ أحمد رحمه الله من ناحية الأب والام
قصائد شعرية من الفحلين :
الشيخ حمزة العرابي والاستاذ محمد براح
كلمة علمية روحية تذكيرية من طرف الشيخ الأستاذ الإمام أحمد المدني بوساق تناول فيها جوانب من شخصية الشيخ أحمد قاسمي رحمه الله،
ما أبهرنا هو كلمة إحدى الأخوات المؤسسات للعمل النسوي في بوسعادة ، حماسة، وألفاظا، ومنهجية، ومشاعر
أما ما أسال العبرات وأوجم الحضور وكان الناس كأن على رؤوسهم الطير فهي الكلمة المرتجلة العفوية التي تقدمت بها أرملة الشيخ أحمد قاسمي رحمه الله، تمنَّعت في البداية عن الكلام ثم وافقت، بدأت كالغيث قطرات ندى ثم انهمرت كالسيل، لتقدم جوانب من حياة الشيخ كزوج ورفيق ومرشد ومؤدب ووالد وصديق ... محطات يسترشد بها العاملون والدعاة والمربون ...
أما كلمتي في وسط الاحتفائية فكانت
بعد البسملة والحمد والصلاة على المصطفى
ثم الشكر وتثمين اللقاء
فكانت في جانبين :
جانب مجمل وجانب مفصل
فأما المجمل فكان عن بوسعادة وعلاقتي بها وبرجالها التي ترجع لأكثر من 40 سنة خلت، وما قدمته بوسعادة للدين والوطن وبدأت في سرد بعض الرموز الذين كانت لي بهم علاقة وطيدة ،
ذكرت نماذج منهم وعلى الخصوص :
كمال غربي، عبدالناصر بن أم هانئ ، أحمد عزي، عامر العرابي، نورالدين صغيري، لخضر لقدي، عيسى جحنيط، عبدالهادي شبلي، أحمد بن جدو ... منهم من سبقنا لدار الخلد رحمهم الله ومنهم من ينتظر نسأل الله لنا ولهم الثبات،
وأما المفصل فكان عن الآخ والصديق والرفيق والداعية الشيخ أحمد قاسمي رحمه الله، عن البدايات سنة 1980 حين إلتحق بجامعة سطيف لدراسة البيولوجيا، وكيف تعزز به صف الدعوة إلى الله والعمل الإسلامي في ظروف لم تكن سهلة أبدا، بتحدياتها وضغوطاتها ومتطلباتها وصراعاتها ،
تكلمت عن الدروس والخطب التي كان يلقيها وتوقفت مع خطبة لا تزال بعض مقاطعها عالقة بذهني كانت تحت عنوان :
(( يوم كنا خير أمة ))
ثم تكلمت عن دوره في المعارض التي كانت تقام في جامعة سطيف والمعلقات والشروحات وانجذاب الطلبة والطالبات إلى الركن الذي يكون فيه
ثم تكلمت عن دوره وآثاره في مدينة سطيف وعلى الخصوص بدايات ( مسجد السبطين )
ثم إشعاعاته على المدن والقرى والمداشر المجاورة،
ثم سردت جانبا من اللقاء الجامع الذي حضرناه معا في السانيا بوهران يوم كنا نسعى إلى وأد الفتنة التي ظهرت قرونها بداية التسعينات ولو أستجيب لنا لتجنبت الجزائر كثيرا من المزالق، ذاك اللقاء الذي يحتاج إلى وقفات وقد حضره رموز من كل الكيانات والجماعات العاملة والاحزاب ... ولكن قدر الله وما شاء فعل ...
أختتم اللقاء بالتكريمات
لقاء دام أربع ساعات في قاعة مغلقة مملوءة بالرجال والنساء والشباب والشيوخ،
جو حار بلغت فيه درجة الحرارة أرقاما قياسية حين ركبنا السيارة سجلت 52 درجة مئوية
ومع ذلك لم يتحرك أي أحد من مكانه من بداية النشاط إلى نهايته بل بقوا في تواصل وتوديع
قلت حينها هذا يوحي بإشارتين:
الإشارة الأولى القبول الذي وضع في القلوب للشيخ أحمد قاسمي رحمه الله
والإشارة الثانية التعطش لمثل هذه اللقاءات البعيدة عن الحسابات الضيقة، المنطلقة من الصفاء الراغبة في التزود لمرضاة الله.
بعد اللقاء انتقلنا إلى منزل أحد الأعيان لنرى ونلمس حقيقة الكرم ولربما لو كان ( حاتم ) بيننا لقال : لا تقولوا كرم حاتمي بل قولوا كرم بوسعادي ... فحدِّث عن الموائد وأصنافها ولا حرج
ثم انتقلنا إلى بيت الاستاذ الشيخ لخضر لقدي ليكون اللقاء والتكريم لمن بدأنا الكلام عنه في هذا المنشور ، لقد جيء لنا بالشيخ الاستاذ الدكتور الداعية المربي الامام ( عبدالهادي شبلي ) لم يحضر اللقاء الجامع لأنه مريض ولكن أهل بوسعادة أكرمونا بلقائه وهو أبى إلا أن يرانا ويجالسنا
كان وصالا وتواصلا
كان تذكيرا وذكريات
عدنا بذاكرتنا
إلى الحرم المكي
إلى العزيزية
إلى متى
إلى الجلسات الروحية
ذكّرني وذكّرته يوم إستقبلنا في بيته بمكة المكرمة سنة 2002 وكان برفقتي أبنائي وأمهم ،
أثناء العناق والاحتضان سألني عن أحوال الزوجة وأحوال إبنتي خديجة فهو يتابع حالتهما الصحية عن كثب، رأيت في عينيه بعض الألم فقد اغرورقتا، رفع يديه داعيا ومبتهلا إلى الله لهما ...
هذا اللقاء في بيت الشيخ لخضر كان أيضا لقاء علم وتذكير وتناصح عن أحوال الأمة عن الإسلام عن الجزائر عن التحديات عن مكائد الأعداء عن الشبهات عن وجوب العمل بمقتضيات المرحلة ...
لو لم يكن في هذه الزيارة وهذه السفرية إلا هذا اللقاء لحُق أن تُشد له الرحال، وتضرب له أكباد الإبل ...
وأخيرا وليس آخرا حان ما لا بد منه ...
حان موعد الفراق ...
هل بعد هذا نفترق ...
أحبب من شئت فإنك مفارقه ...
توادعنا والمآقي مملوءة ... والكلمات لا تجرؤ على الخروج
والأمل في الله كبير أن نلتقي مرة أخرى ... فإن لم يكن ذاك هنا فحوض المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه موعدنا ورضى الرحمن يجمعنا ... فوالله ما خرجنا إلا من أجل ذلك .. فتلك غايتنا رغم ذنوبنا ومعاصينا وتقصيرنا ... فلعل دعوة ممن أحببناهم في الله توافي ساعة إجابة فيكلؤنا الرحمن سبحانه بها فننال عفوه ومرضاته ...
د. عبدالقادر سماري










