الدكتورعبد القادر سماري

هممت اليوم أن أكتب عن لقاء الأمس السبت، في ( بوسعادة ) الذي غمرنا فيه أهلها بكرمهم وحنانهم وعطفهم، وانسابت فيه النفحات الإيمانية من كل جانب ... ولكنني أخرت ذلك ليوم الغد، إن شاء الله،

هممت اليوم أن أكتب عن لقاء الأمس السبت، في ( بوسعادة ) الذي غمرنا فيه أهلها بكرمهم وحنانهم وعطفهم، وانسابت فيه النفحات الإيمانية من كل جانب ... ولكنني أخرت ذلك ليوم الغد، إن شاء الله،
ذلك أن أحداث هذا اليوم ، 16 جويلية، كانت ضاغطة على فكري ومشاعري ،
هذا اليوم له مكانة خاصة، في حياتي، لا يماثلها إلا يوم 10 نوفمبر،
فهذا اليوم، 16 جويلية، قبل 37 سنة، في 1986،
بدأ عاديا ككل الأيام،
كنت شابا في 27 من عمري،
استيقظت فجرا، وهيأت مع أخي الأكبر واخواتي مستلزمات الوضوءوالتيمم ، لسيدي عمار رحمه الله، فهو طريح الفراش وقد مر على مرضه ستة أشهر، أي منذ رجوعنا من فرنسا، إذ أنه زارني في آخر سنة لي بها حتى ناقشت رسالة الدكتوراه،
خرجت للصلاة في مصلى. جامع طوملة،
أُتَمْتِمُ أذكارا وأدعية لوالدي،
رجعت من الجامع، وقد وجدته أنهى الصلاة وجلس يذكر الله،
ومثل كل وقت صلاة منذ أن أصبح لا يخرج ، أرى في عينيه الألم أنه لا يستطيع الذهاب إلى المسجد،
إذ أنه، رحمه الله، لم يترك أبدا الصلاة في المسجد حتى أقعده المرض، جلسنا بعض الوقت ثم خلدنا للراحة ...
مع بزوغ شمس نهار 16 جويلية 86، بدأنا الاستعداد لاستقبال الزوار،
الأعمام والاخوال، وأصدقاء سيدي وتلامذته، وأصدقاء شقيقي الحاج الميلود، وأصدقائي، والجيران، ومعارفنا من الرجال والنساء...
يأتون زرافات ووحدانا،
قادمين لزيارة ( الطالب الحاج سي عمار بن الضيف سماري ) الذي تتلمذ على يديه المئات إن لم أقل الآلاف من أبناء وبنات قصر الابطال في زاوية والده الحاج الضيف، وأبناء وبنات رأس الوادي في مسجد طوملة أو مسجد العتيق أو في بيته ...
يستمر ذلك من طلوع الشمس إلى غروبها،
لقد تعودنا على هذا النمط من الحياة منذ فيفري من نفس السنة ... وهنا أسجل أنه:
رغم تكاليف الاستقبال،
ورغم تعب النساء في الإعداد والاستعداد،
ورغم توقفنا عن معظم أشغالنا،
ورغم ضيق البيت 3 غرف فقط، ونحن عائلة كبيرة من: والدين وجدة و16 من أبناء وأحفاد
ورغم حالة الحي الذي نسكنه ...
يشهد الله، أنه رغم كل ذلك وأكثر، فإننا كنا نستقبل الوافدين كل يوم بفرح وسرور وحيوية ونشاط، نبش في وجوه الزوار، نقدم ما حضر، نودعهم راجين رجوعهم ، لعدة أسباب منها على الأقل:
أننا عرفنا قيمة والدنا سيدي عمار عند معارفنا كلهم ، ثم أننا كنا نستبشر خيرا بتلك الدعوات والابتهالات التي يرددها الرجال والنساء والشباب والأطفال عند قدومهم وعند الذهاب، ثم أن سيدي وأمي وجدتي دوما يكررون :
الضيف يأتي ببركاته وحين يغادر يذهب معه كل سوء ومكروه ...
في ذلك اليوم قَدِم أعمامي وأخوالي وبعض أبنائهم وبعض المعارف،
جدتي مسعودة ريغي الحناشية، والدة سيدي، قضت اليوم كله، 16 جويلية، جالسة عند رأس إبنها، لم تخرج سوى للصلاة مع الحريم وترجع،
صلينا الظهر والعصر جماعة في البيت، وقبلهما وبينهما كانت القهوة والشاي والغداء،
كان يغفو أحيانا، ثم يستيقظ يستمع لكلامنا، يؤمِّن لدعوات الزوار ...
جموع تدخل وأخرى تخرج،
إلى أن حان وقت صلاة المغرب،
كان مضطجعا، تيمم، طلب مني أن أصلي بالحضور،
قبل مرضه كان إمامنا حين نصلي جماعة في البيت،
بعد مرضه أصبح يشير لأخي أو لي ولأحد أعمامي بالصلاة ...
جدتي، والدته، وهو بكرها، هي عند رأسه جالسة مثل دأبها منذ أسابيع، وهو مستقبل القبلة، وهو في الصف الأول على يميني،
كبَّرتُ ودخلتُ في الصلاة ، قرأت ما تيسر،
قيام
ركوع
سجود
جلوس
تشهد
في كل حركة دعوات ل سيدي الذي
رباني
أدبني
علمني
رافقني
صاحبني
رعاني
سافرنا معا
سهرنا معا
له في كل نفس من أنفاسي : دعوة ونجوى وابتهال ...
أنهيت الصلاة، أشحتُ بوجهي على يميني لأسَلِّم، وقعتْ عيناي في عيني جدتي مسعودة القابعة عند رأس سبدي، لمحت فيهما قطرات دمع،
رفعتْ يديها مشيرة لي بهما ...
فهمتُ أنه أسلم روحه لبارئها ...
( السلام عليكم ورحمة الله وبركاته )
قلتُها ، معلنا نهاية الصلاة
قلتها متمنيا له السلام في البرزخ،
السلام هو الله
السلام يسترجع أمانته
السلام عليكم ورحمة الله
قلتها عن يميني فقط وقمتُ،
في المذهب المالكي سلام واحد عن اليمين يكفي الامام
سبحان الله
هل يستطيع البشر أن يوجد هذا مثل ما حدث لي في تلك اللحظة
تسارع شريط أحداث ال 27 سنة التي كانت لي معه،
هي سنين عمري مع سيدي عمار، الذي رحل عنا مبكرا، لم يتجاوز 58 سنة من عمره،
هل هي نعمة، أم ماذا، أن تكون عندي هذه الذاكرة القوية
في ثوانٍ
تذكرت بداياتي منا أذكر ربما لم أبلغ الرابعة من عمري حين تنقلنا من بيت إلى آخر، وجنود جيش التحرير يرافقوننا وكان لهم مقرا يقابل بيتنا
ثم بدايات كتابتي للحروف وشكلها
ثم حين كان يأخذنا معه صباحا إلى جامع طوملة حيث كان يعلمنا القرآن
كيف كان يملي على التلاميذ سور القرآن وهو يتابع كل واحد أين وصل
ثم حين رافقني إلى المدرسة في أول يوم دخولي
إستقباله للأعمام والاقارب القادمين إلى رأس الوادي من أولاد تبان و أولاد بوكثير ليلة كل أربعاء لسوق رأس الوادي
ثم يوم نجاحي للذهاب للمتوسط وذاك الحفل البسيط الذي أقامه للمعلمين في بيتنا الاول
ثم تلك المعاناة في جمع 12000 سنتيم التي طولبنا بها من أحل المرسي والطاولة وقصتها طويلة
ثم مرافقتي له في زياراتنا المتكررة إلى بيت جدي في قصر الابطال، وزيارات خالاتي في سطيف وأعمامي في قصر الابطال
ثم نجاحي للانتقال للثانوي
ثم البكالوريا
ثم زياراته لي في الجامعة حيث كنت داخلي
ثم مع بداية الصحوة يكون لي وللإخوة سندا
فتح بيته للإخوان أواخر السبعينات وبداية الثمانينات
نصائحه
إرشاداته
تخوفاته
لم يكن سهلا ولا بسيطا، بل ولم يكن مقبولا في ذلك الوقت أن تكون إماما ومعلم قرآن وفي نفس الوقت تكون بيتك مقر لقاء الإخوان في حلقاتهم وتحضيراتهم للمعارض والجلسات الروحية والفكرية واستقبال الشباب
ثم حجه
وعمرته
زواج بعض أخواتي
زواج أخي
ميلاد بعض الاحفاد
جلساته مع أترابه من أئمة ومعلمين
ثم حصولي على المنحة وقصة ذهابي إلى فرنسا لإكمال دراستي وتلك حكاية، تصلح فصولها أن تكون مسلسل ...
وقصة زواجي وموقفه الذي يروى ويكتب،
ثم زيارته لي بفرنسا وتنقلاته بين
سوشو - بلفور - قرونوبل - بيزانسون - ليون -باريس
ثم تنقلنا إلى المركز الإسلامي ب جنيف لزيارة الشيخ سعيد رمضان صهر الإمام البنا رحمهم الله والقصص والحكايات في تلك الجلسات
ثم حضوره يوم مناقشتي الدكتوراه في
( المدرسة العليا للطاقات والكهروكيمياء )
ENS énergétique électrochimique
التابعة ل INPG Grenoble
ثم دمعتاه اللتان كانتا سببا في رجوعي إلى أرض الوطن بعد تخرجي
ثم رجعونا ومرافقته لي في الأيام الاولى إلى الجامعة حيث أخذت أول منصب لي بها كأستاذ ومدير الدراسات العليا بمعهد الكيمياء ... وأخيرا المرض وتنقلاتنا إلى
مصطفى باشا
مستشفى البليدة
مستشفى قسنطينة
والخبر المفزع ذات اليوم في قسم الأورام بقسنطينة ... حملته فقط أنا وأخي الأكبر ... ثم
شريط أحداث متسارع في ثوان ولحظات لا يستطيع أي جهاز من صنع البشر أن يقوم بها ... وتلك آية من آيات الله المبدع ...
دمعات سقطتا،
إلتفتُّ إلى شقيقي الأكبر، الحاج الميلود، هو البكر 36 سنة، كان جالسا في الصف الأول، ثابتا كالطود الشامخ ، قال لي بنظراته دون أن يتكلم :
كن رجلا ، ابك ولكن تجلد، تألم ولكن في صمت ، أمامنا أيام صعاب ... لنا أم وجدة وأخ وأخوات
ثم وقعت عيناي في عيني شقيقي الأصغر عبدالحليم الجالس في الصف الأخير، أظنه لم يفهم ما حدث لصغر سنه ...
أسرع إلى خاطري وذهني أطياف أمي جميلة وأخواتي السبع وزوجتي وزوجة أخي القائمات على خدمة النساء الزائرات ...
نزلت علينا سكينة، وتغشتنا الرحمة ،
قام شقيقي بما يجب أن يكون مع ( جثمان الوالد سيدي عمار رحمه الله ) ثم طَلبنا أنا وأخي وجدتي وأخواتي وأدخلنا في غرفة من الغرف الثلاث،
كانت بيننا بعض الكلمات للصبر والمصابرة ... قال : كل شيء جاهز ...
لقد أعد كل شيء ... حدثت بعض الحركات في البيت وفي الحي ...
الخبر إنتشر بسىرعة بين الجيران
سي عمار الطالب ربي رحمه
توافد الناس
حانت صلاة العشاء ليوم 16 جويلية 1986 ،
يجب أن نصليها
ولكن
سنصليها نحن وهو بيننا ولن يصلي معنا جسمه، لا إماما ولا مأموما، ولكن روحه معنا ...
عقيدتي أن أرواح الموتى ترانا وتسمعنا وتتابع أخبارنا وحركاتنا وسكناتنا ...
قضينا تلك الليلة مع القرآن، وتجهيز سيدي رحمه الله ... إلى الفجر ... ومن الغد كان شيء آخر ... صعب أن تتحمله النفس، أو يطيقه القلب
هكذا كان يوم
16 جويلية 1986
هذا اليوم الذي مر عليه 37 سنة ... 13505 يوم ... صدقوني إن قلت أنني أعيشه كل يوم ... مثل ما أعيش يوم 10 نوفمبر ...
منتظرا يوم اللقاء ...
وعزائي تلك الزيارات التي يقومان ( سيدي وأمي ) بها لي في منامي بل وفي بعض الأحيان في يقظتي ...
رحماتك ربي وغفرانك لكل الآباء والأمهات ،
صبرك ربي لكل من فقد عزيز
رضاك ورضوانك ربي لكل مصاب في حبيب ...
يقولون كل شيء يبدأ صغيرا ويكبر إلا مصيبة الموت، تبدأ كبيرة وتصغر ... قد تكون صحيحة مع البعض أما معي فهو نفس الشعور من أول يوم إلى الآن ليس فقط في فقدان والديَّ ( سيدي وأمي رحمهما الله، وقبلهما جدي سيدي الضيف وجدي المكي، وبعدها جدتي مسعودة ) بل وفي فقدان مجموعة من الرجال والنساء الذين انطبعت بهم حياتي والقائمة ليست قصيرة ...
ليس جزعا، ولا يأسا ولا قنوطا ... إنما هو الحبل الذي يربطني بهم ويشدني ويقويني ويدعمني لأثبت على ما تركوني عليه ...
اللهم ألحقنا بهم على خير
وأوردنا معهم حوض المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه ... واقبلنا عندك راضين مرضيين ...
في منشور قادم، لست أدري متى، سأكتب إن شاء الله عن 7 أو 8 هم من صقلوا شخصيتي لهم مني في كل صلاة دعوات ...
د. عبدالقادر سماري

،