الدكتورعبد القادر سماري

رسائل إلى الناجحين و غير الناجحين في البكالوريا و أوليائهم

رسائل إلى الناجحين و غير الناجحين في البكالوريا و أوليائهم
كل عام أشارك العائلات التي نجح لها ابن او ابنة في شهادة البكالوريا فرحتهم بأبنائهم ،مستذكرا تلك الفرحة الغامرة التي فرحها والدي و والدتي ( الحاج عمار سماري و سلوم جميلة ) عليهما رحمة الله و اخوتي و أخواتي و العائلة كلها من أعمام و أخوال و جيران بعد نتائج بكالوريا 1978 ، قبل 36 سنة ، و قد كنت أول متحصل على البكالوريا في العائلة ،و لم يكن حينها هذه السرعة في المعلومة لمعرفة النتائج و الوصول اليها ، بل كان الترقب و الانتظار لأيام ، كما لم يكن هذا الكم من وسائل الاتصال و التواصل للتهاني و التبريكات و مواسات غير الموفقين ، و لكن تبقى مظاهر الفرحة متشابهة عند الناجحين ، كما أن مظاهر الألم متشابهة عند من لم يوفقوا ، و لقد عشنا في عائلتنا منذ ذلك الوقت الحالتين معا ، حالة النجاح و الرسوب ، و اغتنم هذه المناسبة اليوم ، و بعد هذه التجربة المتواضعة ، لأقدم أربع رسائل :
1 - إلى من لم يوفق في البكالوريا : لا تأس على ما فاتك، و لا تجعل الدنيا تظلم في وجهك ، و لا تجعل أسرتك تعيش مأساة ،فالحياة ليست شهادات ، رغم قيمتها ، فكم من العظماء من اغتنم لحظة فشل و انطلق الى فساحة الدنيا ، و فاق أقرانه في مجالات الحياة المختلفة ، و اجعل من هذه الكبوة عبرة و عظة ، و اعلم ان الله أودع أسرارا في هذه الدنيا ، فلربما منعك الان ليعطيك غداً ، و ربما حرمك أمرا ليفتح لك في أمور ، و احذر من التأفف و الاكتئاب ، و إذا تيسر لك إعادة السنة فلا تتراجع و أعد السنة بهمة عالية ،و اجعل يقينك في الله فهو صاحب الشأن و الامر، و اقبل عليه فإنه يحب من يلجأ إليه في الضيق.
2 - إلى أولياء من لم يتحصل على البكالوريا : هذا هو الوقت الذي يحتاجك فيه ابنك او ابنتك ، فصاحبه و اذكر له فشلك في محطات الحياة ، و أن الضربة التي لا تقتلك تقويك ، و ليس الان وقت لوم و رجوع الى الماضي و تعداد الأخطاء و الهفوات ، و خذ بيده دون ان يحس بأنها شفقة أكثر من اللزوم ، و اخرج معه الى المسجد و التفسح و ذكِّره بما حدث للأنبياء و المرسلين و العظماء في مسار حياتهم من تعب و نصب و ابتلاء ، و اخرجه من عزلته ، و اترك صلته بالله و كتابه و سنة نبيه كأقوى ما تكون ، و احذر أن يحس بأن كل ما كنت تأمله قد ضاع ، فالضياع ضياع الدين و الأخلاق ، أما غير ذلك فهيِّن ٌ و مقدورٌ عليه.
3 -إلى أولياء من تحصل على البكالوريا : لقد نلت ما كنت تأمله من إبنك أو ابنتك ، والفضل في ذلك أولا و آخراً لله سبحانه و تعالى ثم دعواتك ثم مجهودات ابنكم ، و الفرحة مطلوبة ( و أما بنعمة ربك فحدث) ، و الشكر واجب و متمم للنعم( و لإن شكرتم لأزيدنكم ) ، و عليك أن تنتبه إلى بعض الأمور أهمها :
عليك أن تذكر ابنك بنعمة الله عليكم ، فكم من تلميذ ممتاز رسب لسبب من الأسباب ، لمرض أو تعب أو حادث حال دون اجتيازه الامتحان ،كما عليك أن تعينه في إختيار التخصص الذي يتناسب مع معدله ، وقد تكون نيتك في تخصص يرفضه أو لا يسمح معدله بالتسجيل فيه فلا تقلب الفرحة نكسة ، و لكن يسر الأمور فلا تدري في أيِّها الخير ، ثم عليك أن تحضر إبنك أو إبنتك للجامعة لأنها عالم آخر ، سواء في كيفية الدراسة أو العلاقات مع الطلبة أو العلاقات مع الأساتذة و الادارة ، و احرص على رعايته و توجيهه و صحبته ، و كم كان مفعول زيارة أبي رحمه الله لي في الجامعة و أنا طالب في كل حياتي ، و التي لا تُنسى .
4 -إلى الذي تحصل على البكالوريا : هنيئا لك على هذا النجاح ، و ألف مبروك ، و الفضل في ذلك لله أولا ثم والديك و أهلك ثم مجهوداتك ، فأفرح بذلك و لا تعتدي في الفرح ، إفرح بما يرضي ربك و ما تحافظ به على شرف عائلتك ، و واسي من لم ينجح من أصدقائك و رفاقك ، و أعلم أن البكالوريا ، رغم أنها مفتاح مهم في الحياة ، ليست كل شيء ، بل الان بدأت الحياة الحقيقية ، لأنك من الان فصاعدا ستكون كل الخيارات في يدك وحدك ، دون الاهل و الأقارب ، فأثناء اختيار التخصص فكر جيدا و استشر و استخر ، و لا تُتْعِب أهلك بمحاولات التسجيل فيما لا يسمح به معدلك ، فليس كل ما يتمناه المرء يدركه ، و بعد إتمام التسجيل ضع في ذهنك و خلدك و عقلك و قلبك بأن التخصص الذي نلته هو خير و أفضل تخصص لك ، و اقبل عليه حبا و اهتماما و شغفا ، و قبل ذلك و بعده ألجأ إلى الله بالدعاء و التضرع ، و تهيأ للجامعة و بالجامعة عليك بست أمور :
* كن أفضل طالب في تخصصك متابعة و مراجعة و تحصيلا
*خالط من يزيدك علما و إيمانا و صلاحا
*ابتعد عن رفقاء السوء إلا لدعوتهم للخير و صالح الاعمال
*اغتنم وقتك ، ففي الجامعة وقت فراغ كبير ، فاغتنمه في حفظ القرآن و التفقه في الدين و تنويع ثقافتك
*كن داعيا الى الله و خادما لدينه داعيا إليه من خلال معاملاتك و سلوكك و علاقاتك و كلامك و متابعا لشؤون أمتك مدافعا عليها مناضلا من أجل صالح وطنك
*كن نافعا لعائلتك محافظا على شرفها مؤديا لحقوقها ملهما لأفرادها قدوة لمن هو دونك
يستوي في هذا كله الذكور و الإناث ، غير أن الأخوات مطلوب منهن إلتزاما أكثر و فطنة و حذرا أكثر و الله ولي التوفيق