لهذه الأسباب ستعرف الجزائر صحوة ثانية كصحوة السبعينيات من القرن الماضي ؟
لهذه الأسباب ستعرف الجزائر صحوة ثانية كصحوة السبعينيات من القرن الماضي ؟
جزائر بعد الاستقلال كان التدين فيها تقليديا في المساجد و الزوايا و يقتصر على كبار السن ، كان محصورا في بعض الشعائر التعبدية و بقي رجال متمسكين بالمتاح من الدين قابضين عليه كالقابض على الجمر ، و تعطَّلت مسيرة (إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية ذات السيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية ) ، خاصة بعد وقف أنشطة جمعية العلماء و مصادرة الحريات و اعتماد نمط الحزب الواحد و تبني الفكر اليساري ، إلا بعض الأصوات القليلة التي كانت تدعو الامة إلى رشدها و تذكر بحقيقة الانتماء ، و في المقابل كانت هناك أنشطة كثيرة من طرف اليساريين و الفرنكفونيين بدعم من ( بعض ) المتنفذين في أجهزة الدولة و الحزب ، كان الهدف منها التضييق على العربية و تحجيم التوجه الاسلامي و نشر الاشتراكية و الشيوعية و الفرانكفونية من خلال العمل الجامعي (ccu و cvu ) و دور الشباب في المدن و عمليات التطوع و الرحلات و الحفلات حتى ظن أصحابها انه مُكِّن لهم ، فلا تكاد تجد شباب في المساجد و لا تكاد تجد فتاة محجبة الا أمهاتنا بلباسهن التقليدي، أما الطالبات في الجامعات فحدث و لا حرج و الأساتذة معظمهم ان لم نقل كلهم مطالبون بمسايرة توجهات الحزب و الدولة و اذكر في جامعة سطيف لم يكن هناك أستاذا واحدا يصلي إلا الاستاذ محمد بوداود رحمه الله ، أما الادارة في معظم المؤسسات فعالم آخر محكومة بالمادة 120، و امام ذلك الانغلاق اليساري و التوجه الغربي و التسلط الاداري و التعنت الحزبي ، و مع بداية سبعينيات القرن الماضي انبرى شباب ، عددهم قليل ، مدعومون و مؤطرون من قبل البقية الباقية من مدرسة الوطنية الصادقة و جمعية العلماء ، تداعوا الى العمل على إحياء الامة و ايقاظها ، و كاد يحدث صراع بين التدين التقليدي و الحركية الدعوية الجديدة ، بل حدثت بعض المشاكل المعزولة ،و جرت أحداث كبرى بين التيار الفرنكو-شيوعي و التيار المتدين في معظم الجامعات، و شاء الله أن تنشأ حركية واسعة في الجامعات و الثانويات و المدن و القرى امتدت الى كل المؤسسات و بدأت صحوة و عاد الشعب الى لغته و دينه و اقبل الشباب على التفقه في الدين و التكوين وحلق الذكر و الحج و العمرة و الاعتكاف و الندوات و الدورات و المعارض و المخيمات و الرحلات و المطالبة بالحريات ، فكانت صحوة أولى أفرزت انفتاحا واسعا و جمعيات و نوادي و احزاب .
و الان ! ها نحن في حالة ليست بعيدة في عمقها عن حالتنا في ستينيات و سبعينيات القرن الماضي ، تَدَيُّن تقليدي ( ليس تقليديا بمفهوم ستينيات و سبعينيات القرن الماضي ) و لكنه تقليدي متمثل في أحزاب ترفع شعار الاسلام ( متوسط السن يتجاوز الخمسة و الثلاثين سنة ) و جمعيات خيرية تستند الى التراث الديني و نشاط كبير في بناء المساجد و انشاء الزوايا و مسابقات في حفظ القرآن و تجويده و حفظ الأحاديث و تفنن في أنواع و أشكال الحجاب و قصر القميص و طول اللحى ، و في المقابل إنتشار مهول للمخدرات و الأقراص المهلوسة و محلات بيع الخمور و أنواعها و أماكن اللقاءات المشبوهة الخاصة بالفواحش و المنكرات و الروطاري و الماسونية ، و غياب شبه كلي للغة العربية في الحياة العامة و المراسلات الرسمية ، بل بالأجنبية يخاطبك المسؤول و بالأجنبية يتكلم ممثلونا في التظاهرات الدولية ( الدبلوماسية ، و السياسية ، والعلمية ، و الفنية، و الرياضية ... ) و بالأجنبية تقام الإعلانات و بها تكتب أسماء المحلات، و انتشار غير مسبوق للأمراض الاجتماعية من رشوة و محسوبية و جامعات معزولة عن واقع الامة و تطلعاتها و أساتذة منكفئون على ذواتهم و باحثون منعزلون في مخابرهم و طلبة مسلوبو الإرادة غير معنيين بأحوال بلدهم و أمتهم ، و احداث كبرى تجري في قلب امتنا (احكام بالإعدام ، مصادرات للحقوق ، تقسيمات للمقسم من الأوطان ، إبادات في فلسطين ) و لا حراك رسمي أو شعبي و تحولات كبرى يُهيؤ لها و كأنها لا تعنينا(الدستور ، تقسيم اداري ، استخراج للغاز الصخري إرث الأجيال ...) ..........
و إني أرى أن هذا لن يطول ، بإذن الله ، و ستكون صحوة ثانية تُرجع الأمور الى نصابها، تجعل من التدين أحكاما قبل الأشكال و من القرآن أوامر و نواهي قبل اللحن و التغني و من السنة أخلاقا و ممارسات قبل المظاهر و الهيئات و من الأحزاب و الجمعيات نضالا حقيقيا و بدائل و برامج في حياة المواطن قبل التنافس و الاستغلال و من المساجد محاضن للتكوين و التربية و حسن الخلق قبل الزخارف و البنايات و من الجامعات مراكز إشعاع و حراك إيجابي قبل أن تكون تجميع لطاقات معطلة تتخرج بشهادة و لا شهادة و من مؤسسات الدولة حامية للقيم و مقيمة للعدل قبل ان تكون وسيلة تسلط و امتياز ... و لكن قد يقول قائل : أنَّا هذا ؟ أقول أنه إن شاء الله سيحدث بطريقة أو بأخرى ، فطوبى لمن شارك بما يستطيع و وظف ما آتاه الله و جنب البلاد الانزلاقات و جنب الشباب التهور و جنب الامة استنساخ التجارب الفاشلة ، هنيئا لمن تدارك الامر قبل فوات الأوان ،... يتبع الطرق المحتملة للصحوة الثانية