الدكتورعبد القادر سماري

نظرة حول خيارات و مواقف(حركة المجتمع الاسلامي) حركة مجتمع السلم و رجالها في عهد الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ، و ماذا بعد؟

نظرة حول خيارات و مواقف(حركة المجتمع الاسلامي) حركة مجتمع السلم و رجالها في عهد الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله ، و ماذا بعد؟
تابعت مجموعة من التسجيلات الصوتية و الكتابات من إخوة لنا ،بعضهم كان في الحركة و انسحب و بعضهم لايزال في الحركة و في مواقع متقدمة و بعضهم من خارج الحركة و من تيارات قريبة أو بعيدة، تصب بعضها في : ان مواقف الحركة لم تكن موفقة و خياراتها كانت بعيدة عن المقاصد و الغايات التي وجدت من أجلها و رجالها أصيبوا بالوهن و الخوف و الضعف ، و قد يكون لكل صاحب رأي ما يسنده ، و لكن أُشهد الله و أَشهد و أُشهد الجميع بأنه و خلال أكثر من عشريتين ( ثمانينات و تسعينات القرن الماضي و بداية القرن الحالي ) ، كانت مواقف الحركة و خياراتها في عهد الشيخ محفوظ رحمه الله تستند إلى عدة أمور أهمها :
- المقاصد الشرعية و روح النصوص بعيدا عن الإفراط و التفريط متتبعين منهج امام دار الهجرة في وضعه للموطأ ( بعيدا عن رخص ابن عباس و عزائم ابن عمر ) مستلهمين من صلح الحديبية و فهمنا للقواعد الكلية .
- المحافظة على مكونات الدولة ( و ليس السلطة ) الفتية الهشة التي قد لا تحتمل هزات و ترددات لا تحسب عواقبها، خاصة في ظل تنوع و تعدد مشارب ( رجال الدولة)و في بعض الأحيان تناقض و تضاد و صراع رؤى و إرادات و قناعات القائمين على مؤسسات الدولة
- استقراء تاريخ الامة و نكباتها منذ افتراق السلطان و العلماء في بداية القرن الاول الهجري الى سقوط ( الخلافة ) في بداية القرن الماضي ، ( الخلافة بين قوسين له دلالته لانها بعيدة عن الخلافة المرجوة بل هي صورة من صور التسلط رغم ايجابياتها )
- استقراء التجارب الحديثة و المعاصرة في محاولات التغيير و الإصلاح و لم تكن تجربة سوريا الأسد الأب عنا ببعيد و لا تجربة السودان و لا تجربة تونس بل و لا تجارب الجزائر (جبهة القوى الاشتراكية 1963، الشيخ محفوظ 1975، بويعلي 1983، الجبهة الاسلامية ).
- المحافظة على البناء المؤسسي و البشري للحركة الذي تم إنجازه خلال فترة الصحوة (أقل من عشرين20 سنة في ذلك الوقت ) و عدم الزج به في صراعات لم نختر لها لا التوقيت و لا الطبيعة و لا الميدان ، و تمكين الفضاءات الجديدة من الاستقرار الميداني و إيجاد فرص للتدريب و الممارسة ، و رفض صنع عداوات غير مبررة .
- تقوية الروابط مع مكونات الشعب بمختلف شرائحه ، الذي أبدى تعاطفا و تمسكا و رغبة في الرجوع بالامة الى مسارها و مشروعها، رغم محاولات المسخ و التفسيخ و الفرنكوشيوعية ، و عدم حرق المراحل و الاندفاع نحو المجهول ، في غياب الرؤى المتكاملة.
- متابعة ردود الأفعال و مواقف الدول و المؤسسات و الهيئات الإقليمية و الدولية ، بعد زيارات لأكثر من ثلاثين 30 دولة ، و تنويع العلاقات و فضاءات اللقاء و الاستماع و الدراسة .
ربما المواقف و الخيارات لم تلق رواجا شعبيا واسعا و قبولا جماهيريا كبيرا لان الاستقطاب على أشده كان بين أمرين :( مع السلطة و ضد كل ما جاءت به جبهة الإنقاذ ) أو ( مع جبهة الانقاذ و ضد كل ما له علاقة بالسلطة ) و لا مجال للوسطية و إعمال العقل و البحث عن آليات للخروج من مظاهر الاحتقان و الترسبات و الصراعات و الذي هو لبُّ و حجر الزاوية في مواقف الحركة و هي تسعى و تتلمس المخارج في طريق مملوء بالألغام لم تكن سببا في وجودها بل حاولت أن تكون شريكا في حلها و تجاوزها، قد يعيب على الحركة إخواننا في جبهة الإنقاذ عدم التخندق معهم في المطالبة بحقهم المصادر ، كما قد يعيب علينا إخواننا في التيار الوطني عدم تجريم جبهة الإنقاذ ، و لكن كما كان للإخوة في الجبهة الحق في شق طريقهم بخياراتهم فكذلك للحركة الحق في شق طريقها بخياراتها، وكما كان للتيارات الاخرى الحق في خياراتها و مواقفها فكذلك للحركة الحق في خياراتها و مواقفها .
و رجال تلك المرحلة ، الذين أداروا العمل مع الشيخ محفوظ رحمه الله ، المتواجدون الان في مواقع و هيئات مختلفة ، لا يمكن إلا أن يذكروا بخير ، سواء الذين التحقوا بربهم عليهم رحمة الله أو من بقي منهم على قيد الحياة نسأل الله له طول العمر و صالح العمل، ذلك أن تلك السنوات ( ثمانينات و تسعينات القرن الماضي على الخصوص) كانت سنوات البذل و العطاء و التأسيس و الغُرم و كل من التحق بالحركة، في ذلك الوقت ،كان مهددا في نفسه و أهله و حياته و رزقه و عمله كما لم يطَّلِع على الغيب و ما يخفيه القدر أحد ، ليقول البعض أنهم كانوا انتهازيين أو متسلقين أو طالبي جاه ، و أي إنتهازية و أي تسلق و أي جاه في وقت كان مجرد الانخراط في عمل سري يعاقب عليه القانون و أي تنظيم خارج ( التنظيمات الجماهيرية!! ) يعتبر خيانة للوطن و يسلط على المتهم فيه أقصى العقوبات ، بل و خلال التسعينيات و بداية الالفيه كان رجال الحركة مستهدفون من جميع الجهات ،و كل طرف من الأطراف المتصارعة يعتبر من ليس معه فهو ضده ، و الحركة ، و رجالها ،لم يكونوا مع أي طرف ، بل كانوا مع خيارات استراتيجية اقتنعوا بأنهم يعبدون الله بها .
يمكن القول أنه :
قد يكون وقع خطأ في آليات العمل العام و الانكفاء الداخلي التنظيمي
و قد يكون وقع خطأ في آليات المشاركة
و قد يكون وقع خطأ في إختيار رجال المشاركة في المواقع المختلفة
و قد يكون وقع خطأ في آليات المتابعة و التوجيه
و قد يكون وقع خطأ في التوازن بين التربية و السياسة
و قد يكون وقع خطأ في التوازن بين المتطلبات الشعبية و الاهتمامات الرسمية
و قد يكون وقع خطأ في التنافس الداخلي و الانقسامات
كما أننا قد نسلم بأن بعض (أو كل) أولئك الرجال و النساء وقعوا في أخطاء متفاوتة الخطورة ،
فهل هذا مبرر لبتر التاريخ و نسف الجهود و التباكي على الأطلال ...
و الان !
هل يمكن لاولائك الرجال و النساء ، مع شباب و جيل جديد طموح لاستكمال المشوار و متابعة الطريق ،أن يعيدوا لحمتهم و يتجاوزوا خلافاتهم و يهبوا الى رشدهم و يستفيقوا من غفوتهم و يتداركوا أمرهم و يتجاوزوا أخطاءهم ، و يقدموا المشعل ،مضاء قبل ان ينطفئ ، إلى أجيال المستقبل !؟، أم هل سيتجاوزهم الزمن ، و تفرز الامة تيارا جديدا يعيد لها الأمل و يُستكمل المسار في طبعة جديدة نأمل أن لا تستنسخ فيها و خلالهاالأخطاء و أن يستفاد من تجارب الماضي ، و ان يتحقق قول الله :( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم )
و على اجيال المستقبل أن لا تأسرهم تجارب الماضي ، حلوها و مرها ،و لا تستوقفهم الحالات الخاصة و يتمثلوا قول أبي العلا المعري :
وإني وان كنت الاخير زمانه ... لآت بما لم تستطعه الاوائل
فكن آخر زمانك ... و الله المستعان