الدكتورعبد القادر سماري

هذا المنشور طويل، بل وطويل جدا ، فمعذرة،

هذا المنشور طويل، بل وطويل جدا ، فمعذرة،
فهو عن رحلتنا :
من باريس إلى ستوكهولم،
سيتناول المنشور ،
جلسة لنا قبل مغادرة باريس،
ثم سنقدم ذكريات عن زيارتي الاولى إلى (ستوكهولم) والتي كانت قبل أكثر من ثلاثين سنة ...
فأبدأ باسم الله قائلا،
خلال الأيام السابقة، في جولاتنا وأسفارنا ولقاءاتنا، كان كلامنا مركز على أمرين:
الإسلام والجزائر
أما أمس وقبل أن نغادر باريس نحو ستوكهولم
كانت لنا جلسة طيبة مع مجموعة من الأحباب والأصدقاء على ضفاف
نهر المارن ( marne )،
فقد أضفنا محورا ثالثا وأظن سيرافقنا في المحطات القادمة، وفق مقتضيات واجب الوقت، وهو :
القضية المركزية وأحداثها الاخيرة وتبعاتها ومتطلباتها وحقها علينا ...
كلامنا عن
* كلامنا عن الإسلام: لتثبيت المومنين وخاصة الأجيال القادمة من أبنائهم، ودعوة الآخرين، في هذه الظروف التي كثرت فيها الدعوات الهدامة التي تسعى للفساد في الأرض وتدعو إلى الإلحاد والانحلال والخروج عن الفطرة البشرية،
*كلامنا عن الجزائر لبعث الأمل لدى مواطنينا، الذين نلتقي بهم، باختلاف توجهاتهم ومواقعهم ومستوياتهم الاجتماعية والفكرية، وتحميلهم المسؤولية للمشاركة في بناء الجزائر المنشودة، ذلك أن الاوطان تُبْنى بأبنائها أينما كانوا وحيثما وجدوا ومهما كانت مستوياتهم وتوجهاتهم
* وكلامنا عن :
القضية المركزية وما تعيشه من تطورات وأحداث فكان من أجل إبقائها حية في النفوس والوجدان، والدفع للمشاركة بما هو متاح من بذل وعطاء، واستقراء للواقع مع استشراف المستقبل فيما يمكن أن يكون ومتطلبات ذلك، كانت تحاليل متباينة وبعض القراءات تذهب بعيدا في النظر إلى كيد الsهايnه والmاsونية.
كان هذا قبل بداية الرحلة من
باريس إلى ستوكهولم
فلما وصلنا إلى المطار وقمنا بالتسجيلات، وامتطينا الطائرة بدأت ذكريات أول رحلة لي إلى السويد تتسابق إلى ذهني ،
أول زيارة من الجزائر إلى ستوكهولم
كانت أواخر سنة 1992،
وبالتحديد يوم 26 ديسمبر 1992،
وأظن أن الكثير من أبناء جيلي يعرفون ماذا يعني هذا التاريخ،
والأكيد أننا سنختلف في قراءة أحداثه وما بعدها، ... لن أخوض في الأحداث وأسبابها ومسبباتها ونتائجها وما كان يمكن أن يكون وما لم يكن واجب فعله ...
ولكنني سأسوق ذكريات تلك الرحلة وأسبابها وما تحمله،
في تلك الأيام كانت قد مرت على الجزائر سنة بالتمام من تاريخ إجراء أول إنتخابات تشريعية تعددية، 26 ديسمبر 1991، والتي تم توقيفها فيما بعد... وإثر ذلك التوقيف بدأت العشرية الحمراء وما أصطلحنا على تسميته المأساة الوطنية، وهي حقا مأساة وطنية بكل ما تحمله الكلمات من معنى،
في البيت الواحد يوجد قتيلان،
في البيت الواحد يوجد مفقودان،
بدأت الشرارة بقرارات ومواقف متباينة وفي الكثير من الأحيان متناقضة، تحمل في ثناياها تحطيم وطن وتمزيق شعب ،
قبلها كنا قد قرأنا مقالا لليهوdية ( زاكية داوود ) والتي نشرته في مجلة
Le monde diplomatique
في شهر جويلية 1987 تحت عنوان :
Comment lutter contre l'intégrisme islamique en Algérie
( كيف نقف في وجه التطرف الإسلامي في الجزائر ) ... ملخص المقال :
"يجب وأد هذا المارد قبل اكتمال نموه"
في مجموعتنا أو جماعتنا كان الموقف بسيط وواضح رغم أن الكثير لم يستوعبه :
((رفض العنف والاقتتال مهما كان السبب ومهما كانت المبررات فالشعب والوطن والممتلكات خط أحمر، والرابح فيه خاسر بل لا ولن يكون هناك رابح أصلا ))
أمام هذا الوضع، بدأت تأتينا الدعوات من جاليتنا بالخارج ومن كثير من الأطراف، لشرح الموضوع وتوضيح صورة ما يحدث ..كانت لقيادات الحركة عدة زيارات وفق برنامج مكثف،
وأنا شخصيا كانت لي خمس خرجات أساسية واحدة إلى أمريكا دامت شهرا كاملا زرت فيها 13ولاية برفقة الدكتور ( مراد بركات )، وأخرى إلى فرنسا برفقة ( الشيخ محفوظ، الشيخ بوسليماني رحمهما الله، والاستاذ محمد جمعة حفظه الله )، والثالثة إلى البقاع المقدسة رفقة مجموعة كبيرة على رأسهم الشيخ محفوظ والشيخ بوسليماني رحمهما الله، والرابعة إلى ألمانيا رفقة الدكتور عبدالرزاق مقري،
والخامسة إلى السويد وكانت بمناسبة إنعقاد المؤتمر السنوي للرابطة الإسلامية في السويد ...
والهدف من الزيارات في ذلك الوقت بسيط وواضح، كما بينت أعلاه :
(( شرح موقف الحركة الرافض للإقتتال والدمار مهما كان مصدره ومهما كانت مبرراته والسعي لإيقاف النزيف الدموي والتدمير الذاتي مهما كلفنا ذلك ))
ونرجع إلى الزيارة ...
لقد كنت مكلفا بالذهاب إلى السويد لتمثيل الحركة في مؤتمر الرابطة الإسلامية في السويد،
كانت الرحلة وفق خط الطيران :
الجزائر - فرسوفيا ( وارسو عاصمة بولندا ) - ستوكهولم .
تأخرت الطائرة في الجزائر، وصلنا إلى ( فرسوفيا وارسو ) متأخرين،
لقد ذهبت طائرة ستوكهولم،
الوقت متأخر،
بدأتُ عملية المفاوضات والنقاش مع مسؤولي المطار، حول كيفية الذهاب إلى ستوكهولم،
ليس هناك أي رحلة مع أي خطوط إلا بعد يومين ...
بعد مراجعة برنامج الرحلات ظهر هناك بصيص أمل :
توجد طائرة خاصة لأحد أفراد ( العائلة الملكية ) ولكنها لا تذهب مباشرة الى ستوكهولم بل ستتوقف في ( كوبنوهاقن عاصمة الدانمارك ) ثم تكمل المسير،
بعد أن تحصلوا على موافقة ( العائلة الملكية ) جاء المسؤولون يطلبون مني الموافقة على الذهاب على متن هذه الرحلة،
أظهرت لهم أنني لا أهتم، فقط أريد أن أكمل رحلتي، والحقيقة التي لازلت أذكرها أنني كنت أضحك داخليا وقلت في قرارة نفسي :
(( إيه يا جمال يا ولد الطالب
إيه يا ولد جميلة
إيه يا ولد سي عمار
إيه يا ولد الحاج الضيف
راهم يحاولوا فيك باش تركب مع ملوك الدول الاسكندنافية اللي كنت تقرأ عليها عند سي عمر الشاوي ... ))
وافقت، جيء بحقيبتي، وأي حقيبة!،
ركبت الطائرة،
جلست في مقعد ... قادتني إليه
المضيفة !!!
ثم بعد برهة جاء بضعة أشخاص وأخذوا أماكنهم ، لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين تسعة يزيدون أو ينقصون بواحد ...
هل أصفهم ؟؟؟
لا داعي لذلك !!!
بقيتْ بعض ملامحهم إلى الآن في مخيلتي،
شريط تلك اللحظات يمر بخاطري كأنه يحدث الآن،
حين أقلعت الطائرة كنت أردد دعاء السفر ...
ثم رحت استذكر بعض أهداف إنتمائنا لهذا الدين الحنيف ( الاسلام )، ولهذه الحركة ...
إخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد،
أستاذية العالم ...
لك الشكر ربنا على أن هديتنا لهذا الدين القويم
رحم الله الاستاذ ( حسن ) لقد رفع لنا سقف الطموح وسقف الأهداف ... لقد رفعه عاليا لنُحلِّق في الأعالي ...
توقفت الطائرة ساعة أو أكثر في كوبنوهاقن ... نزلنا إلى قاعة من قاعات المطار، كانت مهيئة لضيوف الدرجة العالية ... ليست كباقي القاعات التي نعرفها في المطارات ...
ثم استكملنا المسير إلى مطار ستوكهولم،
جاءت المضيفة، أخذت وثائقي، قامت بإجراءات الدخول إلى السويد، ثم جاء أحدهم ومعه حقيبتي، صحبني إلى قاعة المطار العادية حيث ... البشر الآخرين ...
وهناك كانت المفاجأة، الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله جالسا ومعه شيخ لم أعرفه،
بعد السلام،
قدمت نفسي، عرَّفني الشيخ يوسف بمرافقه : الشيخ المحلاوي ،
قال لي : لقد وصلنا قبل ساعة ونحن ننتظر،
بعد وقت قصير وصل مجموعة من الإخوة على رأسهم الدكتور عبدالباقي جحيش ممثل حركة المجتمع الإسلامي في السويد، والاستاذ شكيب بن مخلوف رئيس الرابطة الإسلامية في السويد،
بعد السلام، أنَّبهم الشيخ القرضاوي عن هذا التأخر غير المبرر: نحن نأتي من آخر الدنيا وأنتم على بعد أمتار تتأخرون وعندكم كل معلومات السفر، ما هكذا نمثل ديننا ودعوتنا ... ذهبنا إلى الاستراحة في إحدى البيوتات،
وفي الغد بعد فطور الصباح، وقبل انطلاق مؤتمر الرابطة، كانت لنا جلسة موسعة في إحدى المقرات، حضرها عدد معتبر من الإخوة من الدول الاسكندينافية ( السويد، الدانمارك، النرويج، فنلندا )، تعارفنا ثم بدأ نقاش عن أحوال المسلمين في شمال الكرة الأرضية، هذه البلاد التي عرفت الإسلام من خلال التتار المسلمين الذين فروا من بطش ستالين ... ثم طُلب مني تقديم نبذة عنا يحدث في الجزائر، ثم بدأ نقاش حاد، تباينت فيه الرؤى والنظرات،
قلت لهم : الحكم على الشيء جزء من تصوره، والأمور بمآلات ونحن لا نريد أن يتم تحطيم وطن و تمزيق شعب بإسم الاسلام ... كان النقاش يدور في دائرة مفرغة ... لا يتسع المنشور لذكره وخاصة ردودي على بعض المشايخ والأساتذة ...
بعد ذلك انطلقنا إلى القاعة حيث المؤتمر ، وكالعادة بدأ بالقرآن الكريم، كلمات ترحيبية، ثم تقديم لمحة عن الرابطة وعن المسلمين في السويد ... وبعدها بدأت الكلمات ،
كلمة الشيخ القرضاوي،
كلمة الشيخ المحلاوي،
كلمة الشيخ فؤاد البرازي ...
ثم كلمتي، بدأتُ فيها بالشكر ثم الكلام عن الجزائر، لمحة عن تاريخها، لمحة عن ثورتها المباركة، لمحة عن شعبها المسلم 100%، ثم لمحة عن الصحوة الإسلامية التي جاءت في ظروف تحالف فيها التيار الفرنكوفوني مع التيار الاشتراكي الشيوعي لإخراجها عن مسار وأهداف ثورتها المحيدة، والانجازات المعتبرة التي حققتها الصحوة من السرية إلى العلنية وأن الأمر يتطلب الصبر والمصابرة ووضع القدم حيث بجب ... ثم بدأت بالكلام عن الأحداث الأخيرة التي ليست في صالح الإسلام وليست في صالح الجزائر وأنها قد تؤدي إلى ما لا تحمد عقباه ... وهنا كانت المفاجأة ...
بدأ الصياح داخل القاعة، ثم هجم بعضهم علي وفي أيديهم العصي، تدخل المنظمون وأخرجوني من الباب الخلفي ... انقض الجمع، وانتهى المؤتمر ... ثم بدأنا في جلسات خاصة خلال أيام تواجدي بستوكهولم، كلها عن :
بدايات الصحوة، التعددية، الانتخابات، ماذا يحدث وماذا يمكن أن يكون ...
كانت لي جلسات مع بعض الشخصيات السويدية رتبها الدكتور عبدالباقي فله شبكة علاقات واسعة، ثم كانت لي جلسة مع سفير الجزائر بالسويد ( الاستاذ حسين ممجي ) ذو أدب وأخلاق وفهم ،وبقيت تلك العلاقة بعد دخوله للجزائر إلى أن توفاه الله، رحمه الله... وخلال مسيرتي كنت كلما ألتقي بأمثاله من المسؤولين أزداد بقينا أن الجزائر فيها الخير الكثير وتحتاج وعيا وفهما وفعالية وصبرا قد لا يتحمله البشر إن لم يكن مستعدا له ...
في تلك الزيارة كانت لي قصة طريفة مع شاب جزائري من بلكور اسمه ( كريم ) أتمنى أن ألقاه هذه المرة، وربما تأتي فرصة لنشرها في هذا الفضاء، انتهت تلك الزيارة وكان لها نتائج كبيرة ...
كانت هذه الذكريات وغيرها ترافقني من باريس إلى ستوكهولم ... حيث حطت بنا الطائرة على الساعة 11:30 ...
يا سبحان الله ... ساعتين ونصف طيران، عبرنا أوروبا من جنوبها إلى شمالها، دخلنا دولة أخرى، لغة أخرى، ملامح أخرى، ومع ذلك، لا بوليس أوقفك، ولا جمارك تقلبك، ولا طابور للختم في جوازك ... ثلاثين سنة تغير فيها كل شيء عندهم (( نحو الأحسن وبإتقان))
في بهو المطار كان في استقبالنا الأستاذ ( ع.الح. ) لا يحب الظهور ولا ذكر الاسم في هذا الفضاء، أكثر من 15 سنة لم نلتق ...
بشوش، طلق المحيا،
تبادلنا التحايا والسلام، ركبنا السيارة،
لم يتوقف عن الشروحات،
وصلنا إلى الفندق قمنا بالاجراءات، الساعة الواحدة صباحا،
نمنا، استيقظنا لصلاة الصبح ... كتبت هذا المنشور، في انتظار خروجنا لأرض الله لنتعرف على خلق الله ... وننظر في ملكوته ...
اللهم أنت قلت :
... قل سيروا في الأرض فانظروا ...
اللهم إننا نسير وننظر، فهيء لنا يا ربنا من أمرنا رشدا ...
د. عبدالقادر سماري