أمس الجمعة كان مميزا بما فيه من الأحداث والمفاجآت،
أمس الجمعة كان مميزا بما فيه من الأحداث والمفاجآت،
وخاصة المفاجأة الثالثة،
كنت قد وصلت إلى سطيف قادما من العاصمة ليلة الخميس إلى الجمعة، بعد أن شاركت في بعض الأنشطة الداعمة ( ماديا وليس كلاميا ) للمناضلين المجاهدين في فلسطين، كل فلسطين، وبعدها جلسات إستشارية حول :
واقع ومستقبل القضية الفلسطينية
الأوضاع العامة في وطننا الجزائر ومآلات الأمور السياسية والاجتماعية.
هذا اللقاء الذي شارك في نخبة من أهل الرأي والفكر والنضال .
حين وصلت إلى البيت، في سطيف،
كان الوقت متأخرا بعض الشيء،
وجدت الأبناء والأحفاد ينتظرونني ...
هممت بالدخول إلى غرفتي ...
وهنا بدأت المفاجأة الاولى،
إستوقفوني جميعا،
طلبوا مني تقديم نظرة عن فلسطين،
موقعها، تاريخها، رمزيتها،رجالها، أوضاعها الآن، وكيف أتصور نهاية المعركة الحالية وما هي مختلف الاحتمالات ...
طلبهم إستفزني، فرغم التعب، لأنني رجعت من العاصمة بمفردي أقود السيارة، إلا أنني وجدت في نفسي طاقة لا توصف ...
وضعت فوق الطاولة خارطة فلسطين،
الجميع متحلقٌ حولها في صمت وإصغاء وإنصات،
رحت أتكلم عنها
التاريخ
الجغرافيا
استشهادات قرآنية
أحاديث نبوية
القدس
بيت المقدس
صلاة الانبياء فيها
سيناء
نهر اليرموك
البحر الميت
بحيرة طبرية
ما أذهلني هو المتابعة والاهتمام الذي كان عليه الأحفاد
إسراء
عبداللطيف
مارية
عبد المعز
حتى عبدالملك صاحب الثلاث سنوات كان يتابع في صمت...
لم يتركوا صغيرة ولا كبيرة إلا واستفسروا عنها ...
لا أخفيكم ... كنت منتشيا ...
ما شاء الله ... تبارك الله ... لا حول ولا قوة إلا بالله ...
بعد العرض واستفسارات الأحفاد على الخصوص،
كان النقاش مع الأبناء ( عبدالله، عبد الستار، عبدالفتاح وأمهم ) ، تركز حول نقطتين :
الاولى : كيف ندعم فلسطين
والثانية : إستنادا إلى القرآن ( فإذا جاء وعد أولاهما ) ( وإذا جاء وعد الآخرة )...
هل هذا العلو والطغيان والظلم الذي وصله بنو إسرائيل هل هو
الأولى
أم
الثانية
كان نقاشا علميا عقلانيا مفعما بالحماس والنخوة والعاطفة الجياشة..
وصلنا إلى نتيجة :
( إن شاء الله تكون الاولى وإن شاء الله نشارك في تحرير الأقصى، نحن مطالبون ببذل ما نستطيع والأمر لله من قبل ومن بعد )
تذكرنا جولتنا العائلية جنوب فلسطين في شمال الاردن ،
ورحلتنا جميعا قبل ولادة الاحفاد إلى جنوب لبنان شمال فلسطين،
وتذكرت زياراتي الثلاث إلى غزة،
تلك ذكريات أشعلت روح التحدي لدى الأحفاد وراحوا يسألون :
جدو جدو متى نذهب نحن إلى فلسطين نريد تحريرها والصلاة في المسجد الأقصى ...
دمعات سقطت من عيناي،
إبتسامات ألقيتها إليهم وأنا أردد
إن شاء الله
إن شاء الله
إن شاء الله
آويت إلى فراشي وأنا أردد :
اللهم لا تحرم ذريتي من شرف تحرير بيت المقدس ... ثم
وضوء
بعض الركعات
ثم خلدت إلى النوم
إبتداء فجر الجمعة كان علي أن أبدأ في تحضير الدرس
عندي درس الجمعة في مسجد:
عمر بن الخطاب رضي الله عنه
عنوانه :
(الخلفية الدينية والعقائدية لثورة التحرير الجزائرية والقضية الفلسطينية وما هو المطلوب منا تجاههما )
وضعت رؤوس الأقلام والعناوين الأساسية،
في الصباح كان لزاما علي أن أعتذر لإبن أخي ( صالح سماري ) الذي دعاني للعقيقة فلقد أكرمه الله ببنت بهية الطلعة أسماها ( رحمة ) ، فاعتذرت لأنني مرتبط ولكن طلبت من الأبناء كلهم الذهاب، وطلبت منه أن يرسل لي سهمي من العقيقة د، وذلك ما كان ...
منتصف النهار من يوم أمس الجمعة، جاءني أخي الدكتور العربي زروال لنذهب سويا إلى
مسجد ( عمر بن الخطاب ) ،
هذا المسجد
الواقع بين ثلاثة أحياء
حي الألف مسكن
وحي البيرقاي
وحي لندلريوبي
وفي الأحياء الثلاثة تسكن خالاتي وأبناء أخوالي، وكان جدي لأمي رحمه الله يسكنها، وقد عشت في هذه المنطقة معظم طفولتي وشبابي ،
وعايشت وتابعت بناء مسجد عمر بن الخطاب منذ البدايات، ولي فيه بعض الذكريات لا يتسع المنشور لذكرها وخاصة مع عمي ( عبدالرحمن) نطلق عليه إسم ( الرحمة ) سمعت أنه قد إنتقل من هذا الحي وأنه مريض، ربي يشفيه ...
في مقصورة المسجد كان في استقبالنا:
الشيخ الإمام الزبير بورقبة
والشيخ الأمام عبدالكريم بن نيمر
حفظهما الله
لي معهما ذكريات ترجع إلى أكثر من ثلاثين سنة خلت ...
حان وقت الدرس :
المسجد مملوء عن آخره،
الموضوع كنا أشرت سابقا :
ثورة التحرير الجزائرية
و
القضية الفلسطينية
والمطلوب منا تجاههما،
بعد البسملة والتشهد والحمد والشكر والصلاة على المصطفى كان الكلام عن:
فضل الله علينا في جُمَعِنا واجتماعاتنا،
طبيعة الصراع الأزلي بين
الحق والباطل
بين
الايمان والكفر
بين
العدل والظلم
فطوبى لمن كان في جانب الايمان والحق والعدل
وخاب وخسر من عاداهم،
ثم
إن الباطل والكفر والظلم ربما تكون له جولة ولكن الله يهيء رجالا يدخصوه،
ثم
الكلام عن احتلال الجزائر واحتلال فلسطين إنما هو من منطلق ديني عقائدي وجئنا بالاستشهادات،
ثم كيف هيأ الله للجزائر رجالا ونساء كان لهم شرف حريتها واستقلالها ...
وسوف يتهيأ لفلسطين مثل ما تهيأ للجزائر،
فللباطل ساعة وأما الحق فسيظهر إلى قيام الساعة
ثم تكلمنا عن المطلوب منا في الوقت الراهن :
توقفنا مع قوله تعالى :
(( والذين جاهدوا فينا ...))
و
(( ما النصر إلا من عند الله ...))
و
(( إن تنصروا الله ينصركم ...))
وأجبنا عن بعض التساؤلات :
كيف ومتى وبماذا ننصر الله ومجاهد في سبيل الله .؟
وكيف ومتى يكون الله معنا ؟
وختمنا الدرس بالدعاء لآبائنا وذرياتنا وأوطاننا والمجاهدين في فلسطين عموما وغرة على الخصوص وفي كل الثغور ...
ثم استمعنا لخطبة
الشيخ الزبير حفظه الله
التي كانت كلها عن : فلسطين
وهزني في خطبتيه نداءاته لأبناء الأمة :
متى تغضب
متى تغضب
متى تغضب
أنهينا صلاة الجمعة وبعدها صلاة الجنازة،
توافد علينا بعض المصلين سلاما وتحية ... الكثير منهم أعرفهم واعرف أباءهم ... دخلت المقصورة ... وهنا كانت المفاجأة الثانية :
يدخل علينا في المقصورة رجل، شديد بياض الثياب، باسم الوجه، أنيق الملبس، ملامحه ليست غريبة عني، اجتهدت في أن استذكر اسمه ولكن عبثا أحاول، ابتدرنا بالسلام، صافحني بحرارة، ثم صافح الشيخ الزبير، ثم استأذن من الشيخ الزبير ليخلو بي،
مباشر ودون مقدمات، شكرني عن درس الجمعة،ثم راح يسأل عن أحوالي وعن رؤيتي حول الأوضاع المحلية والدولية،
كنت استمع إليه بشغف ولكن ذهني كان يبحث عن إسمه وأين ومتى إلتقيته؟
أظن أنه تفطن لذلك،
فقال لي : أعتقد أنك نسيتني
قلت : والله إنني أبحث وأظن أن ذاكرتي خانتني هذه المرة
فقال مبتسما : أنا فلان الفلاني،
تذكرت الرجل، لا أعرف عنه إلا خيرا
في كل مساري إلتقيته مرتين فقط،
نعم ، إنه واحد من رجال الجزائر الأوفياء، تقلد مناصب كثيرة ومهام محورية في الدولة الجزائرية، لا تزال له مشاركات وإسهامات خدمة لهذا الوطن، بعيد عن الأضواء، من أصول شريفة وعائلة محترمة، همه الإسلام والجزائر،
جلسنا في مقصورة الامام بعيدين عن الآخرين، وتفرع بنا الحديث،
السياسة
الأمور الاجتماعية
القضايا الاقتصادية
مستقبل الجزائر في ظل الصراعات الإقليمية والدولية
فلسطين
العرب
المسلمين
أمريكا
وختمناها عن :
الانتخابات الرئاسية القادمة، بعد سنة :
كلام كثير ... لا يتسع المنشور لسرده ... توادعنا وتواعدنا على أمل اللقاء قريبا ...
كانت مفاجأة سارة، رغم قصر اللقاء إلا أنني تعلمت واستفدت كثيرا ...
رجعت مع أخي الدكتور العربي إلى البيت في القصرية ... قاربت الساعة الثالثة بعد الظهر ... كنت أفكر أين نذهب ؟
فأنا والدكتور نورالدين شارف مدعوان إلى وليمتين للعشاء :
الأولى في سطيف عند أخي الاستاذ عبدالوهاب نوري بمناسبة زواج إبنه
و
الثانية في بني عزيز عند عائلة أخي المرحوم مصطفى بن زايد رحمه الله، بمناسبة زواج إبنه أيضا،
وأنا أقلب الأمر في ذهني، وأميل إلى تلبية دعوة عائلة أخي مصطفى رحمه الله، يرن الهاتف،
أنظر في اسم المتصل...
وهنا المفاجأة الثالثة
عمي المجاهد بوزيد شيبوط حفظه الله،
لم ألتقه منذ أكثر من عشرين سنة،
علاقتنا كانت مرتبطة بخدمة الإسلام والجزائر وولاية سطيف ...
عمي بوزيد له علاقة عائلية بعائلة الاستاذ مصطفى ... رفعت الهاتف،
مباشرة بعد السلام،
قلت له : أكيد أنت في بني عزيز، إنتظرني فإنني إن شاء الله قادم
قال: إتصلت بك لأتأكد من مجيئك.
جاء الدكتور نورالدين ، وانطلقنا إلى بني عزيز، واعتذرنا للآخ الاستاذ عبدالوهاب نوري،
وصلنا بني عزيز عند صلاة المغرب،
كان في استقبالنا عدد كبير من
عائلة بن زايد أعمام العريس
وعائلة بورماد أخوال العريس
ورجال وأعيان بني عزيز
وكان عدد كبير من المدعوين من مختلف الولايات، أصدقاء الاخ مصطفى رحمه الله وأثدقاء أبناءه،
طبعا كان عمي المجاهد بوزيد شيبوط وأبناءه، وعمي الحسين بن حميدة، والأخ مليزي حسين .... وآخرون
صلينا معهم المغرب ... وأثناء العشاء كنت مع عمي بوزيد نتذاكر بعض الأمور التي قمنا بها خدمة لولاية سطيف لما كنت نائبا بالبرلمان وخاصة سنوات : 1997- 2001، ثم لما كنت وزيرا ...
وبدأ يحكي للجميع عن المشاريع التي جمعتنا، وخاصة كيف كنا نعدها ونحضرها،
كيف اجتمعنا مع 26 من رجال ولاية سطيف أذكر منهم:
عمي قدور سكلولي( قدرة مازة) رحمه الله،
عمي العيد بوراس رحمه الله
الدكتور الخير قشي
الدكتور معماش مصطفى
عمي عبدالرحمن راي الشمس
عمي حسان تواتي
عمي عاشور غواس
عمي علاوة مرواني ... وآخرون
ثم كيف حددنا المشاريع التي يجب أن نتقدم بها للسيد رئيس الحكومة في ذلك الوقت
الدكتور أحمد بن بيتور
الذي حدد لنا موعدا، وبدأنا نشتغل مع الخبراء حول أربعة مشاريع أساسية :
- مطار سطيف
- القطب الجامعي الثاني في الباز
- الطريق الوطني رقم 77: سطيف - بني عزيز - جيجل
- الغاز الطبيعي
حضرنا الملفات، وذهبنا الموعد مع رئيس الحكومة السيد أحمد بن بيتور، كان استقبالا رائعا وعملا مفيدا، خزينة الدولة لم تكن على ما يرام ولكن :
السيد رئيس الحكومة إتخذ القرار بتسجيل المشاريع الأربعة ...
من عند السيد رئيس الحكومة توجهنا إلى:
بيت الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله،
إستقبلنا في بيته، كنا ما يقارب الثلاثين 30 شخصا، كنا قد أعددنا العشاء .... تناولنا العشاء عند الشيخ محفوظ رحمه الله، صلينا، ثم كانت كلمات من الشيخ عن:
الإسلام
الجزائر
سطيف
ثم أبلغنا الشيخ محفوظ عن سبب زيارتنا وطلبنا منه الدعم ...
بعد أيام يتصل بي رئيس الحكومة السيد أحمد بن بيتور ليبلغني أن السيد رئيس الجمهورية قد وافق على المشاريع الأربعة وطلب مني أن أبلغها لكل الذين حضروا اللقاء ... والحمد لله ثلاثة مشاريع تحققت والرابع في طريق الانجاز ( الطريق 77 ) ...
بعد العشاء كانت لنا جلسة مع والد وأبناء أخي مصطفى بن زايد رحمه الله،
وكانت مناسبة للقاء الأصدقاء والاحباب في بني عزيز ومن مختلف بلديات المنطقة... أعتذر عن عدم ذكر كل أيماء الحضور ...
وإنني لأتذكر جيدا أول يوم أدخل بادية بني عزيز كان ذلك شتاء سنة 1987 عند أخي الاستاذ (موسى بوجليدة حفظه الله) الذي أصبح فيما بعد رئيس بلدية بني عزيز، وكانت جلستنا وقتها لترتيب عمل الجماعة خدمة للحزائر والإسلام ...
حقيقة نهار أمس الجمعة كان عبارة عن :
حقنات وجرعات تزيدنا قوة واصرارا على مواصلة المسير،
أما ما يحدث في غزة و أكناف بيت المقدس فلا يزيدنا إلا إيمانا واحتسابا واصرارا على العمل لما نستطيع... سائلين الله التوفيق والسداد والثبات ...
د. عبدالقادر سماري



