الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون،

إنا لله وإنا إليه راجعون،
لله ما أعطى ولله ما أخذ،
هل أعزي عائلة الفقيد،
أم أعزي سكان بلدية أرزيو،
أم أعزي ولاية وهران،
أم أعزي ولايات الغرب الجزائري
أم أعزي كامل التراب الوطني
أعزي هؤلاء جميعا
في فقدان رجل من رجال الإصلاح والدعوة والعلم والتربية،
عاش كل حياته في هدوء رغم أن أعماله تيار جارف،
عاش بعيدا عن الأضواء رغم أنه كان نورا يستضاء به،
عاش بسيطا رغم أنه أنتج رجالا ونساء ذوي مقامات عالية منهم من أصبح وزيرا ومنهم النائب في البرلمان ومنهم رئيس البلدية وأعداد كثيرة من الأساتذة والاطارات ...
عاش وسطيا معتدلا في الفهم والفكر والسلوك والعلاقات ... بل كان واحدا ممن أرسوا قواعد وأدبيات الوسطية والاعتدال في الجزائر لَما كانت الساحة هائجة مائجة، حيث كانت موجات التخوين والتكفير والتفسيق طاغية على الساحة والتي أدت إلى العنف والعنف المضاد راح ضحيته الآلاف ... في تلك المرحلة بقي مع إخوانه صامدا وسطيا معتدلا عاملا مربيا في هدوء ...
نَسِيَّه أو تناساه الكثير وخاصة أولئك الذين مهد لهم الطريق ... وأنا على يقين أن الأغلبية من شباب اليوم لا يعرفونه ... ولكن آثاره شاهدة عليه والملائكة قد سجلت مآثره وربه لا ينساه ولن يَتِرَهُ عمله ... وإنني لأشهد وأُشهد الله على أنني لم أعرف عنه إلا الخير ولا نزكيه على الله ...
عرفته سنة 1988 في لقاءات تنسيقية بين مختلف جهات الجزائر، حيث كنت مع مجموعة نمثل الشرق الجزائري وكان هو مع مجموعة ممثلين للغرب الجزائري، واستمرت لقاءاتنا كل ستة أشهر إلى أن كانت سنة 1990، إلتحقتُ أنا بالمكتب الوطني منسقا للشرق الجزائري وهو أيضا إلتحق بالمكتب الوطني منسقا للغرب الجزائري، وفي تلك الفترة كانت لقاءاتنا دورية كل أسبوع ، نلتقي فيها في أماكن مختلفة إلى أن استقر الأمر في اللقاءات بالعاصمة في ( بلكور ) في سكنات ( الحاج لخضر بكار حفظه الله ) ،
كان فقيدنا رحمه الله دوما هادئا رزينا رصينا، كلامه حكم ، ابتساماته ضياء، إذا اقتنع برأي وافقه مع تقديم الأدلة بتواضع ودون استعلاء، وإن لم يقتنع يطلب الأدلة ويحاول أن يفهم مقصود الآخرين ... المهم قضينا أوقاتا كلها عمل واجتهاد وسعي حثيث لخدمة الإسلام والجزائر ...
ثم بعد ذاك حدثت بعض التغييرات في الحركة ... واستخلفه في المكتب الوطني أخ فاضل من نفس طينته علما وفهما وعملا وسلوكا وهو الاستاذ ( عبدالعزيز سجراري حفظه الله ) ...
ومع أن فقيدنا لم يصبح في الأطر التنظيمية إلا أنه بقي وفيا للمنهج وفيا للفكرة الشاملة من أجل خدمة الإسلام والجزائر دون غلو ولا تطرف ...
فقيدنا هو الاستاذ ( رابح مداح رحمه الله ) من مواليد 1953 ( يعني عمره عند وفاته 70 سنة ) زاول دراسته في جامعة وهران تخصص اجتماعيات ليصبح أستاذ تاريخ وجغرافيا بثانوية أرزيو حيث كان سكناه بها إلى أن انتقل إلى رحمة الله، رحل وعلاقاته طيبة مع كل الذين عرفهم، مخلفا خمسة أبناء حفظهم الله ورعاهم ...
في مساره الدعوي والتربوي انخرط مع إخوانه في الجهة الغربية من أمثال الأساتذة ( محمد مسلم، جعفر، ابراهيم خوجة، عبدالحق، الهواري، عبدالعزيز، عثمان رحماني، الشيخ رحالي، الحاج حمو ... وآخرون حفظهم الله فكلهم من رواحل العمل ولا يزالون على قيد الحياة ) ، كان مسؤول مقاطعة وعضو المجلس الجهوي ثم اختاره إخوانه ممثلا للغرب الجزائري في المكتب الوطني إلى غاية 1991،
وبعد مسيرة حافلة بالعمل والعطاء والبذل والتضحية والتربية والتكوين أبتلي بمرض أقعده ولكنه كان صابرا محتسبا لله ....
آخر لقاء معه كان في أرزيو قبل سنتين حين زرته في بيته فكانت لنا جلسة طيبة، رغم تعبه، أذكر تفاصيلها كلماته الهادئة، ابتساماته البريئة نصائحه الهادفة ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ...
وهكذا نرحل جميعا ... وما نحن إلا أخبار ...
د. عبدالقادر سماري