الدكتورعبد القادر سماري

في سطيف، أمس الجمعة، ثلاث لقاءات تُعَبِّر عن نبض الشارع الجزائري، وكلها تقول:

في سطيف، أمس الجمعة، ثلاث لقاءات تُعَبِّر عن نبض الشارع الجزائري، وكلها تقول:
بأن الجزائر يمكنها أن تكون أحسن مما هي عليه رغم ما قيل وما يقال عن تخلفنا وعن هدر مقدراتنا وتضييع الفرص والتفريط في المكتسبات ،
وأن الجزائر ولادة والخير قادم
- اللقاء الأول كان عندي في البيت حيث زارني، على الساعة التاسعة صباحا ، مجموعة من الأساتذة أعضاء ( جمعية الإحياء والتنمية ) أذكر منهم :
الدكتور جعفر زغار رئيس الجمعية
الدكتور نورالدين شارف الأمين العام
الدكتور يوسف كريبع نائب الرئيس
الدكتور العربي زروال
الاستاذ عبدالمومن أمعوش أمين المال
لم يكن لقاء تنظيميا ، بل كان لقاء عفويا للإتصال والتواصل وتجديد أواصر الأخوة والتناصح ، ورحنا نستذكر بدايات العمل مع بعض قبل 14 سنة ( سنة 2008 ) لما أسسنا الجمعية وكان إسمها ( مؤسسة الإحياء والتنمية ) وتذكرنا أسماء العديد ممن كان حاضرا وكلهم الآن على ثغرات من العمل المجتمعي العام ، في مجالات مختلفة في التربية والتوجيه وكفالة الأيتام ومرافقة الشباب وآخرون أسسوا مشاريعهم الاستثمارية الخاصة، في لقاءنا هذا كانت القضية الفلسطينية حاضرة في كلامنا، ولكن التركيز أكثر كان عن أحوال الشباب في الجزائر عموما وفي ولاية سطيف على الخصوص،
تكلمنا عن النماذج الناجحة من الشباب والذين استطاعوا أن يحققوا مشاريع متميزة في مختلف المجالات، العلمية والتجارية ولكننا ركزنا أكثر على المظاهر السلبية العامة من باب ( كان الناس يسألون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني ...) والتي تتطلب الحيطة والحذر وبذل الجهد والعمل لحماية الجزائر من مختلف الأمراض والموبقات التي بدأت تنخر الشباب وكأنها عمليات مبرمجة شبيهة بتلك التي تعرضت لها الصين في القرن التاسع عشر فيما يسمى ب ( حرب الأفيون ) والتي لم تتجاوزها الصين إلا بمجهودات جبارة ... ولقد خرجنا من هذا اللقاء العفوي بمجموعة من الأفكار والإقتراحات التي نسأل الله أن يعين القائمين على ( جمعية الإحياء والتنمية) وباقي الجمعيات والمؤسسات، أن يعملوا بها خدمة للوطن والدين والأمة ... افترقنا وكلنا أمل في
- اللقاء الثاني، كان بعد صلاة الجمعة التي صليناها في مسجد صلاح الدين ب ( القصيرة ) ، حيث أمَّنا فيها ( الشيخ صلاح الدين حفظه الله )، خطبتان خفيفتان هادفتان، بعبارات جزيلة واضحة وكلمات رقيقة دقيقة تباشر القلب وتنبه العقل، ودعوات للجزائر وفلسطين وعموم المسلمين ...
إنتقلنا بعدها إلى البيت حيث إستقبلت أحد أبنائي الذي جاء مع صديقين له في العمل، وهم الثلاثة زملاء في العمل، وإطارات في إحدى المؤسسات الواعدة للإقتصاد الجزائري، مع حضور الآخ الاستاذ ( أحمد عزوز ) القادم من ( بوسعادة ) والذي زارني في الله ولأداء عمل خاص بالقضية الفلسطينية إن شاء الله سيرى النور قريبا ...
في أسرتنا عندنا تقليد أن الغداء يوم الجمعة يكون بعد الصلاة، فاجتمعنا على مائدة الطعام ( الكسكس بأنواع الخضر ) تجاذبنا أطراف الحديث في مواضيع شتى، كلها متعلقة بالاقتصاد والمالية، لا نخرج من موضوع حتى نعطيه حقه لننتقل إلى آخر، فتكلمنا عن ( سلاسل الإمداد ) أهميتها ومتطلباتها ودورها في العملية الاقتصادية، وتكلمنا عن التأمينات من حيث وجوبها ومشروعيتها وأنواعها، وتكلمنا عن الضرائب من حيث حاجة الدولة لها والمسؤولية الاجتماعية للشركات الاستثمارية، ثم خضنا في موضوع التحايلات التي يلجأ إليها بعض المستثمرين للتهرب الضريبي ودور الدول وأعوانها لتحقيق العدالة في هذا الباب، قادنا هذا الموضوع إلى قضايا الشفافية والتربية القيمية civisme والضمير المهني والديني ودور الأسرة والعائلة ...
لم تكن جلسة أكاديمية، كما أنها لم تكن ندوة علمية أو لقاء عصف ذهني ... كان لقاءا شبه عائلي تلقائي على مائدة الغداء ولكنه كان لقاء ثريا هادفا تمنيت لو تم تسجيله، الحضور شباب في الثلاثينات، وحدي من بينهم على أبواب الشيخوخة قد تجاوزت الستين ... حقا في الجزائر طاقات واعدة سيكون لها الأثر الطيب في مستقبل الأيام ... بل بدأت بعض ظواهره تنبيء بخير .. فلا نستعجل...
- اللقاء الثالث كان بدعوة كريمة من أخي الاستاذ عبدالمومن أمعوش، في بيته، في حي بوسكين ب سطيف، موعدنا كان بالأمس الجمعة بعد صلاة المغرب،
استقبلنا بحفاوته المعهودة وابتسامته المُشرقة،
وما أن إلتأم الجمع حتى كُنا على مائدة العشاء، كل ما تفضل به كان شهيا، أما طعم ( التيكربابين ) الذي اخترته شخصيا، فكان ذا نكهة خاصة ... لا أستطرد في الوصف رغم أن نفسي تحدثني بضرورة الاسهاب فيه من باب ( وأما بنعمة ربك فحدث ) ومن باب ( شكر النعم وشكر أصحابها ) ... المهم أننا إنتقلنا بعد ذلك إلى جلسة حميمية نتابع من خلالها :
(( تقرير ونتائج ما توصلت إليه محكمة العدل الدولية في الدعوى التي رفعتها جنوب افريقيا حول الإبادة الجماعية التي يقوم بها الكيان في غزة))
في تلك الأثناء طرح أخي الاستاذ ( علي أوراري ) سؤالا مفاده :
(( ما هي الأسباب التي تركت الأمة الإسلامية عموما والعربية على الخصوص في هذا الحضيض الآسن والذل والهوان؟ ))
وبدأ النقاش، العلمي الموزون،
الحضور سبعة أفراد:
* الاستاذ الدكتور علي أوراري الذي مر زمن طويل لم نلتق وهو أحد رموز الكيمياء العضوية بجامعة سطيف، ولقد اشتغلنا مع بعض ما يقارب العشر سنوات، كان رئيسا للمجلس العلمي لمعهد الكيمياء الصناعية لثلاث دورات، يشهد له بالاجتهاد والعطاء والإبداع وحسن التعامل مع الطلبة والتسيير الراشد ... وهو الآن متقاعد
* الاستاذ الدكتور العربي زروال، واحد من القلائل المتخصصين في البطاريات في الجزائر، له فيها باع وابداع، شارك في تحسين منتوج السونيلاك من البطاريات، وله استشارات دولية في هذا الباب، كما كان رئيسا للمجلس العلمي لمعهد الكيمياء الصناعية لدوراين ،مسيرتنا المشتركة بدأت في سبتمبر 1978 حين التحقنا بجامعة سطيف في الدفعة الأولى ، صداقتنا وعلاقتنا ولقاءاتنا لم تنقطع طيلة كل هذه السنوات ( 46 سنة ) ... وهو الآن متقاعد.
* الاستاذ الدكتور نورالدين شارف، خريج معهد الكيمياء الصناعية ، وهو الآن أستاذ بكلية علوم الطبيعة والحياة ، ورئيس قسم البيوكيمياء بنفس الكلية، ورئيس فرقة البحث في الدراسات حول البيوكيمياء التطبيقية، يشرف على الكثير من الدراسات، علاقتنا تجاوزت الأربعين سنة، أول لقاءاتنا كانت في حلق الذِّكر وجلسات التربية والتكوين ثم في الهياكل التنظيمية و الاعمال الخيرية والثقافية ...
* الدكتور بن الشيخ، الطبيب الخلوق الخدوم، علاقتنا جديدة لا تتجاوز السنة الواحدة ولكن الله طرح بيننا الود والمحبة والألفة، له نظرات ثاقبة في قضايا النفس البشرية، وهو الآن له عبادته الخاصة في العامة .
* الاستاذ الامام الشاب الواعد أحمد عزوز ضيفنا من بوسعادة، بعد تخرجه من الجامعة اشتغل إماما وخطيبا في بعض مساجد الجمهورية، ثم ترك الإمامة ليتفرغ للأبحاث والدراسات والتأليف، مهتم بالقضايا التاريخية، له فيها تآليف وكتابات،
* الاخ الاستاذ صاحب البيت مضيفنا عبدالمومن أمعوش مهتم بالشؤون الاقتصادية والمالية والاستثمارات، باسم الله ما شاء الله تبارك الله، لا يعرف الكلل والملل، خاض غمار كل مجالات الاستثمار التي صادفته ونجح فيها، في الفلاحة بكل أنواعها، والمقاولات بمختلف فروعها، والتجارة في مختلف المنتوجات، وهو عائد مؤخرا من العمرة ... علاقتنا منذ أكثر من عشرين سنة كانت ولاتزال وستبقى إن شاء الله خالصة لوجه الله في خدمة عباد الله ...
* ثم صاحب هذه الخربشات ...
ونرجع إلى سؤال الاستاذ الفاضل علي أوراري :
(( ما هي الأسباب التي تركت الأمة الإسلامية عموما والعربية على الخصوص في هذا الحضيض الآسن والذل والهوان؟ ))
وراح كل واحد منا يحلل الموضوع من وجهة نظره،
من معلوماته التاريخية
وتجربته الذاتية
ومتابعته للأحداث
تكلمنا عن دور ومسؤولية الأنظمة والحكومات
وتكلمنا عن المؤسسات الاستراتيجية ودورها
وتكلمنا عن مسؤولية الشعوب
وتكلمنا عن دور الأسرة والعائلة
وتكلمنا عن دور الاستعمار الغرب وكيده ...
بعد نقاش طويل أخذ منا جزءا من الليل
وصلنا إلى نتيجة توافقنا عليها هي :
(( أن مشكلتنا الأساسية في النخب "العلمية والمالية" فإما أنها إنكفأت على نفسها ولم تأخذ غمار الإصلاح أو أنها سافرت وهاجرت وترك أرض الاوطان لأي سبب مقبول أو مرفوض، أو أنها رضيت بالمناصب والمواقع ولم تجرؤ ولم تصبر على إصلاح الأوضاع من تلك المواقع ... )) ... كانت ليلة استعدنا فيها الصلات والعلاقات مع بعض الأحباب وشحنا فيها البطاريات وتزودنا بما نأمل أن يكون لنا زادا على الطريق لخدمة الاوطان ... افترقنا وكل واحد من الحضور قد عقد العزم على أن يؤدي ما يستطيع ... أحد الأصدقاء وعدنا بلقاء أوسع مع مجموعة من أهل العلم والفضل والغيرة الذين تزخر بهم ولاية سطيف ... للعلم فقط بولاية سطيف مؤسساتها الجامعية الثلاثة بها أكثر من : 4000 بين أستاذ وأستاذ محاضر في مختلف التخصصات، ناهيك عن عدد الأطباء والمحامين والأئمة والموثقين وغيرهم من الكفاءات والنخب ... لو أن 5% فقط منهم لهم حضور مجتمعي فاعل لكانت الجزائر في مصاف العالم الأول .... وسيكون ذلك بإذن الله... فدوام الحال من المحال ...
د. عبدالقادر سماري