الدكتورعبد القادر سماري

بالأمس، الأحد، تذكرت واحدا من رجال سطيف،

بالأمس، الأحد، تذكرت واحدا من رجال سطيف،
فزرت المكتب الذي كنت ألتقيه فيه، حيث الآن إبنه ( عمار ) الذي أصبح صديقا لي بعد والده رحمه الله،
الذي تذكرته لا يعرف عنه أهل سطيف إلا أنه رجل أعمال وصاحب أموال وشركات،
وأنا على يقين أن الكثير لا يعرفونه إلا بالإسم، لأنه كان مستور الحال بعيد عن التفاخر والمظاهر الجوفاء، منكب على عمله، لا يعرف الراحة والسكون ...
أما أعماله الخيرية ومساهماته في أوجه البر والإحسان فكان يقوم بها في سر تام، بينه وبين ربه، حتى المقربون من أهل وأصحاب لا يطلعهم عليها.
سنة 1978 أمر الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله بفتح الجامعة بسطيف رغم أن الاشغال بها لاتزال لم تكتمل،
تم بناء جناحين فقط Bloc A و Bloc B
كنا نحن الدفعة الأولى في جامعة سطيف،
كانت الوسائل قليلة وشحيحة،
وكنا نحن الطلبة نبحث عن من يعيننا بالوسائل والأدوات وخاصة في ما يتعلق بما نحتاجه لتجارب الفيزياء والكيمياء،
في تلك الأثناء تعرفت عليه، أي قبل أكثر من أربعين سنة، كنت طالبا، وكان هو صاحب المقاولة المكلفة بإنجاز الجامعة، وفي الحقيقة في أول لقاء معه ظننته عاملا من العمال، لأنه كان جالسا في زاوية من زوايا إحدى البنايات ويأكل شيئا من البطاطا والخبز والعصير، سألته عن صاحب الشركة التي تبني الجامعة،
تبسم وقال لي : لماذا ؟
قلت نحتاجه في بعض الأمور
قال لي: ماذا تريد بالضبط
قلت : لا أريد شيئا لنفسي ولكن أمور خاصة بالطلبة .
ذكرت له بعض الاشياء، فقال لي : إن شاء الله غدا تجدونها في هذا المكان.
وفي الغد كان كل شيء جاهزا،
وأذكر أنني لما تقدمت بها للأستاذ ( فاروق تجار ) ، وهو أستاذنا في الكيمياء، فرح كثيرا ...
منذ ذلك الحين عرفت أنه صاحب شركة البناء، وكنا نلتقي من حين إلى آخر ...
ثم بعد تخرجي من الجامعة وذهابي إلى فرنسا سنة 1982 إنقطعت علاقتنا لما يقارب العشر سنوات،
بعد ما أنعيت الدكتوراه ورجعت من فرنسا وبدأنا النشاط مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله،
فلما كانت سنة 1990 وأسسنا جمعية ( الإرشاد والإصلاح ) كنا نبحث عن أهل الخير والإحسان، وهنا أعدت علاقتي به ،
كنت وقتها رئيس دائرة الكهروكيمياء بمعهد الكيمياء الصناعية بجامعة سطيف ، وفي نفس الوقت كنت مسؤول الشرق الجزائري في الجماعة التي أصلحت فيما بعد ( حركة المجتمع الإسلامي )،
أما صاحبنا، صاحب الشركة، فكنت أزوره في مكتبه من حين إلى آخر،
فتوطدت العلاقة بيننا أكثر، وكان يساهم في الكثير من أعمال الخير والبر ودعم المحتاجين ... ولعل أفضل الأيام التي كنا نقضيها معا هي تلك الأيام التي تركب السيارة ثم نذهب إلى مقرات جمعية (الإرشاد والإصلاح ) فيرى بأم عينيه ويطلع على توزيع الإعلانات ودتم الفقراء والمحتاجين ... ولن أنسى ذاك اليوم الذي ذهبت إليه في المكتب فوجدته منقبضا حيرانا في حالة كبيرة، فعرضت عليه الخروج، ركبنا السيارة وتوجهت إلى مقر الجمعية في ( البيرقاي) ، إستأذنا ودخلنا، استقبلتنا إحدى الأخوات، ثم توجهنا إلى أحد الأقسام ، دققنا الباب ، قالت لنا أستاذة من الداخل : تفضل !
دخلنا القسم ، معلمة، وأطفال براعم أقل من ست سنوات
قلنا : السلام عليكم
فوقف الأطفال، و بصوت واحد قالوا : السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.
تبادلنا بعض الكلمات مع الاستاذة، ثم بدأت أسأل الاطفال :
ماذا تقول عند الاستيقاظ؟
ماذا تقول عند النوم ؟
ماذا تقول عند الدخول والخروج من الحمام ؟
ماذا تقول عند دخول المسجد؟
من منكم يحفظ سورة الفاتحة ؟
من منكم يحفظ سورة الإخلاص ؟... وغيرها من الاسئلة
كان الاطفال يتسابقون في الإجابة ..
نظرت إلى مرافقي فوجدت الدموع تسيل من عينيه ... لقد تجاوز السبعين سنة من عمره وهو في ثوبه الأنيق لقد كان يبكي ...
رجعنا إلى مكتبه وقد تغير كل شيء فيه، أصبح مرحا نشطا وزالت من وجهه تلك آثار القلق والتعب، قال لي : الحمد لله أنني بقيت لهذا العمر حتى رأيت هذا الخير في جزائرنا الحبيبة ...
استمرت علاقتنا بتلك الوتيرة، أزوره كلما سنحت لي الفرصة ونخرج في جولات قصيرة،
وفي تلك الأثناء تعرفت على بعض أبنائه الذين أصبحوا فيما بعد أصدقاء لي منهم ( بوعلام، عزوز ... ولكن الذي أصبح صديقا أكثر هو أخي وصديقي عمار حفظهم الله جميعا )
تمنيت لو أن، صاحبنا لايزال على قيد الحياة ليرى ويسمع ما يحدث في فلسطين، فتكون له بصمته وعطاءاته لشعبنا هناك في غزة، خاصة وأن الدولة الجزائرية قد سمحت، بل دعت، إلى دعم وإغاثة اؤليك الرجال والنساء والأطفال الذين تنكرت لهم البشرية فتركتهم للإجرام والاعتداء والظلم الذي يقوم به الsهاينة ويعيثون في الأرض فسادا، من تقتيل وتشريد وتدمير وحرق، ذنبهم الوحيد أنهم رفعوا رأس الأمة وأحيوا فيها شرف الانتماء لديننا ومقدساتنا ...
صاحبنا هو عمي ( قدور سكلولي ) المعروف باسم ( قدور مازة) من مواليد سنة 1930، قضى عمره كله في العمل والجد والاجتهاد والنشاط، فإليه بعد الله يرجع الفضل في إنجاز الكثير من المشاريع في ولاية سطيف القديمة ( سطيف - بجاية - البرج - مسيلة ) ... لم يتوقف عن العمل حتى قارب الثمانين سنة، و شاءت الأقدار أن يفارقنا رحمه الله سنة 2007 وقد بلغ من العمر 77 سنة ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ... وأتمنى أن يكون أبناؤه على سيرته عملا وتواضعا وخدمة وعطاء وبذلت وتضحية ...
وأتمنى أن نعرف لرجال ونساء هذا الوطن العزيز قيمتهم ومكانتهم ...
د. عبدالقادر سماري