الدكتورعبد القادر سماري

قصتان طريفتان حدثتا لي بالأمس، فيهما عبر ودروس،

قصتان طريفتان حدثتا لي بالأمس، فيهما عبر ودروس،
- الأولى، للآباء والأمهات والابناء، بالأمس عند منتصف النهار، كنت أتسوق في أحد أحياء اسطاوالي بالعاصمة ، لمحت بالقرب مني شابا دون العشرين من عمره، حاملا محفظة الظهر، متكئا على أحد الأعمدة الكهربائية، كان شارد الذهن، نظر إلي نظرة كأنه يطلب المساعدة، إقتربت منه، سألته عن إسمه وعمله وأمه وأبيه، قال: أنا أيمن، عمري ستة عشر سنة، أدرس السنة الثانية ثانوي ، حدثت لي مشكلة في الثانوية والمشكلة أنني خرجت الآن من البيت وتركت أمي وأبي يتشاجران من أجلي ولست أدري ماذا أفعل ... كان يتكلم وكأنه يشكو حالته لطبيب مختص يريد أن يبث له أحزانه ويقص عليه حكايته ... إستمعت له بإنصاة وإصغاء حتى أنهى كلامه ، نظرت في عينيه ثم ...
قلت له : عليك أن تقول لهما الحقيقة وتحاول أن تتقرب منهما.
قال : إنهما لا يثقون في كلامي.
قلت له : أصدقني القول هل كذبت عليهما من قبل
قال : عند الضرورة أكذب
قلت : بسبب تلك الكذبات أصبحا لا يعرفان متى تقول الصدق ومتى تكذب.
قال : ولكن الأمر تطور أكثر حتى أصبحت كأنني في الجحيم ولا أدري ماذا أفعل.
قلت : كيف ترى والديك هل هما طيبان
قال : طيبان جدا ويصليان
قلت: أعطيك خمس نصائح هل تعدني أن تعمل بها
قال: والله سأعمل المستحيل من أجل ذلك.
قلت : إذا ذهبت للثانوية هل يتركونك تدخل للقسم؟
قال : نعم
قلت : لما ترجع للبيت هل تجد أمك وأبيك في المنزل؟
قال : فعم
قلت : إذن هذه خمس أمور بسيطة بالترتيب :
1- تذهب الآن للثانوية وتدخل القسم عادي، وتحاول أن تركز وتكتب دروسك
2- لما ترجع للبيت تقول لأمك وأبيك أريد أن أراكما مع بعض
3- لما تنفرد معهما قبِّل أمك في جبينها ثم قبِّل أباك في جبينه واجلس أمامها، وتقول لهما عندي كلام فلا تقاطعونني حتى أكمل كلامي.
4- قل لهما : أنا أعرف أنكما تحبانني وأنا أحبكما وفي الماضي كنت أكذب ومن الآن لن أكذب أبدا ولكن لما أقول الصدق لا تضرباني ولا تعنفاني أمام إخوتي، بعد أن تنتهي من كلامك استمع لهما جيدا ، وأطلب منهما الدعاء لك .
5- تعدني أنك تحافظ على ثلاث أمر :
( الصلاة - دروسك - والديك )
كان الشاب يستمع بتركيز كبير، بعد أن أنهيت كلامي، قال لي : والله أول مرة ينصحني واحد بهذه الطريقة، وأعدك بأنني سأعمل بنصائحك اليوم وكل يوم .
شكرته ودعوت الله له،
ثم قلت له : يا ولدي أنا أيضا كنت شابا مثلك، وكان عندي أبوين بسيطين رحمهما الله، وكنت أخطيء مثل كل البشر ولكن الله وفقني في طاعتهما والآن الحمد لله بفضل دعواتهما.
قبل أن يذهب قال لي : يا عمي قل لي من أنت وماذا تشتغل وكيف أجدك ؟
قلت : إذا احتجتني اذهب عند الشيخ مسعود إمام مسجد الباطوار ، وقل له أريد الدكتور عبدالقادر.
قال : هل أنت طبيب
قلت : لا، لست طبيبا،
قال : والله تخبرني ماذا تشتغل ... وأصر على طلبه، ماذا أشتغل؟ ...
أخرجت له بطاقاتي المهنية، في المناصب والمسؤوليات التي مررت بها ...
أخذها بيده ، قلّبها، قرأها، رفع بصره إليَّ وأجهش بالبكاء، وهو يقول بصوت فيه حشرجة ومتلعثما قال : أنت كنتَ وز...ير، كنتَ نا...ئب، كنتَ أس...تاذ جا...معي ، وتتكلم معي وتعطيني كل هذا الوقت وهذه النصائح .
قلت : يا ولدي ما هذه إلا أسماء وكلنا عابري سبيل في هذه الدنيا، وأنا أيضا عندي أبناء وأحفاد أخاف عليهم، أتمنى للجميع التوفيق، وأنت إن شاء الله إذا حافظت على تلك النصائح واجتهدت مع دعوة الوالدين ستكون أفضل مني بكثير ...
نظر إليَّ نظرة غير النظرة الأولى، أخذ يدي ليقبلها، سحبتها منه، قبّلت رأسه ... إبتسم إبتسامة عريضة وقال : في أمان الله ، ما تخافش عليّ إن شاء الله نلتقي قريبا ... وافترقنا .
أكتب هذه الكلمات وأنا أتذكر أخطائي وتقصيري مع أبي سيدي عمار رحمه الله وأمي جميلة رحمها الله،
أكتبها وأنا أتذكر أخطائي وتقصيري مع إخواي وأخواتي وأبنائي وأحفادي حفظهم الله،
أكتبها والدموع تسيل من عينيَّ مستغفرا تائبا عسى ربي أن يعفو ويغفر تقصيرنا مع شبابنا ...
أما القصة الثانية، فكانت بعد هذه مباشرة عند مسجد أبي ذر الغفاري ( الباطوار ) ربما ننشرها غدا، بإذن الله، إذا كان في العمر بقية،
حافظوا على أبنائكم وعلى آبائكم ...
د. عبدالقادر سماري