يوم أمس، أول أيام رمضان، كان عنوانه الوفاء والتواصل ...
يوم أمس، أول أيام رمضان، كان عنوانه الوفاء والتواصل ...
رمضان : نعم ( صوم وصلاة ) ولكنه أيضا حب ووفاء وعلاقات وإحياء للذكريات الطيبة وعيادة المريض وتفريج الكربات ... و... و... و
فكان التواصل مع رجلين من رجال الجزائر الأوفياء للدين والوطن والقيم النبيلة ...
- الأول، أخبرني أخي ( ابراهيم طالبي خليل) بأنه مريض، تواصلت معه عبر الهاتف فأجابتني أخته، وأخبرتني أنه في مستشفى بوفاريك، فعزمت على زيارته، كلمت أخوي الكريمين، الوزيرين ( أبو جرة سلطاني ) و ( سيد أحمد بوليل ) فأبديا موافقتهما ... فأنطلقنا لزيارته...
إنه رجل من رجال الجزائر الذين مثلوها أحسن تمثيل ورفعوا رايتها في المحافل الدولية، في رياضة ( الملاكمة )،
علاقتي به، في البداية كانت عبر شاشة التلفزيون، وذلك أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي،
كنا أطفالا مولعين بالرياضة، وكنا مبهورين برجل أمريكي أعلن إسلامه وتغلب على الكفار في كل المقابلات وهو كان إسمه (كاسوس كلاي) فلما أسلم غيره إلى ( محمد علي ) وكان أخي الأكبر ( الحاج الميلود ) يأخذني معه إلى إحدى المقاهي لمتابعة منازلاته عبر شاشة التلفزيون، إذ لم يكن لدينا تلفاز في البيت، في تلك الأثناء ظهر رجلان جزائريان بارعان في الملاكمة، فخطفا الأنظار وأصبحت متابعة منازلاتهما من الأولويات ومن فروض العين ، إعتزازا بالجزائر والاسلام، وذلك نظرا لفوزهما الدائم ورفع النشيد الوطني، وهما ( لوصيف حماني رحمه الله ) وصاحبنا الذي نحن في زيارته ...
صاحبنا فاز أولا بلقب الجزائر للملاكمة سنة 1964 وبقي متربعا على عرش وزنه لمدة طويلة ( الوزن الخفيف )، ثم فاز بلقب البطولة الافريقية، وتأهل إلى النهائيات في اليابان ليخوض غمار المنازلة النهائية سنة 1975 في ( طوكيو ) ضد الياباني ( كونياكي شيباطا ) تلك المنازلة التي أثارت الكثير من الزوابع الصحافية في ذلك الوقت، ليعلن الحكام الفوز بالنقاط للياباني ( ظلما وزورا ) ويحتل صاحبنا المرتبة الثانية عالميا، وبعد اعتزاله يصبح المدير الفني للفرق الوطنية الجزائرية للملاكمة ...
مرت السنين وصورة وذكريات الرجل مرسومة في اللاشعور،
إلى أن كانت بداية التسعينات من القرن الماضي، وكنت مدير الدراسات العليا بجامعة سطيف، وعضو المكتب الوطني ( لحركة المجتمع الإسلامي ) ، وبعد لقاء عقدناه في البليدة، أذكره جيدا كان يوم عيد العمال يوم 01 ماي ، وقد كلفنا الإخوة بضرورة توسيع العلاقات وتنويعها والانفتاح على جميع شرائح المجتمع، بعد ذلك اللقاء كانت لنا جلسة مع الشيخ محفوظ نحناح وبحضور الشيخ بوسليماني رحمهما الله وعدد كبير رجال الصحوة والدعوة والسياسة، أذكر من بينهم السادة (الحاج عبدالهادي السايح، الطاهر زتشي، الحاج سليمان دهيري، محمد شنوف رحمه الله، بن وارد عبد اللطيف ... وآخرون) المهم جلسنا وبدأنا التعارف إلى أن وصلنا إلى صاحبنا،
بدون أي مقدمات قال: عبدالقادر ولد مخلوفي، هكذا قدم إسمه ... وصل الاسم إلى سمعي، هزّني، رجع بي إلى الوراء لأكثر من عشرين سنة، نعم كبرت ولكن الطفل الصغير بداخلي كاد يصيح ( أنت عبدالقادر ولد مخلوفي ) البارع في الملاكمة، المشهور بأخلاقه العالية، المعروف بسلوكه وأدبه الجم، الأسطورة التي كنا نفخر بها ونحن صغار ... منذ ذلك الوقت لم تنقطع علاقتي به، كنا نلتقي في المقر الوطني، أصبح عضوا كامل العضوية دون اللجوء إلى الصيغ التنظيمية المرهقة، شارك معنا في وضع بعض النظرات الخاصة بالرياضة لبرنامج الحركة، كثيرا ما استضافني في بيته في (تقصرين) بالعاصمة، كنا تزوره في قاعة الرياضة التي يمتلكها ويشرف عليها ...
المهم بالأمس ومع أخوي ( بوجرة وبوليل ) زرناه في المستشفى واطمأننا على أحواله، وجدنا عنده أخويه وأخته وعدد من الأطباء، الذين رحبوا بنا أيما ترحيب ...
ومعه كانت لنا دردشة، تكلَّمنا عن بعض مقابلاته ومنازلاته، وعن الرياضة عموما والملاكمة على الخصوص في الجزائر ... استرجعنا معه بعض الذكريات ... وقمنا ببعض الواجب تجاهه ... الحمد لله هو الآن في أحسن حال، وخلال اليومين القادمين، إن شاء الله سنحوله إلى قسم ( أمراض القلب ) في مستشفى ( فرانس فانون ) ب ( البليدة ) ... ودعناه وانصرفنا إلى الزيارة الثانية في بوفاريك ...
- قبل خروجنا من اسطاوالي ونحن متجهين إلى بوفاريك تذكرنا رجلين من بوفاريك تواصلنا معهما ... الاول قال أنه في الجامعة عنده محاضرة فقد تتعذر رؤيته وهو ( الاستاذ الدكتور فارس مسدور ) فأجلنا ذلك لوقت آخر ... أما الثاني فإنه في البيت وهو مريض فقررنا زيارته ...
بعد الخروج من المستشفى، أرسل لنا موقع بيته، عبر الواتساب، فهو قريب ( 7 دقائق ) ... هذا الرجل عرفته قبل أكثر من ثلاثين سنة ، وهو واحد من أبناء الجزائر البررة، الذي تعتز لهم، من مواليد بلدية ( براقي ) بالعاصمة ... خريج المدرسة الوطنية للإطارات الدينية بمدينة ( سعيدة ) ثم خريج المعهد الإسلامي للٱطارات الدينية ب ( تيزي وزو ) ، ثم إمام مدرس بمسجد النخلة بالمدينة ( صالانبي ) لينتقل بعد ذلك إلى الولايات المتحدة الأمريكية، سنة 1995 ليكون له تواجد وحضور كبير في ولاية ( أوهايو Ohio ) وبالضبط في مدينة ( توليدو Toledo ) هذه المدينة التي أخذت إسمها عن المدينة الأندلسية ( طليطة ) ... رغم معرفتي به منذ زمن ولكن تقوت العلاقة لما زرته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، إلى مدينة ( توليدو ) مع أخي ( نصر الدين بن زكري الذي لايزال مقيم في بوسطن ) كان ذلك في ( سبتمبر سنة 2000 ) ، أذكر أننا خرجنا من نيويورك سيتي فجرا لنصل بعد 12 ساعة عنده في توليدو، طبعا مع بعض الاستراحات، وهناك كانت لنا جلسات وزيارات، فقد زرنا مدن ( شيكاغو، كليفلاند، ديترويت ... ) ورأينا من العجائب ومن الشخصيات ما لا يسعنا ذكره في هذا المنشور المختصر ... بعد سنوات رجع صاحبنا إلى الجزائر ليكمل أداء رسالته بين أهله وعشيرته في المساجد وعبر أثير الإذاعات ومن خلال الحصص التلفزيونية، بفهم عميق، وأسلوب سلس، وإقناع راسخ، وتحضير متميز يشهد له به كل متابعيه ...
المهم وصلنا نحن الثلاثة ( الشيخ بوجرة، الدكتور بوليل، صاحب هذه الكلمات ) عند الشيخ قبيل الظهر من يوم أمس ... رغم مرضه فلقد وجدناه واقفا خارج البيت ينتظرنا ... ووالله إنها تشبه المعجزة ... إذ أن الرجل مريض ولكن الشوق والأخوة والحب في الله أوقفوه لبضع دقائق ... فكان اللقاء، وكانت الأحضان، وكانت الشاشة وبسط الوجه وكلمات الود والترحيب ... دخلنا البيت، وجلسنا على الارائك المفروشة ... قال : أمنيتي منذ وقت طويل أن يكون عندي صالون مثل هذا أستقبلكم فيه والحمد لله أحد الإخوان تطوع لنا بهذا البيت ... حين قالها تذكرت الكثير من البيوتات الواسعة الفارهة، التي أتمنى لأهلها كل الخير، ولكنها تفتقد إلى مثل هذه الجلسات، أقول لأهلها ( عمِّروا بيوتاتكم بأحبابكم وأصحابكم من أهل الخير والبر والرشاد ) ... المهم جلسنا نحن الأربعة، وبعد تبادل التحايا والسلام والأشواق ... بدأ الكلام عن ثلاثة مواضيع :
الجزائر ... فلسطين ... جامع الجزائر ...
هو كلام لو أمكنني تدوينه لكتبته بماء الذهب ... ثم قدَّم لنا الشيخ ( شهادة التميز الإعلامي ) التي كُرِّم بها عرفانا له بمساهماته في نشر الوعي وترسيخ الفهم ... ثم ... صلينا الظهر ... ودعنا الشيخ وقفلنا راجعين .. وما كان لنا أن نذهب إلى بوفاريك ولا نشتري ( الزلابية ) ... مررنا على أحد صانعيها فتزودنا ... فهل عرفتم الرجلين ...
الاول الآخ والصديق والقدوة السيد عبدالقادر ولد مخلوفي الذي تجاوز الثمانين 80 سنة بأيام.
والثاني الشيخ والإمام والمربي والداعية المجتهد الشيخ موسى إسماعيل العزونيالذيىقارب الستين 60 سنة من عمره ...
حفظهما الله ورعاهما ... ووفق الله كل الخيرين في أداء رسالتهم خدمة الدين والوطن ...
أما أثناء الطريق، ذهابا وإيابا مع الأخوين الكريمين، فحدِّث ولا حرج عن مواضيع النقاش وعن الهموم التي بثثناها فيما بيننا عن قضايا شتى، عدد قطرات ماء البحر وعدد أوراق الشجر ...
وفي الإفطار عند المغرب، من يوم أمس، فقد سعدنا بإستضافة بعض الأحباب والأصدقاء، ورغم مرض أم الأولاد ، فقد هيأ الله لنا من ساعد في تحضير الفطور، فجزاهن الله خير الجزاء ولهن منا كل الشكر والعرفان والدعوات المتواصلة... تقبل الله من الجميع ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري







