الدكتورعبد القادر سماري

هذا المنشور للآباء لعلهم يستفيدون منه في العلاقة مع الأبناء والاحفاد،

هذا المنشور للآباء لعلهم يستفيدون منه في العلاقة مع الأبناء والاحفاد،
وهو أيضا للأبناء ليربطهم مع الآباء والأجداد،
هو ذكرى دروس وعبر،
اليوم 16 جويلية 2024،
في مثله من سنة 1986 كان الوداع،
فهي 38 سنة تمر على رحيله، رحمة الله عليه،
رحيله إلى البرزخ في انتظار النشور نحو الفردوس إن شاء الله ... وإلى ذلك اليوم ادع الله أن يكون قبره روضة من رياض الجنة ...
عن والدي، سيدي عمار أتكلم ... رحمه الله.
صدقوني إذا قلت لكم طيلة هذه المدة بالأيام ( 13870 أيام ) ثلاثة عشر ألف وثماني مئة وسبعين يوما كلها لم يفارقني طيفه مع طيف الوالدة أمي جميلة رحمها الله،
بل، بعد كل سجدة، كلما رفعت من السجود وقلت حسب الدعاء المأثور :
( اللهم اغفر لي وارحمني وأرزقني واجبرني واهدني وعافني ولِوَالِدَيَّ ) إلا وكانا معي ...
أما الآن وفي هذه اللحظات، وقد فرغنا من صلاة الفجر، وجاءت الذكرى، فها هي الذكريات تتداخل وتتسابق ...
فماذا أكتب ؟
هل أكتب عن بَرِّه وطاعته وخدمته لأبيه جدي الحاج الضيف وأمه جدة مسعودة الحناشية رحمهما الله وكيف كان معهما وقد عايشت ذلك وتابعته حتى انتقلوا جميعا إلى دار البقاء؟
أم أكتب عن حياته البسيطة ، وكيف تعلم القرآن وحفظه ودروس الفقه والعقيدة عند أبيه ومشايخ القبيلة، رغم مضايقات المحتل الفرنسي ومطارته لهم ؟
أم أكتب عما رواه لي، هو وإخوته، أعمامي وعماتي، عن بطولاتهم في ثورة التحرير، في عملية التجنيد، وحفر القازمات والمطامر( جمع مطمور )، وجمع التبرعات، ونقل المؤونة، وعمليات الإبادة والحرق والتشريد والترحيل المستمرة، والمطاردات المتكررة، واستشهاد العم ( عمي سي لخضر ) وما تبعه من حرق وتدمير وتشريد أسوأ مما يقوم به المحتل الصهيوني اليوم في فلسطين ؟
أم أكتب عن مرحلة الاستقلال وكيف نذر نفسه ووقته وجهده وماله للقرآن في تعليم الأطفال والشيوخ بجامع طوملة، ثم جامع العتيق في الزاوية العيساوية، ثم في كتائب رأس الوادي المختلفة، وفي بيته، وفي مختلف قرى ومداشر قصر الابطال ورأس الوادي وغيرها ... ؟
أم أكتب عن علاقته مع أترابه وأصحابه، سي أحمد بلحاج الصالح، ، سي الرزقي الوالي، سي عيكوس، سي الغالمي، سي محمد الطاهر بن حمادي، سي البشير كعلول، سي العيد بخوش ... ؟
أم أكتب عن علاقاته مع إخوته وأخواته وأعمامه وعماته وأخواله وخالاته وأصهاره وأنسبائه وجيرانه، كيف كان ليِّن الجانب، طيعا، رفيقا، مرفقا، سهلا، إلفا مألوفا ... ؟
أم أكتب عن علاقته في بيته مع زوجته وأبنائه 12 وكيف رباهم وعلمهم، وكناته، وأحفاده وأبناء أقربائه الذين كفلهم عنده في بيته حتى أكملوا دراستهم، وزواره الذين لا تفرغ منهم البيت معظمهم يأتي ( ليقرأ لهم القرآن في الماء أو حبات تمر يرقيها لهم ) ويأخذونها ليتداووا ويتبركواو بها ؟
أم أكتب عن أحواله وعفته وعفافه وحلمه وكرمه وسعيه فيما أباح الله له ؟
أم أكتب عن علاقتي به في طفولتي وشبابي، أيام دراستي وبعد تخرجي، في أسفاري معه إلى سطيف، إلى البرج، إلى العاصمة، إلى البليدة، إلى فرنسا، إلى جنيف، إلى بازل، في قرونوبل، في ليون، ؟
أم أكتب عن ذلك اليوم الذي رجعت فيه إلى البيت لأخبره عن أنني تحصلت على منحة للدراسة بالخارج ولقد أتممت الإجراءات وله الحق هو وأمي أن يوافقا أو لا يوافقا وسفري وفق رأبهما، وكيف كانت تلك اللحظات؟
أم أكتب عن يوم سفري، وكيف رافقني إلى مسجد العتيق، حيث صلينا الفجر ، ثم يودعني وبعض الأصدقاء ويسلمني مصحفا وهو يقول : احفظه يحفظك؟
أم أكتب عن يوم مناقشتي الدكتوراه في جامعة قرونوبل وقد كان حاضرا وكيف كان يرقبني ويتابعني من فجر ذلك إلى أن أنهيت المناقشة ، ثم كيف كانت حالته بعد أن طلب مني الاستاذ المشرف أن أبقى في فرنسا سنوات أخرى، وذاك الحوار بيني وبين سيدي لأقرر في نفس المكان بأنني لن أبقى بل سأسافر إلى الجزائر قبل سيدي عمار إرضاء له رغم أنه لم يرفض بل قرأت ذلك في عينيه ؟
أم أكتب عن سفرياته إلى الحج والعمرة كيف كان يتهيأ لها وكيف يرجع منها، وكيف يعظم شعائر الله في رمضان ورجب وشعبان وعاشوراء والمولد وذكرى الاسراء والمعراج ؟
أم أكتب عن الليالي الملاح في كل أشهر رمضان في بيت الحاج محمد الطاهر بن حمادي وقد جمع رجال وشباب ونساء الحي يصلي بهم التراويح ويذكرهم بأمور دينهم ؟
أم أكتب عن دوره في بدايات الصحوة الإسلامية أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، كيف كان يؤوينا في البيت، كيف كان يحيطنا برعايته، كيف كان يهيء لنا الجلسات والحلقات، ويستقبل الدعاة رغم المضايقات ... ؟
أم أكتب عن مرضه وصبره ومصابرته وتنقلاتنا بين عيادات الأطباء والمستشفيات في قسنطينة والعاصمة ؟
أم أكتب عن الشهر الأخير الذي قضاه في البيت حتى وافاه الأجل، مع الأهل والابناء والأحفاد والجدة والزوار من كل حدب وصوب ؟
أم أكتب عن اليوم الأخير، يوم 16 جويلية 1986، كنا معا لم تفارقه من صلاة الفجر صليناها معا، يوم حافل، حتى حان وقت صلاة المغرب فيحضر الاعمام والاخوال وبعض الجيران يأمرني أن أصلي بهم المغرب وعند إلتفاتتي للسلام تقع عيني في عين والدته جدتي مسعودة التي كانت عند رأسه وتشير لي بيدها ، ففهمت لقد أسلم روحه لبارئها ؟
أم أكتب عن تلك الليلة كيف قضيناها وهو بيننا مسجى، وقد هيأ أخي وشقيقي الأكبر الحاج الميلود كل شيء لنزف والدنا سي عمار إلى ربه ، وكيف انطلق الاعمام والاخوال وأبناءهم لمختلف القرى لنشر الخبر، وكيف اجتمعنا نحن الأبناء في غرفة شقيقي بكينا ثم تناثحنا بأن يكون بكاء رحمة لأنه إنتقل إلى أرحم الراحمين وعلينا أن نتهيأ لاستقبال المعزين ؟
أم أكتب عن اليوم التالي، يوم تشييعه ، وعن الوفود القادمة من كل مكان، عن نقله إلى مقبرة أحمد عاشور، عن الدعوات التي لهج بها المشيعون، ثم عن بقائي عند قبره بعد أن ذهب الجميع وعن الكلمات التي خاطبته بها وهو في البرزخ ؟
أم أكتب عن الأيام التي تلت وفاته وما سمعته من المعزين الذين لم تفرغ منهم البيت لمدة شهر أو يزيد، فعرفت سيدي عمار من خلالهم أكثر مما كنت أعرف؟
أم أكتب عن زيارة طيفه لي بعد فراقه، في محطات كثيرة من حياتي، كنت أستحضر طيفه سنوات التسعينات من القرن الماضي في الأهوال التي مرت بها الجزائر، يا ترى لو كان حيا كيف سيكون رأيه فيما حدث، كنت أستحضر طيفه وأنا أتنقل بين ولايات الشرق الجزائري لبعث الأمل ومحاربة الفتنة، كنت أستحضر طيفه وأنا أسافر إلى العاصمة أو راجع منها والموت يترقبنا في كل مكان، فأقول لو كان حيا لكانت معاناته مزدوجة، أخي شقيقي الأصغر عبدالحليم يُختطف ولا ندري مكانه، أخي الحاج الميلود مهدد بالإعدام، وأنا بين الحل والترحال لا أستقر في مكان وقد صدر القرار بتصفيتي ... فأواسي نفسي بأن عين الله ترعانا ( وكان أبوهما صالحا ) ؟
أم أكتب عن بعض الفترات التي لم يغب فيها عني حين، هدأت الأوضاع واستقرت الأمور ، وأترشح للبرلمان فكان معي في كل تلك المسارات، وطيفه كان ماثلا أمامي أكثر يوم ترأست المجلس الشعبي الوطني نيابة عن (السيد عبدالقادر بن صالح رحمه الله ) ووقف أحد الوزراء ليقدم قانون قطاعه، يلتفت إليَّ وأنا في مكان الرئيس وهو في الأسفل، يلتفت رافعا رأسه ويقول ( شكرا سيدي الرئيس ، السيد الرئيس السادة النواب ... ) سقطت دمعة حارة من مقلتي وقلت لنفسي ( ولد الطالب جمال ولد سي عمار يقولون له سيدي الرئيس ... ) ... كانت لحظة لا يمكن للكلمات أم تعبر عنها، ليس افتخارا ولكن خوفا وتوجسا ورهبة ...
ثم كانا، هو وأمي جميلة، معي ليلة أن اتصل بي رئيس الجمهورية ليخبرني أنني من ضمن الطاقم الحكومي ، ذات ليلة 1جوان من سنة 2001، أخبرت الشيخ محفوظ والشيخ عبدالرحمن شيبان والشيخ باي بلعالم مباشرة بعد مكالمة السيد الرئيس التي كان السيد الوزير مناصرة على عام بها، في تلك الليلة لم يفارقاني ، طيفا سيدي عمار وأمي جميلة وحدهما كانا يعرفان الخبر، لم أخبر أحدا من العائلة، فقضيت ليلتي أتمثل نصائحهما واستحضر توجيهاتهما على رأي الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي في علاقة الأحياء بالأموات ؟
أم أكتب عن طيفه، طيف سيدي عمار، وطيف أمي جميلة، رحمهما الله، وهما يتمثلان لي في بعض الاوقات التي تأتيني فيها بعض المغريات وتنتابني لحظات ضعف أمام الشهوات، فأجدهما أمامي فأستحي منهما وانزجر ؟
أم أكتب عن البركة في وقت وعمر سيدي عمار الذي لم يبلغ الستين من عمره، فقد رحل عن 58 خريفا فقط وكأنه عاش مئات السنين، وعن البركة في سعيه وجهده لإعالة بيته وأبنائه وتعليمهم في ظروف لم تكن سهلة ، إسألوا عنه أهل أولاد بوكثير، قصر الأبطال، الزمالة، طمولة، رأس الوادي، أولاد تبان، عين ولمان، البيرقاي ولاندريولي في سطيف .... ؟
أم أكتب عن ذريته من بعده، من أبناء وأحفاد، وقد تجاوز عددهم 150 نفر، وكيف طرح الله فيهم البركة، في أمور دينهم ودنياهم، بفضله سبحانه أولا ثم بفضل زهده وورعه واستقامته وصلاحه؟
لله دره، كان أبا، وأخا، وصديقا، ومعلما، ومربيا، وصاحبا ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ...ولكل آبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا وأعمامنا عماتنا وأخوالنا وخالاتنا ومشايخنا وأساتذتنا ...
عسى أن تنفع هذه الكلمات ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري