فوائد من كتاب الله
فوائد من كتاب الله
منقولة عن د. توفيق المصري بتصرف
مع الآية :
(وعِندهُ مَفاتحُ الغيبِ لا يَعلمُها إلا هو ويَعلمُ ما في البرّ والبحرِ وما تَسقطُ مِِن ورقةٍ إلا يَعلمُها ولا حبَّةٍ في ظُلُماتِ الأرضِ ولا رََطبٍٍ ولا يابسٍ إلا في كتابٍ مُبينٍ) الأنعام 59.
إيحاءات مُحاسبية:
الكتاب المبين: ذكّرني مع الفارق بدفاتر المحاسبة، لا سيما وأن علماء المحاسبة يستخدمون باللغة الإنكليزية كلمة: (كتاب) Book. وكذلك بالفرنسية: Livre. وهذا أمر عجيب يدعو للتأمل والبحث!
وكلمة: مبين: لا ريب أنها تذكّرنا بالإبانة: الإفصاح. فمن شرط المحاسبة أن تتسم بالإفصاح.
وكلمة: موجودات التي جاءت في نصوص علماء التفسير (انظر أدناه: تفسير ابن كثير)، استدعت في ذهني مصطلح الموجودات (الأصول) في علم المحاسبة. غير أن الموجودات في علم المحاسبة تعني: موجودات منشأة واحدة، أما الموجودات في علم الله فإنها تعني: موجودات العالم كله! والله كما يعلم موجودات العالم كله، فإنه يعلم موجودات كل منشأة من المنشآت، كبيرة كانت أو صغيرة!
وإذا كانت المحاسبة على مستوى جزئي، على مستوى المنشأة، فإن ما نحن بصدده ليس محاسبة قومية، على المستوى القومي، بل محاسبة كونية، على مستوى الكون كله! فيها من الدقة والعمق والشمول والسرعة ما لا يحيط به إلا الله!
وكلمة: حساب التي وردت في بعض النصوص التفسيرية (انظر مثلاً: تفسير الرازي) تستدعي في الأذهان: ما يشمله علم المحاسبة من حساب ومحاسبة! فحسابات المنشأة تشتمل على حسابات تتعلق بالموجودات، وحسابات أخرى تتعلق بالأشخاص، مثل حسابات الزبائن، وحسابات المورّدين، وحسابات المدينين، والدائنين، والشركاء.
وعبارة: الكليات والجزئيات التي وردت في بعض نصوص المفسّرين (انظر أدناه مثلاً: تفسير أبي حيان وابن عاشور) تستدعي ما يوجد في علم المحاسبة من حسابات إجمالية، كحسابات المدينين، وحسابات فرعية أو جزئية تتعلق بحساب كل واحد من هؤلاء المدينين.
لقد ورد في تفسير الطبري أيضًا ذكر: العدد، والمبلغ، والتاريخ، كما ورد ما يشعر بالاهتلاك، لدى قوله: الحال التي يفنىفيها! وهذا معلوم في علم المحاسبة التجارية، والمحاسبة الصناعية، سواء في قيود اليومية، أو في دفاتر الأستاذ.
قال الرازي:
« يجوز أن يقال: إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبّة تنبيهًا للمكلفين على أمر الحساب، وإعلامًا بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى».
نظير هذا في علم المحاسبة أن الحسابات التي تتعلق بالديون: الذمم المدينة والدائنة، أولى من الحسابات الأخرى التي تتعلق بالموجودات. فالمنشأة إذا لم يكن لديها نظام محاسبي مفصّل، فلا أقل من تمسك حسابات للأشخاص المدينين والدائنين والشركاء، فهذا هو الحد الأدنى من النظام المحاسبي الذي يحفظ حقوق الناس.
قال تعالى:
(إذا تداينتُم بدَينٍ إلى أجلٍ مسمّى فاكتبوه) البقرة 282.
(ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجلِه) الآية نفسها.
لم يقل:
ولا يابس إلا يعلمه.
مفاتيح الغيب خمس:
- (إنّ اللهَ عندَهُ علمُ الساعة.
- ويُنزّلُ الغيث.
- ويَعلمُ ما في الأرحام.
- وما تدري نفسٌ ماذا تكسِب غدًا.
- وما تدري نفسٌ بأي أرضٍ تموتُ.
إنّ اللهَ عليمٌ خبيرٌ) لقمان 34.
مفاتح:
جمع: مِفتح (مفتاح)، أو مَفتح: مخزن.
مفاتيح: جمع مفتاح.
مفاتح الغيب:
أقوال:
- خزائن العلم.
- خزائن الرزق.
- خزائن الأرض.
وما تسقط من ورقة إلا يعلمها:
تعبير دقيق عن علم الله تعالى بكل شيء، كلي أو جزئي.
وربما اختار سقوط الورقة من الشجر، لأن السقوط أدق من أن تكون الورقة في شجرتها، فهو يعلم سقوطها وما يحيط به من زمان ومكان وحركات وتحولات أثناء السقوط وبعده، وكم مرّة تدور في الهواء، وكيف تدور، وكم تستغرق من زمن، وهي تسقط إلى أن تصل إلى الأرض! ومن علم بسقوط الورقة كان أعلم بها قبل سقوطها! انظرْ إلى أوراق الشجر في فصل الخريف، كيف يصفرّ ثم يسقط بكثرة، ويتناثر على الأرض بأشكاله وأحجامه المختلفة، ننظر نحن البشر إليه فلا نميّز بين ورقة وأخرى، ولا نعلم عنه أكثر من أنه ورق أصفر ساقط، فلا نعلم عدده ولا أي شيء عنه وعن تحولاته ومآلاته! فلا نقوى على عدّ مجموعة منه لو أردنا، إلا بصعوبة بالغة، لا سيما إذا تكسّر وتداخل بعضه في بعض، وملأ الأرض!
لو أردنا أن نحصي الشجر في بلد من البلدان لكان أمرًا عسيرًا، لا سيما وأنه قابل للحياة والموت في كل لحظة، وهو أنواع كثيرة مختلفة. غاية ما نستطيع فعله أن نحصي المحصول بنسبة عالية من التقريب! فكيف لو أردنا أن نعلم كل ما في البلد، فضلا عن جميع البلدان، من أحجار ومعادن وأشجار وأوراق وثمار وحبوب، من رطب ويابس، مملوك وغير مملوك، في البر والبحر وغير ذلك؟!
الله تعالى لا يخفى عنه شيء في الكون، يعلم ما كان، ويكون، وسوف يكون.
أقوال المفسرين:
الطبري:
«عنده علم كل شيء كان ويكون، وما هو كائن مما لم يكن بعد، وذلك هو الغيب (...).
ولا تسقط ورقة في الصحاري والبراري، ولا في الأمصار والقرى، إلا الله يعلمها.
(ولا حبّة في ظُلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتابٍ مبينٍ) يقول: ولا شيء أيضًا مما هو موجود، أو مما سيوجد ولم يوجد بعد، إلا وهو مثبت في اللوح المحفوظ، مكتوب ذلك فيه، ومرسوم عدده ومبلغه، والوقت الذي يوجد فيه، والحال التي يفنىفيها».
البغوي:
» هي ما لم يكن بعد، أنه يكون أم لا يكون، وما يكون كيف يكون، وما لا يكون أن لو كان كيف يكون؟ (...).
(وما تسقطُ مِن ورقةٍ إلا يعلمُها) يريد ساقطة وثابتة، يعني: يعلم عدد ما يسقط من ورق الشجر، وما يبقى عليه.
وقيل: يعلم كم انقلبت ظهرًا لبطن إلى أن سقطت على الأرض»!
الرازي:
«القضايا العقلية المحضة يصعب تحصيل العلم بها على سبيل التمام والكمال إلا للعقلاء الكاملين الذين تعودوا الإعراض عن قضايا الحس والخيال، وألفوا استحضار المعقولات المجردة، ومثل هذا الإنسان يكون كالنادر.
وقوله: (وعنده مفاتحُ الغيبِ لا يعلمُها إلا هو) قضية عقلية محضة مجردة، فالإنسان الذي يقوى عقله على الإحاطة بمعنى هذه القضية نادر جدًا. والقرآن إنما أنزل لينتفع به جميع الخلق. فههنا طريق آخر وهو أن من ذكر القضية العقلية المحضة المجردة، فإذا أراد إيصالها إلى عقل كل أحد ذكر لها مثالاً من الأمور المحسوسة الداخلة تحت القضية العقلية الكلية، ليصير ذلك المعقول بمعاونة هذا المثال المحسوس مفهومًا لكل أحد (...).
يجوز أن يقال: إنه تعالى ذكر ما ذكر من الورقة والحبّة تنبيهًا للمكلفين على أمر الحساب، وإعلامًا بأنه لا يفوته من كل ما يصنعون في الدنيا شيء، لأنه إذا كان لا يهمل الأحوال التي ليس فيها ثواب ولا عقاب ولا تكليف، فبأن لا يهمل الأحوال المشتملة على الثواب والعقاب أولى».
القرطبي:
«المعنى: (وما تسقطُ مِن ورقةٍ) أي: من ورقة الشجر إلا يعلم متى تسقط؟ وأين تسقط؟ وكم تدور في الهواء؟ ولا حبّة إلا يعلم متى تنبت؟ وكم تنبت؟ ومن يأكلها»؟
أبو حيان:
« ذكر علمه بالورقة والحبّة والرطب واليابس على سبيل الخصوص، فتحصل إخباره تعالى بأنه عالم بالكليات والجزئيات، مستأثر بعلمه وما نعلمه نحن (...).
(وما تسقطُ مِن ورقةٍ إلا يعلمُها) من: زائدة لاستغراق جنس الورقة، ويعلمها مطلقًا قبل السقوط ومعه وبعده.
قال الزجاج: يعلمها ساقطة وثابتة (...).
وقيل: يعلم متى تسقط؟ وأين تسقط؟ وكم تدور في الهواء؟
وقيل: يعلمها كيف انقلبت ظهرًا لبطن، إلى أن وقعت على الأرض (...).
ودلّت هذه الجمل على أنه تعالى عالم بالكليات والجزئيات، وفيها ردّ على الفلاسفة، في زعمهم أن الله لا يعلم الجزئيات، ومنهم من يزعم أنه تعالى لا يعلم الكليات ولا الجزئيات، حتى هو لا يعلم ذاته! تعالى الله عن ذلك! (...).
وقال مقاتل: (في كتابٍ مُبينٍ) هو اللوح المحفوظ.
وقال الزجاج: كناية عن علم الله المتيقن. وهذا الاستثناء جار مجرى التوكيد لأن قوله: (ولا حبّةٍ ولا رطبٍ ولا يابسٍ) معطوف على قوله: (من ورقةٍ). والاستثناء الأول منسحب عليها، كما تقول: ما جاءني من رجل إلا أكرمته ولا امرأة، فالمعنى: إلا أكرمتها، ولكنه لما طال الكلام أعيد الاستثناء على سبيل التوكيد، وحسّنه كونه فاصلة رأس آية».
ابن كثير:
« قوله: (ويعلمُ ما في البرّ والبحر) أي: يحيط علمه الكريم بجميع الموجودات، بريّها وبحريّها، لا يخفى عليه من ذلك شيء، ولا مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء».
الشوكاني:
«(وما تسقطُ مِن ورقةٍ إلا يعلمُها): أي من ورق الشجر، وهو تخصيص بعد التعميم، أي: يعلمها ويعلم زمان سقوطها ومكانه».
ابن عاشور:
« مفاتح الغيب: جمع مضاف يعمّ كل المغيّبات، لأن علمها كلها خاص به تعالى.
وأما الأمور التي لها أمارات، مثل أمارات الأنواء، وعلامات الأمراض عند الطبيب، فتلك ليست من الغيب، بل من أمور الشهادة الغامضة. وغموضها متفاوت، والناس في التوصل إليها متفاوتون، ومعرفتهم بها من قبيل الظن لا من قبيل اليقين، فلا تسمى علمًا (...).
وجملة: (وما تسقطُ مِن ورقةٍ) عطف على جملة: (ويعلمُ ما في البرّ والبحر) لقصد زيادة التعميم في الجزئيات الدقيقة. فإحاطة العلم بالخفايا، مع كونها من أضعف الجزئيات، مؤذن بإحاطة العلم بما هو أعظم أولى به. وهذه من معجزات القرآن، فإن الله علم ما يعتقده الفلاسفة, وعلم أن سيقول بقولهم من لا رسوخ له في الدين من أتباع الإسلام، فلم يترك للتأويل في حقيقة علمه مجالاً! (...).
والمراد بالورقة: ورقة من الشجر.
وحرف: (من) زائد لتأكيد النفي، ليفيد العموم نصًا (...).
والمراد بالكتاب المبين: العلم الثابت الذي لا يتغير، وما عسى أن يكون عند الله من آثار العلم، من كتابة أو غيرها، لم يطلعنا على كنهها (...).
وقوله: (إلا في كتابٍ مُبينٍ): تأكيد لقوله: (إلا يعلمُها)، لأن المراد بالكتاب المبين: علم الله تعالى، سواء كان الكتاب حقيقة أم مجازًا عن الضبط وعدم التبديل. وحسّن هذا التأكيد تجديد المعنى، لبعد الأول بالمعطوفات وصفاتها، وأعيد بعبارة أخرى تفننًا (...).
وقد علم من هاته الآيات عموم علمه تعالى بالكليات والجزئيات.
وهذا متفق عليه عند أهل الأديان، دون تصريح به في الكتب السابقة، وما أعلنه إلا القرآن في نحو قوله: (وهو بكلّ شيءٍ عليم). وفيه إبطال لقول جمهور الفلاسفة أن الله يعلم الكليات خاصة ولا يعلم الجزئيات»!