الدكتورعبد القادر سماري

نظرات في كتاب الله

نظرات في كتاب الله
عن د. توفيق المصري بتصرف

(أرضيتُم بالحياةِ الدنيا مِنَ الآخرةِ فما متاعُ الحياةِ الدنيا في الآخرةِ إلا قليلٌ) التوبة 38.
في الآخرة:
- الحكم في الدنيا على: الدنيا بالنسبة للآخرة.
- الحكم في الآخرة: من رأى الآخرة نسي الدنيا! وأدرك أنها لا شيء!

من الآخرة:
بدلاً من الآخرة.

قليل:
صفر.
(الصفر) لم يرد ذكره في القرآن، واستخدم لفظ (قليل) لمخاطبة الناس بما يفهمون، فلو قلت لهم، وهم لا يزالون في الدنيا: "صفر" ربما كذّبوك، لأنهم يرون الدنيا بمدّتها ومتاعها، وهي في ذاتها ليست بالقليل، ولكنها إذا نُسبت إلى الآخرة كانت صفرًا! ذلك أن الدنيا محدودة والآخرة غير محدودة في المقدار ولا في النوع ولا في الزمن. ونسبة المحدود إلى اللامحدود هي الصفر! وهذا يحتاج فهمه إلى عقلية رياضية!

أقوال المفسرين:
الطبري:
« قوله: ( أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة)، يقول جلّ ثناؤه: أرضيتم بحظ الدنيا والدَّعة فيها، عِوَضًا من نعيم الآخرة، وما عند الله للمتقين في جناته (من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة) يقول: فما الذي يستمتع به المتمتعون في الدنيا من عيشها ولذاتها في نعيم الآخرة والكرامة التي أعدّها الله لأوليائه وأهل طاعته (إلا قليل): يسير! يقول لهم: فاطلبوا أيها المؤمنون نعيم الآخرة، وشرف الكرامة التي عند الله لأوليائه، بطاعته والمسارعة إلى الإجابة إلى أمره في النفير لجهاد عدوه».
البغوي:
»(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي: بخفض الدنيا ودَعَتِها من نعيم الآخرة. (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)».
الرازي:
«هل يليق بالعاقل ترك الثواب العظيم في الآخرة، لأجل المنفعة اليسيرة الحاصلة في الدنيا؟ والدليل على أن متاع الدنيا في الآخرة قليل أن لذّات الدنيا خسيسة في أنفسها، ومشوبة بالآفات والبليّات، ومنقطعة عن قريب لا محالة، ومنافع الآخرة شريفة عالية خالصة عن كل الآفات، ودائمة أبديّة سرمديّة، وذلك يوجب القطع بأن متاع الدنيا قليل حقير خسيس».
القرطبي:
« معنى: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي بدلاً، التقدير: أرضيتم بنعيم الدنيا بدلاً من نعيم الآخرة، فـ: (من) تتضمن معنى البدل، كقوله تعالى: (ولو نشاءُ لجعلنا منكم ملائكة في الأرض يخلفون) الزخرف 60، أي: بدلاً منكم».
ابن كثير:
«(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي: ما لكم فعلتم هكذا؟ أرِضًا منكم بالدنيا بدلاً من الآخرة؟!
ثم زهّد تبارك وتعالى في الدنيا، ورغّب في الآخرة، فقال: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل)، كما قال الإمام أحمد.
حدثنا وكيع ويحيى بن سعيد قالا: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل إصبعه هذه في اليمّ، فلينظرْ بمَ ترجع؟ وأشار بالسبّابة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا بشر بن مسلم بن عبد الحميد الحمصي، حدثنا الربيع بن روح، حدثنا محمد بن خالد الوهبي، حدثنا زياد - يعني الجصاص - عن أبي عثمان قال: قلت: يا أبا هريرة، سمعت من إخواني بالبصرة أنك تقول: سمعت نبيّ الله يقول: إن الله يجزي بالحسنة ألف ألف حسنة، قال أبو هريرة: بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة، ثم تلا هذه الآية: (فما متاعُ الحياة الدنيا في الآخرةِ إلا قليلٌ).
فالدنيا ما مضى منها وما بقي منها عند الله قليل.
وقال سفيان الثوري، عن الأعمش في الآية: (فما متاعُ الحياةِ الدنيا في الآخرة إلا قليل) قال: كزاد الراكب.
وقال عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه: لما حضرتْ عبد العزيز بن مروان الوفاةُ قال: ائتوني بكفني الذي أكفّن فيه أنظرْ إليه، فلمّا وضع بين يديه نظر إليه فقال: أما لي من كبير ما أخلف من الدنيا إلا هذا؟ ثم ولّى ظهره فبكى وهو يقول: أفّ لكِ من دار، إنْ كان كثيركِ لَقليل، وإنْ كان قليلكِ لَقصير، وإن كنّا منكِ لَفي غرور»!

أبو حيان:
« في قوله: (أرضيتم) نوع من الإنكار والتعجب; أي: أرضيتم بالنعيم العاجل في الدنيا الزائل بدل النعيم الباقي؟ و(مِن) تظافرت (تضافرت) أقوال المفسّرين على أنها بمعنى: "بدل"، أي: بدل الآخرة، كقوله: (لَجعلنا منكم ملائكةً) الزخرف 60، أي: بدلاً منكم (...).
وأصحابنا لا يُثبتون أن تكون (مِن) للبدل. ويتعلق (في الآخرة) بمحذوف. التقدير: فما متاع الحياة الدنيا محسوبًا في نعيم الآخرة».
الشوكاني:
« قوله: (أرضيتم بالحياةِ الدنيا) أي: بنعيمها بدلاً من الآخرة، كقوله تعالى: (ولو نشاءُ لجعلنا منكم ملائكةً في الأرض يَخلُفونَ) الزخرف 60، أي بدلاً منكم (...).
ومعنى: (في الآخرة) أي: في جنب الآخرة، وفي مقابلها. (إلا قليل) أي: إلا متاع حقير لا يُعبأ به!
ويجوز أن يراد بالقليل: العدم، إذ لا نسبة للمتناهي الزائل إلى غير المتناهي الباقي».
المنار:
«(أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة) أي: أرضيتم براحة الحياة الدنيا ولذّتها الناقصة الفانية بدلاً من سعادة الآخرة الكاملة الباقية؟ إن كان الأمر كذلك فقد استبدلتم الذي هو أدنأ وأدنى بالذي هو خير وأبقى: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل) أي: فما هذا الذي يتمتع به في الحياة الدنيا منغصًا بالشوائب والمتاعب، في جنب ما في الآخرة من النعيم المقيم، والرضوان الإلهي العظيم، إلا شيء قليل لا يرضاه عاقل بدلاً منه، وإنما يؤثره عليه من لا يؤمن به.
وقد شبه النبي صلى الله عليه وسلم نعيم الدنيا بالإضافة إلى نعيم الآخرة، وفي قلّته في نفسه وزمنه، بمن وضع إصبعه في اليمّ ثم أخرجها منه قال: فانظر بم ترجع؟ رواه أحمد ومسلم والترمذي والنسائي، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة».
القاسمي:
« قوله تعالى: (أَرَضِيتُم بِالحَيَاةِ الدنيَا) أي: الحقيرة الفانية (مِنَ الآخرَة) أي: بدل الآخرة ونعيمها الدائم.
(فَمَا مَتاعُ الحَيَاةِ الدنيَا) أظهر في مقام الإضمار لزيادة التقرير، أي: فما التمتع بلذائذها (فِي الآخِرَةِ) أي: في جنب الآخرة أي: إذا قيست إليها، وفي هذه تسمى (في) القياسية، لأن المقيس يوضع بجنب ما يقاس به.
(إِلا قلِيلٌ) أي: مستحقر لا يُؤبه له.
روى الإمام أحمد ومسلم عن المُسْتَورد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعلُ أحدُكم إصبعَه هذه في اليمّ، فلينظرْ بِمَ ترجعُ، وأشار بالسبّابة».
ابن عاشور:
«الاستفهام في: (أرضيتم بالحياة الدنيا): إنكاري توبيخي، إذ لا يليق ذلك بالمؤمنين.
و(مِن) في: (مِنَ الآخرة) للبدل: أي: كيف ترضون بالحياة الدنيا بدلاً عن الآخرة؟ ومثل ذلك لا يرضى به، والمراد بالحياة الدنيا، وبالآخرة: منافعهما، فإنهم لمّا حاولوا التخلّف عن الجهاد قد آثروا الراحة في الدنيا على الثواب الحاصل للمجاهدين في الآخرة (...).
والمتاع: اسم مصدر تمتّع، فهو الالتذاذ والتنعّم، كقوله: (متاعًا لكم ولأنعامكم) النازعات 33، ووصفه بـ: (قليل) بمعنى ضعيف ودنيء. استعير القليل للتافه. ويحتمل أن يكون المتاع هنا مرادًا به الشيء المتمتع به، من إطلاق المصدر على المفعول، كالخلق بمعنى المخلوق فالإخبار عنه بالقليل حقيقة.
وحرف: (في) من قوله: (في الآخرة) دالّ على معنى المقايسة، وقد جعلوا المقايسة من معاني: (في) كما في التسهيل والمغني، واستشهدوا بهذه الآية أخذًا من الكشاف، ولم يتكلم على هذا المعنى شارحوهما، ولا شارحو الكشاف، وقد تكرر نظيره في القرآن كقوله في سورة الرعد: (وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع)، وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث مسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كمثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بم يرجع. وهو في التحقيق (من) الظرفية المجازية: أي متاع الحياة الدنيا إذا أقحم في خيرات الآخرة كان قليلاً بالنسبة إلى كثرة خيرات الآخرة، فلزم أنه ما ظهرت قلّته إلا عندما قيس بخيرات عظيمة ونُسب إليها. فالتحقيق أن المقايسة معنى حاصل لاستعمال حرف الظرفية، وليس معنى موضوعًا له حرف (في)».
الزحيلي:
«أرضيتم بلذّات الحياة الدنيا بدلاً من الآخرة وسعادتها ونعيمها؟ إن كنتم فعلتم ذلك فقد تركتم الخير الكثير في سبيل الشيء الحقير، فما تتمتعون به في الدنيا متاعًا مقترنًا بالهمّ والألم، إذا قيس بنعيم الآخرة الدائم المقيم، إلا شيء حقير، لا يصلح عوضًا عن الشيء الكثير.
روى الإمام أحمد ومسلم والترمذي عن المستورد أخي بني فهر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعلُ أحدُكم أصبعه هذه في اليمّ، فلينظرْ بمَ ترجع؟ وأشار بالسبابة.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله يجزي بالحسنة ألفي ألف حسنة، ثم تلا هذه الآية: (فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل).
فالآية والحديث تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة» .