وهران التي أعرفها !
وهران التي أعرفها !
كَثُر الكلام هذه الأيام عن مدينة من مدن الجزائر التي نفتخر بها، بسبب رواية تدور أحداثها بأحد أحيائها حسب كاتبة الرواية، ولقد طالعت الكثير من التعليقات ثم أرسل لي أحد الاصدقاء نسخة من الرواية ، فقرأتها، رغم انشغالاتي الكثيرة، ثم وصلني تسجيل فيديو لنفس الكاتبة تقول :
(( أن شخصيات الرواية حقيقية عرفتها ولكن بإسم آخر ... ) الكاتبة تقول ( عرفتها ... )
فلما قرأت و سمعت، ناداني مناد من داخلي، واستفز ذاكرتي، وقال لي : هذه ليست وهران التي تعرفها!
فحاصرني الكلام المقروء والمسموع وألَحَّ علي أن أكتب قصتي مع وهران،
وهران العلم والعلماء
وهران الطهر والصفاء
وهران الشريفات والشرفاء
وهران الجهاد والوفاء
قال لي : أكتب عن وهران التي تعرفها
وعن رجال وهران الذين خالطتهم
وعن جلساتك في وهران وزياراتك لها،
فاستجبت لهذا النداء وفاء لهذه البقعة العزيزة علينا من أرض الجزائر ، وكل أرض الجزائر عزيزة وغالية، ولاولئك الرجال والنساء الذين كانوا ولا يزالون نبراسا وضياء ومعالم يهتدى بهم ،
وهران !
عرفتها أولا لما كنت شابا من خلال دراسة تاريخ الجزائر وجغرافيتها في المراحل التعليمية الأولى كما عرفت كل أرجاء وطننا العزيز ...
ولكن معرفتي المباشرة بوهران كانت بداية الثمانينيات من القرن الماضي وأنا طالب دكتوراه في جامعة قرونوبل بفرنسا، تعرفت على صديق كان يدرس في كلية الفيزياء ( cristallographie) وهو الآن أستاذ بجامعة وهران، الدكتور ( أحمد بكة ) حفظه الله، كان نموذجا للأخلاق الشريفة، والالتزام المعتدل، والنخوة المتأصلة، تعارفنا هناك في أرض المهجر، كانت لنا جولات وزيارات إلى الكثير من المدن، نيس، ليون، بوردو ... وأذكر أنه كانت لنا زيارات إلى مدينة جنيف، وكان يستضيفنا الشيخ سعيد رمضان ، رحمه الله، في المركز الإسلامي الواقع في العنوان الذي لا أزال أذكره :
13,rue des eaux vives , Genève
ولقد شاركنا في ذلك الوقت مع ابنه ( هاني رمضان ) في كتابة ونشر وتوزيع أقصوصات ورقية تعريفية بالإسلام كانت تحت عنوان :
Le vrai visage de l'islam
التي لاقت رواجا كبيرا وتعرف من خلالها السويسريون على الإسلام ودخل بعضهم في دين الله قناعة وحُبَّا ...
المهم نرجع ل وهران ،
توطدت العلاقة بيني وبين الدكتور أحمد، ثم في إحدى العطل الصيفية حزمت أمتعتي مع أخي الدكتور العربي زروال وانطلقنا لزيارة أخينا أحمد بكة في وهران في بيت والده ( عمي علي بكة رحمه الله ) وتلك كانت زيارتي الاولى إلى وهران، فكانت جلسات مفعمة بالأدب و
الأخلاق ودروس الحياة ، ولا تزال صورتها في ذهني، كما كانت لنا جولات في أحياء المدينة العريقة، في أحيائها الشعبية، ومساجدها ومقاهيها، وعبر طرقاتها وفي شطآنها، فلم نر إلا خيرا ...
ثم بعد سنوات انهيت الدكتوراه، وأنا لازلت وقتها شابا يافعا، لم يصل سني بعد إلى الثلاثين ربيعا، كنت مدير الدراسات العليا بجامعة سطيف، ثم مدير دائرة الكهروكيمياء، فكانت لنا جلسات علمية في مختلف جامعات الوطن ومن خلالها تعرفت على الكثير من رجال الجزائر من مختلف الولايات ...
وقبيل العشرية السوداء، تشاء الأقدار أن تجمعنا لقاءات مع ثلة طيبة من رجال وهران، في مناسبات مختلفة، وعلى مر السنوات الماضية، أذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :
اسمحوا لي أن أبدأ بهذا الاسم لرمزية الإسم : هواري عبدالعزيز ( هواري نسبة إلى علم من أعلام وهران !!! )
الدكتور محمد مسلم
الدكتور جعفر،
عبدالحق منصوري
الدكتور ابراهيم خوجة الذي كنت قد عرفته في فرنسا لما كنا طلبة،
الدكتور مخلوف بن يمينة ،
الدكتور عثمان رحماني
الشيخ نعيم رحالي شفاه الله
الاستاذ أحمد بريكسي رحمه الله
الشيخ لطرش رحمه الله
الشيخ الزبير رحمه الله
عمي مولود بائع المثلجات
السيد الوزير سيد أحمد بوليل
الشيخ مصطفى غلام
الاستاذ خالد حريز
الاستاذ محمد هيشور ،
الأستاذة عائشة بلحجار،
الأستاذة لبيوض،
الاستاذ أمين علوش رئيس بلدية وهران الحالي
الاستاذ عبدالعزيز سجراري
الاستاذ حسين بن ودان
الشيخ عبدالقادر عكاني
كل هؤلاء، وغيرهم كثير أعتذر لهم أنني لم أذكر أسماءهم، كلهم شرفاء أهل علم ووطنية وأخلاق ...
كنا نتزاور، ونلتقي،
ويكفي وهران شرفا أن يتخرج من جامعتها الاستاذ الدكتور عدلي أبو حجر وهو واحد من الرجال الذين يخدمون فلسطين في المحافل المختلفة ويفتخر بدراسته بالجزائر ...
وإن كنت ناسيا فلن أنسى يوم 01 ماي 1991، ذلك اللقاء الجامع في وهران ، وبالضبط في السانية، إستضافنا أحد رجالها في بيته، وتوافد الزوار من كل جهات القطر الجزائري، وقد بدأت الأجواء في وطني تشحن ، ثقافيا وسياسيا واعلاميا ، كان موضوع الجلسة نقطة واحدة :
(( كيف نقف في وجه الفتنة التي بدأت بوادرها تظهر ))
ووالله لو سُمِع لمخرجات ذلك اللقاء لتجنبت الجزائر فتنتها العمياء، ولكن قدر الله وما شاء فعل، تفاصيل اللقاء نُشرت في مجلة التضامن التي كان يشرف عليها الاستاذ نذير مصمودي رحمه الله والشيخ أبو جرة حفظه الله ...
أما آخر زيارة إلى وهران فكانت قبل أشهر، كنا خمسة أشخاص :
صاحب هذه الكلمات
عبدالرحمن
ابراهيم
مسعود
يحي
انطلقنا من العاصمة، إلى مغنية بولاية تلمسان لزيارة الشيخ ابراهيم حفظه الله بزاويته العامرة ، ثم رجعنا إلى وهران لزيارة ( عمي محمد ت. ) استقبلنا في بيته العامرة،التي عرفت مرور العديد من الشخصيات الوطنية والعلمية والدينية، كانت جلسة طيبة، عمي محمد قد تجاوز الثمانين سنة ولكنه كان ذا قلب حي وذاكرة متوقدة، كلمنا عن وهران، كلمنا عن رجالها الاشاوس، ونسائها العفيفات، ثم بدأ يكلمنا عن الحركة الوطنية وعن الثورة، وبدأ يشير لنا :
هنا جلس فلان ، وهناك كان علان، وفي ذلك الركن من البيت جرت مناقشات حادة بين زيد وعمرو ... كنا نسمع و نستمتع لعمي محمد ...
وبعده، وفي الغد، كانت لنا زيارة بعض الأفاضل أذكر منهم :
الشيخ عكاني
الشيخ مصطفى غلام
ومرىنا لتعزية السيد كريم في والده، والسيد خنشالي مرزوق في ابنه رحمهما الله ...
حقيقة وطني فيه الكثير من المآثر والحكايات والقصص والروايات التي لو وجدت أقلاما جادة رسالية وطنية مخلصة لأستطاعت أن تجعل منها معالم بناء وأسس نهضة وأركان عز وشموخ ...
ولكن للأسف بعض أدبائنا ورواتنا وكتابنا زلت بهم الأقدام واستهوتهم الشهرة الزائفة وأحاطت بهم الخطيئة واستدرجهم المتأدلجون واستقطبهم دعاة التفريق ووظفهم دعاة الفساد والإفساد فتجدهم قد انغمسوا في ما يفسد ولا يصلح، في ما يفرق ولا يجمع في ما يهدم ولا يبني، يلهثون وراء المال والشهرة ولو على حساب الوطن والدين والشباب ...
أنا لست أديبا، ولا كاتبا، ولا ناقدا ... بل حتى دراستي الأكاديمية ليست باللغة العربية ... ولكنني مولع بحب وطني أهيم بلغة القرآن حريص على شباب أمتي خادم للدين والوطن ...
أحب الفن كل أنواع الفن قراءة ومشاهدة وسماعا ولكن ليس الفن الذي يهدم ذاتي وذوات أبناء وطني، ليس الفن الذي يحطم ما بقي من كياننا في هذا العالم السائر بسرعة مهولة نحو حتفه، ليس الفن الذي أستحي أن أشاركه مع أمي وأبي وأخي وأختي وإبني وإبنتي وحفيدي وحفيدتي ...
أما عن وهران بكل أحيائها، فهي مثل كل مدن الجزائر وقراها شامة في جبين الجزائر تاريخا وثورة وعلما وشرفا ودينا...
أما بالنسبة للجانب التاريخي، وكيف وقف أهل وهران في وجه المد الصليبي الاسباني والبرتغالي، والحملات الأوروبية المختلفة، عبر السنين والقرون، ثم في وجه الاحتلال الفرنسي فذلك أتركه للمؤرخين ،
وأما الوقوف في وجه التفسخ والفساد الذي يروج له هنا وهناك، ففي وهران، كما في كل مناطق وطني العزيز، رجال ونساء ، شيوخا وشباب، لم ولن يرموا منشفة الاستسلام ، لم ولن يرضوا أبدا أن تعمهم موجات العمى والانحراف ...
سلامي وتحياتي لكل شريف وشريفة ...
سلامي ل : فتحي، عمار، كريم، محسن ... هؤلاء من شباب وهران الذين عرفتهم مؤخرا لهم مني كل الدعوات وخاصة ( فتحي ) ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري