اليوم 12 أغسطس، تمر الذكرى 13 على رحيل الإمام العالم المربي الوزير فضيلة الشيخ ( عبدالرحمن شيبان ) رحمه الله وأسكنه فسيح جناته،
اليوم 12 أغسطس، تمر الذكرى 13 على رحيل الإمام العالم المربي الوزير فضيلة الشيخ ( عبدالرحمن شيبان ) رحمه الله وأسكنه فسيح جناته،
هذا الرجل الأمة، الذي خدم الاسلام والجزائر وفلسطين طيلة حياته، شابا وكهلا وشيخا إلى آخر رمق من حياته وقد بلغ من الكبر عتيا ...
أكرمني الله بمرافقته ومجالسته ومصاحبته لأكثر من 15 سنة،
فكانت لنا جلسات في بيته،
وجلسات في بيتي،
ولقاءات في مقر جمعية العلماء،
وندوات في نادي الترقي،
ومجالس الجمعية في تعاضدية البناء،
ومؤتمرات في المركز الثقافي مفدي زكرياء،
وجلسات سمر عند بعض الأحباب والأصدقاء هنا وهناك ،
ونقاشات علمية مع فطاحل العلماء والدعاة،
ومقاربات سياسية مع كبار الساسة والمفكرين ،
وتحضيرات لدعم فلسطين ونصرة الأقصى
ولقاءات في مكتب فرع الجزائر لمؤسسة القدس في مقر الكشافة الإسلامية ...
كل جلساتنا ولقاءاتنا وأسفارنا كانت حول ثلاثة أمور :
الإسلام - الجزائر - فلسطين
هو واحد من 15 شخصية لهم عليَّ، بعد الله، أفضال لا تحصى ولا تعد ، لو كتبت عنهم يوميا مقالات ما وفيتهم حقهم، كما لهم على الجزائر والشعب الجزائري أفضال في كل مجالات الحياة، وجب علينا أن نقيم لهم ...
والشيخ عبدالرحمن شيبان رحمه الله واحد منهم إن لم أقل رائدهم، ممن عاصرنا وجالسنا وأخذنا ....
علاقتي به تعدت درجة المريد مع شيخه، وتجاوزت حدود التلميذ مع أستاذه،
وتخطت مقامات المتربي مع مربيه،
رغم فارق السن بيننا ( 41 سنة )
فهو من مواليد 1918
وصاحبكم من مواليد 1959
رغم هذا الفارق لم يشعرني يوما بذلك، بل كانت علاقات بأريحية ليس لها نظير ...
وهذه بعض النماذج من علاقتي به رحمه الله :
1- في إحدى المرات دعيت إلى جلسة عقد قران إبنة أحد الأصدقاء ( الأستاذ محمد ط. )، ذهبت مع الآخ الحاج سليمان دهيري حفظه الله، وجدنا الشيخ شيبان رحمه الله من بين المدعوين، بعد السلام، أجلسني إلى جانبه، ثم قال لي : ( لما تنتهي العزومة بودي أن أذهب معك )
قام الشيخ بالعقد الشرعي، ثم قدموا لنا الاكراميات، وعند المغادرة، قلت : ( الشيخ يأتي معي أوصله للبيت )
أصحاب البيت أصروا على أن يأخذوه، فكان بيننا نقاش، اقترب الشيخ شيبان منا وقال: ما هي المشكلة
قال عمي محمد صاحب العرس : نحن نوصلك والدكتور عبدالقادر يريد أن تذهب معه.
فقال الشيخ شيبان : ربما عنده مسألة يريد أن يطرحها لي فلا بأس أن أذهب معه .
وافق أصحاب البيت،
فلما ركبنا في السيارة، قلت له : ما شاء الله راك اليوم في حطة وأناقة كبيرة الظاهر استحفظوا بك في الدار
قال لي : أنا حالتي مثل حالة الشبخ الشهيد ( أحمد رضا حوحو ) رحمه الله لما كان كاتبا عاما لمعهد ابن باديس وكنت أستاذا به ( الكلام للشيخ شيبان ) قال : ففي صباح أحد الأيام جاء الاستاذ حوحو باكرا أنيقا مثل عادته فقلت له مثل ما قلت لي : ( الظاهر استحفظوا بيك في الدار ) فقال لي ( الكلام للشيخ حوحو ) : اللي يتبع الشيخ البشير الابراهيمي ما عندهم ما يستحفظو بيه يتعصر مثل حبة الليمون ... ثم قص علينا قصص ضحكنا حتى بدت نواجذنا
ثم قلت له : شرف لي أن تكون معي، ولكن هل فيه أمر خاص
قال : في الحقيقة لما أكون معهم أجد نفسي ملزم ببعض الأدبيات، أسئلودة وأجوبة، ومنذ الصباح وأنا في جلسات رسمية وعلمية فأريد أن أرَوِّح على نفسي معكم ... ثم ذهبنا نحن الثلاثة في جولة ترفيهية ...
2- لما عُيِّنت وزيرا ، بعد أسبوع إتصل بي على الهاتف وكان يوم جمعة،
وقال لي : آتيك أو تأتيني،
فقلت له : معاذ الله ، أنا آتيك حبوًا !
لم يبقى وقت طويل عن الجمعة، استعددت لها، غسلا وطيبا، ثم خرجت،
أخذت السيارة وذهبت إليه إلى بيته
إستقبلني عند الباب ، دخلنا إحدى الغرف،
جلس ثم طلب مني أن أجلس مقابلا له،
قال : دعوتك من أجل كلمتين اسمعهما مني قبل أن نتناول أي شيء
قلت : سمعا وطاعة
كان بيني وبينه مائدة مستطيلة ...
وضع الشيخ إحدى يديه على الحافة اليمنى للطاولة وقال لي : الجزائر بدأت من هنا ،
ثم وضعه يده الأخرى على الحافة الثانية وقال : وتنتهي هنا، وأنت لست الأول ولن تكون الأخير ، ولكنك ستقضي وقتا قصيرا في هذه المسافة الزمنية ( ووضع أصبعين من أصابعه في الوسط متقاربين ) ثم قال : هل عبدالقادر سماري التباني السطايفي بعد الوزارة سيكون هو عبدالقادر سماري التباني السطايفي الذي أعرفه قبل الوزارة .
توقف عن الكلام برهة ، وعيناه في عيني، ثم قال لي : حافظ على روحك ...
غيرنا الموضوع، لم نناقش أي شيء بعد ذلك الكلام، سألني عن الاولاد وعن الأهل،
أخذنا بعض الاكراميات ... جلسنا بعض الوقت إلى حين صلاة الجمعة صليناها في مسجد القدس في حيدرة وراء الشيخ ( محمد مكركب ) حفظه الله ...
كانت جرعة تطعيم استحضرها في كثير من المواقف، و لا أزال أعيش بها ...
3- في صباح أحد الأيام، من شهر مارس 2010، اتصلت بي السيدة ( تاسعديت بلحوت ) حفظها الله كاتبة الشيخ شيبان ،
قالت لي وهي تبكي : الشيخ شيبان ماهوش مليح، رآه مريض في الفراش ، رآه طلب عليك تروح عنده .
خرجت مسرعا، الطريق فاض، السيارة تنهب الأرض نهبا، من اسطاوالي إلى حيدرة، قطعتها في أقل من ربع ساعة، وصلت عند سكن الشيخ، وجدت خادمه من أدرار عند الباب، أدخلني إلى البيت، في البهو وجدت الاستاذ الدكتور ( نوفل ) نجل الشيخ شيبان حفظه الله، أدخلني إلى غرفة الشيخ، كان متعبا وملقى على السرير، قلت في نفسي : يجب أن أداعبه ...
قبَّلت جبينه ثم قلت له : خوفتني تاسعديت وكنت خايف ما نلحقش بيك ، الآن الحمد لله، تحب تموت موت على روحك بصح أدعيلي قبل ...
إحمر وجه الشيخ ، ابتسم ابتسامة عريضة ، ثم حاول الجلوس ، أعنته مع الدكتور نوفل ... ثم قال : والله أضحكتني وءكرتني بقصة نحكيها لك ... ثم بدأ في سرد القصة...
قال : كنت وزيرا للشؤون الدينية فطلب مني الرئيس الشاذلي أن آخذ معي أي أحد وأذهب للحج لتمثيله في مراسيم غسل الكعبة المشرفة، فاخترت الشيخ أحمد كتو رحمه الله، وقمنا بالاستعداد للسفر، ولكن قبل السفر بيومين يمرض الشيخ كتو مرضا خطيرا أقعده في المستشفى فلم نتمكن من السفر إلى الحج، وبقي الأمر يحز في قلبي، إلى أن جاء العام التالي، فكلفني الرئيس الشاذلي بنفس المهمة، ففكرت من آخذ معي، فخفت إن اخترت الشبخ كتو يمرض مرة أخرى، فجاهدت نفسي واخترته، ومرت الأمور بسلام، وذهبنا إلى البقاع المقدسة ، ويوم التروية كنا من بين الوفد الذي شارك في غسل الكعبة المشرفة ودخلناها وصلنا داخلها بعض الركعات، ولما همنا بالخروج من الكعبة كان بجواري الشيخ كتو فقلت له : الآن تحب تموت موت على روحك ...
المهم أن الشيخ استعاد بعض حيويته بعد تلك المزحة،
فقلت له : هل هناك أمر تطلبه مني
قال : جمعية العلماء عليها دين 160 مليون من المطبعة خاص بجريدة البصائر ولا أريد أن أموت وأترك عليها هذا الدين فكيف نسدده ...
مباشرة أخذت الهاتف واتصلت بالسيد ( ع.م. ) قلت له : فيه واحد يحب يكلمك ويدعي لك بالخير
الشيخ لا يعرف مع من يتكلم ، وصاحبنا أيضا لا يعرف
أخذ الشيخ الهاتف بعد السلام، بدأ المتصل به، يدعو له بالصحة والعافية وللأولاد والوالدين والزوجة والمال والدنيا والآخرة ...
لما انتهى الشيخ من الدعاء ، أخذت الهاتف، قلت لمتكلمي : هذا الشيخ عبدالرحمن شيبان ولكنها دعوات بالمقابل.
صاح صاحبي عبر الأثير، الله أكبر الشيخ شيبان !!!
وقال : أنتم تأمرون وأنا رقبتي سدادة ...
أخبرته عن ديون المطبعة، فتكفل بها ...
ثم استعاد الشيخ بعض حيويته ... وبعد سنة ونصف إنتقل إلى رحمة ربه ...
ربما تتاح لنا فرصة لندوِّن بعض ما عشناه معه ... وخاصة في خدمة :
الإسلام ... الجزائر ....فلسطين
هؤلاء قدوتنا ومعالمنا على الطريق
والله من وراء القصد
د. عبدالقادر سماري



