الدكتورعبد القادر سماري

يوم أمس الخميس،

يوم أمس الخميس،
كان من المقرر بعد جلسة عمل في (المدية) الذهاب إلى (الجلفة) لزيارة بعض الاصدقاء والأحباب هناك ... ولكن تشاء الأقدار غير ذلك ...
فماذا أكتب عن يوم أمس؟ وماذا أدع؟
- أأكتب عن تلك المناظر الخلابة على طول الطريق : اسطاوالي - البليدة - الشفة - المدية ثم تلك المناظر من أعالي (المدية) ، حين وقفنا على بوابة جامعتها المطلة على الجبال والوديان والتلال والغابات والوهاد ، ثم تلك التضاريس الممتدة على طول الطريق السيار عبر ولايات:
عين الدفلة - الشلف - غليزان - مستغانم - معسكر - وهران - عين تيموشنت وصولا إلى إقامتنا عند أحد الأصدقاء في ( بني صاف ) على ضفاف البحر الأبيض المتوسط، وقد أرخى الليل سدوله ... كل شيء فيكِ يا جزائر ساحر ... يشدني إليكِ ... ما أسعدني بين أحضانك ... أنتشي وأطرب بين أرضك وسمائك ... أستنشق هواك فتزول العلل ... صحيح فيك بعض أو كثير من العوائق والعلائق ... وفيك بعض الكدر ... ولكن الهوى غلاب ...
لا أجِدُ لك وصفًا إلا بما وصف أحدهم حليلته حيث قال :
(( كُلُّ ما فيكِ أجمل من كُلِّ ما فيكِ ))
حلل وناقش مع ضرب الأمثلة ؟
- أم أكتب عن تلك الوجوه الوضّاءة التي تَكَحَّلت عيناي بلقائهم والنظر إلى وجوههم، كلهم قَدِموا إلى ولاية التيطري، تلبية لنداء الشهيد المتمثلة في ( مشعل الشهيد )، فنستمع لآيات مرتلة من كتاب الله، ثم النشيد الوطني، ليتقدم السيد الوالي بكلمة حول الموضوع، ثم نستمع للسيد ( محمد عباد ) وهو يقدم لنا لمحة عن البرنامج الذي أعدته الجمعية للذكرى السبعين لاندلاع ثورة التحرير، وبعدها كانت مداخلة الاستاذ ( محمد حسن زغيدي ) ( منسق لجنة الذاكرة الوطنية ) حيث جاب وجال بنا في رحاب ( الولاية التاريخية الرابعة ) ، ويقدم لمحات عن الجزائر عموما وولاية (المدية ) على الخصوص، منذ عصور ما قبل التاريخ، مرورا بمختلف الاجناس والثقافات التي مرت من هاهنا، ليأتي الإسلام هاديا ويترسخ في هذا الوطن بكل معانيه الجمالية، ثم تستوقفه تلك المرحلة الأليمة التي عاشها هذا الشعب مع الاحتلال الفرنسي والمآسي التي قاساها منه، ثم البطولات التي كانت نبراسا للشعوب، ويربط بين التاريخ والحاضر والمستقبل، ويقدم جملة من نماذج الآثار المتواجدة في ولاية المدية المترامية الأطراف عبر بلدياتها التي تجاوزت الستين بلدية، آثار العلماء والمصلحين والثوار والمجاهدين التي يجب أن تكون معالم تُزار ومحطات يُرجع إليها ليُهْتدى بها ... حتى لا ننسى ... كلمة الاستاذ زغيدي عبرت بصدق عن مكامن أنفسنا من الذاكرة ومتطلباتها ... ثم كانت جلساتنا ونقاشاتنا مع ثلة من ألناء هذا الوطن الأوفياء نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر :
الاستاذ سعيد مقدم
المجاهد عمي فؤاد أحمد شعواطي
حضرة المجاهد اللواء بن قرطبي ... وآخرون
أما الشخصية المحورية في تظاهرة الأمس، فكانت ذلك الرجل الذي عرفته قبل أكثر من أربعين سنة، مناضل لا يعرف الملل، وطني لا يراوده شك، متدين لا يعرف الزلل، خدوم يبذل الغالي والنفيس،
عرفته ونحن شباب، يكلمنا عن الوطن والوطنية، عن التديُّن والمرجعية، عن الجهاد والتضحية، لم يكن مؤرخا ولا عالم شريعة ولا إماما واعظا ولم يكن من رعيل ثورة التحرير فلقد كان طفلا أثناءها ... ولكن أصوله وعائلته ومحاضنه ومجالساته جعلت منه شابا فكهلا ثم على أعتاب الشيخوخة متشبعا بالإسلام السمح والوطنية الصادقة والنضال الدائم والمستمر ... إنه الآخ الاستاذ ( مراد بن ساري ) حفظه الله ... الذي استرجعنا معا خلال يوم أمس ذكريات عشناها معا، وتذكرنا رجالا كانوا بالأمس معنا واليوم هم هناك ... في البرزخ ...
- أم أكتب عن الجولات التي قمنا بها في الحي القديم لمدينة (المدية) حيث سقطت اول شهيدة بالمدينة في ثورة التحرير ... أتدرون كم كان عمرها ؟
لم تتجاوز الخمس سنوات ... أنها الطفلة ( فطيمة الزهراء حمايمي) التي سَمت وارتقت روحها تحت نيران الاحتلال الفرنسي ... ما أشبه اليوم في فلسطين بالأمس في الجزائر ،
ثم زيارتنا لمقر ( الأمير عبدالقادر ) والتعرف على مساراته التاريخية وما يحمل من دلالات،
وبعدها زيارة ( متحف المجاهد )، الغني بالشواهد والثري بالمذكرات، استوقفني فيه شيء لم أكن أعرفه :
5 جانفي 1948 تم الإعلان عن تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي في القاهرة حضر عن الجزائر الدكتور ( محمد الأمين دباغين ) حيث نص البند الأول لهذه اللجنة على :
(( المغرب العربي بالإسلام كان وللإسلام عاش وعلى الإسلام سيسير في حياته المستقبلية)) ... وهكذا سيكون بإذن الله كال الزمن أو قصر ...
ثم كانت لنا جولة في الجامعة ... منارة العلم والايمان وباب الولوج إلى السيادة والريادة
- أم أكتب عن تلك الجلسة، قبل الفراق ،حيث طلب مني بعض آبائي المجاهدين تقديم رؤيتي حول أوضاع أمتنا عموما وأوضاع وطني على الخصوص، فربطت كيد الأعداء بِوَهَننا وتقاعسنا، ورحت أخط متطلبات النهوض وآفاق المستقبل وملامح الأمل ...
- أم أكتب عن لحظات الفراق والوداع بعد ساعات من التدارس والتناصح، بين رجال ونساء لم تجمعهم تجارة أو مصاهرة أو مصالح زائلة ... بل جمعهم حب هذا الوطن وخدمة أهله وبنيه ... لحظات الفراق ليرجع كل واحد إلى ما يستطيع القيام به.
- أم أكتب عن الخبر الذي وصلني وأنا في الطريق نحو الغرب الجزائري، حيث تم ، بتوفيق الله، ودعم بعض المحسنين، وصول كل التجهيزات الخاصة بالدخول المدرسي لضيوف الجزائر، أبناءنا القادمين من أرض الرباط المتمدرسين في جميع الأطوار ...
ولقد هممت بوضع الصور والفيديوهات وهم كلهم فرح وسرور ، وغبطة وحبور ، وقد تدافعوا لركوب الحافلات المخصصة لهم للذهاب إلى المدارس كل حسب مستواه ... منعني من ذلك الشرف والأدب والاحترام ... دعواتكم لهم ... ودعواتكم للمحسنين ... ودعواتكم للمجاهدين ...
- أم أكتب عن تلك الاتصالات التي قمت بها عبر الهاتف مع الأحباب والأصدقاء ببعض ولايات الغرب الجزائري التي ستكون لنا محطات توقف بها خلال الأيام القادمة، منهم من تيسرت مكالمتهم ومنهم من أرجأناها لهذا الصباح بإذن الله،
لن أنسى كلمات الترحيب والود والإخاء ...
- أم أكتب عن صاحب المكان الذي استضافني فيه صاحبه، صديقنا (جمال) بفندق ( مدريد ) على ضفاف شواطيء ( بني صاف )، هذا الرجل، عرفته قبل عشر سنوات عاملا جادا مجتهدا، مان هذا المكان متواضعا جدا، بسيطا، بعض الغرف والقليل من الوسائل، ولكن مع الجد والاجتهاد والعمل الدؤوب يصلح فندقا من الطراز المحترم ب ثلاث نجوم، ومسبح، وحمامات وشاطيء عائلي ... أنصح أصدقاء هذا الفضاء بزيارته والتمتع بإطلالاته والاستفادة من خدماته ...
أما اليوم الجمعة سنكون بإذن الله في ( تلمسان ) ثم (مغنية) ثم نرجع إلى (عين تيموشنت) ثم (وهران) ... ثم الله أعلم ...
معذرة لم أستطع أن أكتب كل حاجات قلبي وما تحمله ذاكرتي وما يمكن أن يستفاد به من هذه الرحلة ...
جمعة مباركة للجميع
والصلاة والسلام على الهادي الشفيع .
د. عبدالقادر سماري