الدكتورعبد القادر سماري

الساعة منتصف النهار عندما خرجنا من وهران، حاول الشيخان إبقاءنا للغداء، شكرناهم وإعتذرنا وتوكلنا على الله،

الساعة منتصف النهار عندما خرجنا من وهران، حاول الشيخان إبقاءنا للغداء، شكرناهم وإعتذرنا وتوكلنا على الله،
ركبتُ السيارة، كنت وحدي، لأن الذين رافقوني اعتذروا ...
دعاء السفر
ثم : صلوات وسلام على الحبيب المصطفى
ثم : حديث النفس للنفس،
عادةً لما أكون في السفر وحيدا، أعتبرها خلوة ،
مع ذاتي،
مع خالقي،
مع الماضي أين أصبنا وأين أخطأنا
مع الحاضر ماذا يحب أن نفعل
مع المستقبل كيف نتهيأ له
مع الأموات أترحم عليهم، وننتظر اللحاق بهم
مع المرضى أدعو لهم بالشفاء العاجل
مع إخوتي وأخواتي
مع أبنائي وإبنتي
مع أحفادي،
مع الأحباب والأصدقاء
أستحضر الجميع، هل أخطات في حق هذا، وهل أسأت لذاك، وهل الآخر يحتاجني ... الجميع لهم مني كل أخلص الدعوات، ومَن أسأت له أتمنى أن يسامحني، ومَن أساء لي فله متي كل السماح والعفو ...
دعاء الرابطة مع استحضار أطيافهم يبعث الطمأنينة والسكينة والأمل ... ولكن يستحيل إيقاف الدمعات والعبرات التي تتنزل من المقلتين على الخدين وقد هامت الروح شوقا وحنينا ...
وخلال الطريق ...
من وهران إلى مستغانم على الطريق الساحلي 80 كيلومتر ،
متجهين شرقا
على اليسار البحر الأبيض المتوسط،
وعلى اليمين الأرض الطيبة ( الجزائر )،
مناظر خلابة :
سهول،
هضاب،
جبال،
أودية،
شطآن،
خلجان(جمع خليج) des baies
مرتفعات،
منخفضات،
كل ما هو طبيعي، جميل وفاتن، إنه منحة الله المنان ...
ولكن يا للأسف : تهيئة عمرانية سيئة، رديئة، أوساخ،
تذكرت مقولة قالها أحد الفرنسيين بعد أن خرجوا مطرودين خائبين:
لقد قال :
(نحن الفرنسيين عرفنا ماذا خسرنا ولكن الجزائريين لم يعرفوا ماذا ربحوا )
Nous, Français, savions ce que nous avions perdu, mais les Algériens ne savaient pas ce qu'ils avaient gagné.
لما سمعت هذه المقولة أول مرة سقطت عليّ كالصاعقة ... ولكن منذ ذلك الحين وأنا أستذكرها في كل مكان، لهذا السبب آهاتهم لفقدان الجزائر لم تتوقف، حسرتهم والغل الذي في قلوبهم ونفوسهم لا ولم ولن تمحيه السنين...
ثم أقول :
الجزائر يمكن أن تكون أفضل من هذا الذي هي عليه،
كل المقومات والمكونات موجودة لتصبح الأفضل والأجمل والأكثر ازدهارًا.
Tous les ingrédients sont là pour qu'elle devienne la meilleurs, la plus belle et la plus prospère .
تمتعت بالجولة من حيث المناظر، ولكن في القلب حسرةٌ وألم، وفي العقل تشويش وألف ألف سؤال :
أين الخلل ...
لماذا ...
وكيف ...
ومتى ...
ومَن ومع مَن ...
من أين نبدأ ...
كثير من الأجوبة لي عليها جواب،
وكل جواب يُتبع بسؤال، بل وبأسئلة ...
والقضية في الأخير : في الرحال والنساء ...
(( كل بلاد عيبها على رجالها ))
تذكرت مقولة عمر بن الخطاب حين قال لجلسائه : تَمَنَّوْ !
فلما تمنى كل واحد شيئا من متاع الدنيا،
أنكر عليهم ما تمنوا، وقال :
أما أنا فأتمنى أن يكون معي أمثال أبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وسالم ... لأستعين بهم.
تذكرت أيضا قوله :
اللهم إني أعوذ بك من عجز الثقة وجلد الفاجر ...
تذكرت أيضا في إحدى اللقاءات، عرض الشيخ محمد بوسليماني، رحمه الله، نظرتنا لإصلاح وتنمية وتقوية الجزائر، تقدم منه أحد الرجال الأفاضل، وقال له : والله عندكم نظرة رائعة، فلو كانت عندي وتعكوني ط معها أمرين فقط لذهبت بالجزائر بعيدا نحو الأحسن
قال له الشبخ بوسليماني : وماذا تريد لنعطيه لك ؟
قال السيد : الرجال والمال وأعمل المستحيل
قال الشيخ : السعي والجري انتاعنا هو لنجد الرجال ، والرجال يجيبوا كل شيء ... انتهى الحوار ...
قاربت الرحلة على الانتهاء ...
قلت في نفسي : الجزائر قادرة وممكن تكون أفضل، وسنعمل من أجل ذلك، هذا قدرنا وقدرها ...
وصلت إلى مستغانم، لؤلؤة البحر المتوسط،
البداية نحو ( جامعة الإمام عبد الحميد بن باديس ) ، في الناحية الشرقية من المدينة،
قيل لي خذ الطريق الساحلي، طريق الميناء، وتبع الترامواي نحو الشرق ستجدها، المنطقة اسمها ( خروبة ) ...
موقع الجامعة رائع، لولا الخوف من الإطالة لقدمت للأصدقاء لوحة نثرية وتصوير يدفعك إلى زيارتها ... ولكن لا أطيل ...
الموعد الاول في مستغانم، كان في الجامعة مع صديق قديم، عرفته قبل ما يقارب نصف قرن، 46 سنة، في مقاعد الدراسة، السنة الأولى جامعي بجامعة سطيف، جذع مشترك ، ثم هو تخصص في الرياضيات لينال كل الشهادات، وصاحبكم تخصص في الكيمياء الفيزيائية ... رغم اختلاف التخصص فكانت علاقتنا قوية،
كان له صوت العندليب، رخيم، حسن، ينتقل به كيف يشاء بين المقامات، كان مؤذنا في مسجد الحي الجامعي وكنت أخلفه حين يغيب، ثم أصبح إماما خاصة في صلاة التراويح، وكان يدعى لمساجد مدينة سطيف والمدن والقرى المجاورة، وأي مسجد يذهب إليه لا تجد مكانا إلا إذا بكرت ...
بعد التخرج، أصبحنا جيران في السكن، في سطيف ... ثم هو غير الجامعة ...
علاقتنا لم تنقطع أبدا، علاقة حب وأخُوَّة في الله... لو استرسلت في ذكر هذه العلاقة لكانت كتابا طويلا ... المهم استقبلني في مكتبه، استرجعنا ملامح الماضي، ثم تذاكرنا في الله وفيما يخدم ديننا ووطننا ...
الموعد الثاني مع أخوين فاضلين، (محمد شاشو، وبلقاسم بلعباس)، الأول ( شاشو) تعارفنا أواسط التسعينات في حركة المجتمع الإسلامي التي أصبحت فيما بعد ( حركة مجتمع السلم ) توطت أكثر لما أصبحنا في البرلمان، ثم تقوت سنة 2006 لما كنت رئيس الكتلة البرلمانية للحركة، إختلفنا في بعض المقاربات السياسية ولكن علاقتنا الأخوية لم تتأثر بذاك الاختلاف وعلاقتنا لم تنقطع،
أما الثاني الاستاذ ( بلعباس ) فقد تعارفنا في المجلس الشعبي الوطني، حيث كنت نائبا عن الحركة، وهو نائب عن ( جبهة التحرير الوطني ) إشتغلنا كثيرا في لجان المجلس، ولكن عملنا عرف تقاربا أكثر لما كان هو رئيس اللجنة البرلمانية للعلاقة الجزائرية - الفرنسية وكنت نائبا له، كان عملنا يتلخص في الدفاع المستميت عن مصالح الجزائر، لم نترك أي فرصة أو تظاهرة مشتركة بين البلدين إلا وكانت الجزائر حاضرة بتاريخها وثوابتها وقيمها ومصالحها، وجدت في الرجل ذلك الجزائري الأصيل المفتخر بوكنيته المتمسك بدينه...
الجلسة معهما كانت حميمية، استرجعنا الماضي وذكرياته، ثم انتقل بنا الكلام إلى العمل السياسي في الجزائر، وعن حالة الأحزاب، والمستوى الفكري والنضالي، وعن التنمية وعن الآفاق المستقبلية للجزائر في ظل التحولات والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية
لم يَخْلُ لقاءنا من النكت والطرائف والملح، خاصة عن بعض الأحداث التي عشناها معا خلال السنوات الخوالي، ثم كان كرما منه حيث استضافني في فندق ( المنصور ) وهو فندق ذو الأربع نجوم، يقع مقابل شواطيء البحر ( الصابلات )، أنصح به زوار مستغانم ...
بعد صلاة المغرب زارني مجموعة من الأحباب والأصدقاء الذين تعارفنا معهم قبل سنوات لما كنت رئيس النادي الاقتصادي الجزائري، على رأسهم أخي العزيز ( محمد سلطان ) حفظه الله، وعمي ( الطاهر بن محمد ) و ( السنوسي ) وآخرون، كلامنا كان متمحورا حول التسيير العام والقضايا الاقتصادية، فرغم بعض الإيجابيات، إلا أن هناك سلبيات منها على الخصوص :
- البيروقراطي التي تبقى هي سيدة الموقف في تسيير الشأن العام
- عدم الشعور بالمسؤولية لدى الكثير من المتنفذين
- إشكالية تقديم الولاء على الكفاءة
- القرارات الارتجالية وعدم وضوح الأهداف والاستراتيجيات وصبابية الآفاق المستقبلية
- إنسحاب النخب والكفاءات الطوعي أو تحت الاكراهات الاجتماعية
وكعادته عمي ( الطاهر بن محمد ) يقدم الانتقادات لجرأته الفائقة ويتبعها بأمثلة واقعية وينهيها بنظراته للحلول والبدائل ...
وفي السهرة جاء الاستاذ ( شاشو محمد ) وكان فتبادلنا الآراء وكان نقاشا عميقا حول قضية واحدة ، ربما سيحين الكلام عنها في فرصة أخرى ...
صبيحة أمس، حان وقت السفر، والرجوع إلى العاصمة،
فبعد مكالمة مع أخي ( بن عودة بوسعيد )نائب رئيس مجلس الشورى الوطني، الذي لامني عن عدم اصطحابه معي في هذه الجولة، تواعدنا أن أزوره في ( غليزان )، توكلت على الله، واسقليت السيارة نحو العاصمة ، على أمل أن أتوقف عندهم في (غليزان) ...
وحيث أنني كنت وحدي،
و بين السياقة والتمتع بالمناظر وحديث النفس للنفس ، لم أستفق حتى وجدت نفسي أمام لوحة في الطريق السريع مكتوب عليها ( بوقادير ) ... علمت حينها أنني تجاوزت المُحَوِّل المؤدي إلى ( غليزان ) ... عاودت الاتصال بالاستاذ ( بن عودة ) شرحت له كيف تجاوزت المحول، اعتذرت له ، وأكملت الطريق إلى العاصمة ... والحمد لله رب العالمين ... إذا يسر ربي سنقدم منشورا حول فوائد ودروس هذه الرحلة ... والله من وراء القصد .
د. عبدالقادر سماري