في الجزائر منارات هدى يُستضاء بها فلا تغفلوا عنها !
في الجزائر منارات هدى يُستضاء بها فلا تغفلوا عنها !
لا تفقد الأمة بوصلتها ما دام فيها أمثال هؤلاء الرجال !
ولن تضيع الأوطان إن نحن أحسنا إقتفاء الآثار !
وفي هذا المنشور بعض منهم
سبعة معالم زرناهم بالأمس وأول أمس في وهران الباهية،
سبعة مراجع بذلوا الغالي والنفيس خدمة للدين والوطن،
ورغم تقدم السن مازال همهم وغايتهم تحقيق الخيرية للأمة،
كلامهم حِكم،
نظراتهم أمل،
إشاراتهم دفع نحو العمل،
لهم الفضل، بعد الله، في المحافظة على القيم وسيادة الدين ورِفعة الوطن،
كل واحد من هؤلاء لي معه قصص وحكايات،
بعضهم قاربت علاقتنا الاربعين سنة،
لم نلتق لِرَحِمٍ بيننا، ولا تجارة تجمعنا، ولا مصالح من متاع الدنيا تهمنا،
سارعنا الخطو لنُكَحِّل أعيننا برؤياهم، خرجنا من (عين تيموشنت ) نسابق الزمن، بعدما تواصلنا مع الاخ الاستاذ ( سيدي عمار سوعاجي ) رئيس المكتب الولائي لوهران، كنا ثلاثة :
صاحب هذه الكلمات
الاستاذ لقشيشي صائب الذي رافقنا من العاصمة،
والاستاذ الإمام عبدالله غالم الذي أبى إلا أن يكمل معنا محطات التواصل مع الأماجد، رغم مشاغله، خاصة بعد أن أخبرته بأننا سنلتقي ( محمد مسلم وجعفر ) فقال لي منذ 1987 لم ألتق جعفر، فازداد حماسة ...
موعدنا كان ( دوار الباهية ) الذي وصلناه على الساعة العاشرة والنصف من صباح أمس السبت،
وجدنا ( سيدي عمار) ،
ملاحظة : كل من إسمه ( عمار ) أناديه ( سيدي ) لأستشعر معية روح ( سيدي عمار ) رحمه الله،
وجدناه في إنتظارنا مع الآخ الاستاذ ( رشيد ) عضو المكتب الولائي وهران ل ( جمعية البركة)
بعد تبادل السلام والتحايا وبث الاشواق، جلسنا نضع برنامج الزيارات ...
وكانت البداية في مقر جمعية البركة، لزيارة رئيس مكتبها الولائي وطاقمه، وجدناه في انتظارنا، وقد تكاثرت بين يديه أعمال الدعم للقضية، ومساعديه من رجال ونساء كالنحل في السعي والجد والترتيب،
لازال كما عرفته قبل أربعين سنة، هادئا، مبتسما، متواضعا، حييا، صموتا، ترى في عينيه الأمل، وتحس معه بالراحة والطمأنينة،
بدأت لقاءاتنا في عهد السرية،
لما كانت تجمعنا جلسات الذكر والمأثورات، وموائد التعارف والفهم والإخلاص والعمل والأخوة والتضحية،
له، مع إخوانه، بصمات لا ينكرها أحد، في الغرب الجزائري، حيث خلف أخاه ( مداح رحمه الله) منسقا للغرب الجزائري، في مكتب الجماعة، ثم المكتب الوطني للحركة المجتمع الاسلامي، وبعدها تفرغ لولاية وهران، حيث أصبح ممثلا لها في مجلس الشورى الوطني، ثم نائبا عنها في المجلس الشعبي الوطني،
مجالسته، مخالطته، رؤيته تجعلك تحس بالتقصير تجاه الدين والوطن، فتندفع للعمل مهما كانت الظروف، إنه الآخ الاستاذ ( عبدالعزيز سجراري ) حفظه الله، جلستنا معه كانت منطبعة بطابعه،
هدوء ، رزانة، كلام قليل، تناصح، دعاء،
جددنا العهد بكلمات لم تنطقها ألسنتنا، ولكن رفعتها عاليا أرواحنا،
توادعنا وانطلقنا نحو جبل ثان من جبال الجزائر الراسيات ...
في قلب مدينة وهران، عند عمي (الحاج محمد) حفظه الله، عرفته قبل سنوات، وكلما قدِمت إلى وهران زرته في بيته،
وجدنا إبنيه ( محسن و فريد ) في إنتظارنا، عند باب المنزل،
محسن أعرفه ونتواصل دوما،
أما (فريد ) فلم أره من قبل، إستقبلني بالحضن، سائلا عن أحوالي وظروفي، يعرفني جيدا بل ويعرف بعض خصوصياتي،
حاولت أن أعرف كيف فلم أفلح، قلت لعل عمي محمد أو محسن كلماه عني، فقال : لا ..
المهم دخلنا فناء المنزل، ثم دلجنا إلى قاعة الضيوف التي أعرفها جيدا، وأعرف زواياها، حيث عرفت خلال زياراتي السابقة، بأن في هذا المنزل كانت تعقد بعض لقاءات قادة ثورة التحرير الوطني أمثال : بوصوف، بن طوبال ، الهواري ... وآخرون
بعد دقائق من الانتظار، دخل عمي الحاج محمد،
كالعادة أناقة وشياكة وابتسامة ومد اليد للحضن،
ثم السؤال المعهود : وينك غبت علينا طولت !
بعد السلام والاكمئنان عن الأحوال قدمت له مرافقي وأصحابي الآخرين، ثم دارت علينا كؤوس الشاي وصحون الحلويات والمكسرات، وانطلقنا كأننا في جلسة عمل رسمية، وبدأ عمي محمد في إستحضار لمحات من التاريخ البعيد، والماضي القريب والسنوات الأقرب،
قارب التسعين سنة ولكنه مازال يفعم بالحيوية والذاكرة المتجددة،
حدثنا عن بداياته في ثورة التحرير حيث كان ممرضا في جيش التحرير الوطني، ثم مع الاستقلال ينخرط في الدراسة والتدريب ليصبح طيارا، قام بمهام كثيرة وأعمال جليلة،
ثم كلام عن جده وأبيه وإخوته،
قلت : ما أحوجنا إلى معرفة بعضنا البعض، وما أحوج شبابنا لينهل من هذه المنابع ... تشعب بنا الكلام ،
ثم حان وقت الانصراف، حاولوا إبقاءنا للغداء ، اعتذرنا، طلبت من الشيخ الإمام ( عبدالله غالم ) أن يدعو لنا، فحادت قريحته بدعوة تمنيت لو سجلناها: لأهل البيت للأب والأم والابناء والأحفاد، للجزائر شعبها، شبابها نساؤها رجالها علماؤها حكامها، لفلسطين وغزة، للأمة كلها والبشرية جمعاء ... قبل الانصراف طلبنا من عمي محمد دعوة فكانت بكلمات قليلة : روحو راكم رابخين دنيا وآخرة ... خرجنا، انبهر أصحاب بما تحويه الجزائر من درر نحن غافلون عنها ... ثم كانت وجهتنا نحو الجهة الأخرى من مدينة وهران،
وصلنا مكان الموعد عند صلاة الظهر، كان في انتظارنا داخل المسجد حيث أدينا الصلوات،
عمل معه الزمان عمله،
وقارٌ بشيبٍ قد غزى كل شعرة من رأسه، ولكنه هو هو بملامحه وابتسامته وجسمه الذي اتبعه المرض ولكنه مقاوم صبور ،
قبل أشهر توفيت والدته رحمها الله، كنت مسافرا، تواصلت حينها معه، وعَزَّيته ووعدته بالزيارة في أول فرصة تتيحها الأقدار، وها هي الفرصة تحين فاغتنمناها، والحقيقة ليس هذا هو سبب الزيارة فقط، بل السبب الأساسي والجوهري هو الوفاء لرجل بذل طفولته وشبابه وكهولته خدمة للإسلام وللجزائر،
مدن وقرى وبلدات وولايات الغرب الجزائري وكذا الجنوب الغربي تعرفه وتعرف عطاءاته وبذله وتفانيه في خدمة القيم والمبادئ ونشر الدعوة،
فلقد كان، بِصِدْقٍ، سليم العقيدة صحيح العبادة متين الخلق عميق الفهم دائم العمل والتضحية،
له بصماته وآثاره في طلبة جامعة وهران خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، القادمين لها من مختلف الولايات،
فكم من شاب وشابة أنقذهم من الفكر المنحرف والسلوك المتهور، فكان داعيا إلى الخير ، آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر،
كل ذلك بأدب جم وخلق رفيع،
تعارفنا منذ وقت طويل ، لا أذكر حتى بداياته، في فرنسا ثم في الجزائر،
توطدت علاقتنا أكثر داخل التنظيم مع الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله، جمعتنا المجالس والندوات والمؤتمرات، نقاشاتنا كانت ساخنة، نتوافق مرات ونختلف أخرى،
وأكثرها حرارة كانت بعد سنة 1988، حين بدأت مظاهر الانفتاح والتعددية تظهر، ثم بعد دستور فبراير 1989 تباينت الرؤى واختلفت المقاربات وتعددت التوقعات والاحتمالات،
قضينا سنتين نقاش وحوار بما مجموعه 87 ساعة، كثير منها مدون في كراسات وأوراق مبعثرة،
المهم رغم تضارب وجهات النظر بقي الود والحب والأخوة في الله، لم تتكدر بإختلاف، ولم تتغير بتناقض الآراء،
وهنا وجب ذكر بعض الأسماء ممن كانت أخلاقهم وسلوكهم أعلى من أي مستوى بشري عرفته في حياتي في آداب الاختلاف، ليس نظريا ولكن عمليا ومعاملاتيا، منهم على الخصوص :
الاستاذ عبدالسلام قطوش،
الاستاذ الدكتور محمد مسلم،
الاستاذ الدكتور جعفر،
الاستاذ صالح غواطي،
الشيخ الاستاذ شرفي الرفاعي رحمه الله،
الاستاذ الدكتور عبدالحق منصوري،
الاستاذ الدكتور عبدالعزيز الهواري،
الاستاذ محمد صحراوي ،
الاستاذ محمد قورين،
الاستاذ سالم محتوم،
الاستاذ جمال كفي،
الاستاذ ابراهيم معتوق، ... وآخرون الله يعلمهم ... لم يتسببوا في فتنة ولا في زعزعة صف ولا ارجاف ...
المهم نرجع للقائنا مع صاحبنا ومضيفنا، وهو الاستاذ الدكتور ( جعفر ) حفظه الله، المتخصص الاقتصاد والذي تخرج على يديه عشرات بل مئات الطلبة والأساتذة والباحثين ،
لم تطل زيارتنا، لقد كان على عجل، لموعد سابق ضربه مع أحدهم،
المهم كانت جلسة قصيرة ولكنها طيبة مفعمة بنظرات المحبة والدعوات المتكررة والمتتالية، تذاكرنا عن الأحوال والصحة والمستجدات، ثم توادعنا وافترقنا على أمل اللقاء في وقت أوسع وظروف أفضل ...
حان وقت الغداء،
في وهران السمك جيد وخاصة في أحد المطاعم الذي نسيت الآن إسمه وقد زرته عدة مرات .
بعد الغداء، إستأذن الاستاذ لقشيشي للرجوع إلى العاصمة، فأذنا الله ...
وبقينا نحن الأربعة لنتجه نحو مسجد البدر حيث كان في انتظارنا الإبن البار والشاب الخلوق ( أنس ) ليأخذنا إلى بيت والده،
هذا الوالد الذي قارب التسعين سنة من عمره، من مواليد 1939، خريج جامعة فاس، ثم جامعة الزيتونة، ثم دروس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، صقلته ثورة التحرير ضد فرنسا المحتلة، ومحَّضته سنوات النضال في الجزائر المستقلة ضد المد (الفرنكو شيوعي) الذي كاد يطغى على مظاهر الحياة، لولا الرجال والنساء من أمثال شيخنا ومضيفنا، تعرفه مساجد ومدارس ومعاهد الغرب ، ثم كل مدن جزائرنا الحبيبة، وتعداها إلى أقطار عربية وأوروبية في البعثات التي كنا نبعثها هنا وهناك، ولكن أثره الابلاغ كان في مدينتي ( عين تيموشنت و وهران ) وخاصة مسجد ( زين العابدين ) الذي كان مصنعا للنساء المؤمنات الملتزمات، وقد تخرج منه على يدي الشيخ مئات بل آلاف الحافظات لكتاب الله، ناهيك عن دروسه وكتاباته المتميزة ، بالإضافة إلى مساهماته في المؤتمرات والمخيمات والندوات ،
أما الحدث الذي سيبقى راسخا في ذهني فكان خلال المأساة الوطنية، في إقامة (جنان الميثاق)، دعينا إلى المشاركة في الحوار الوطني الذي كانت تشرف عليه لجنة الحوار التي يرأسها الدكتور العقيد ( يوسف الخطيب ) رحمه الله، وكان ضمنها عدد من الشخصيات الوطنية من بينهم ( 3 جنرالات الطيب الدراجي، محمد تواتي، أحمد صنهاحي رحمه الله ) أثناء الحوار، وقد تجاوزت الساعة العصر من ذلك اليوم، طلب منا الشيخ أن نتوقف عن الكلام، ورفع يده وبصره إلى السماء ثم بدأ يقرأ قوله تعالى ( أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضهن ما يرسلهم إلا الرحمن إنه بكل شيء بصير، أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن ... ) رفعنا أبصارنا فوجدنا أسراب من طائر الزرزور ترفرف حولنا ، وراح الشيخ يفسر الآية، منبها ومحذرا ، كانت موعظة بليغة ...
نرجع للزيارة ...
قيل لنا بأنه مريض وربما لا يعرفنا، دخلنا المنزل مسبوقينا بنجله،
أعرف جيدا هذا المكان الذي آوانا عدة مرات قبل سنوات ،
قلت : مباشرة، لا تصعدوا السلم، انحرفوا إلى اليمين قليلا وباب الصالون يقابلكم على الشمال ...
دخلنا غرفة الاستقبال، والشيخ في مقامه السامي، بنوره الوضّاء يتلألأ ، ٱقتربت منه، أقرأته السلام بصوتي المعهود، وقبَّلت جبينه،
وقلت : هل عرفتني يا شيخ،
نظر إلي مبتسما، وقال : لباندي سيدي عبدالقادر
وباستغراب، ضحك الجميع حتى علت أصواتهم، وتقدموا واحدا تلو الآخر للسلام والتحية ،
ثم جلسنا نتبادل الاشواق والدعوات والسؤال عن الأحوال والأهل والاولاد والأخوة والجزائر ...
ذكَّرته بمحطات عشناها معا، في العاصمة، وفي سطيف، وفي الوادي ، وفي وهران ... نبتسم حين نذكر بعضها لما فيها من نكت ومُلح وطرائف ، وتسبقنا العبرات والدمعات عند أخرى،
استذكرنا معا الأيام الخوالي وخاصة البدايات،
أردت ممازحته قلت له: أتذكر ليلة كنا في بيت (أحمد الجزار ) في بلكور ، أنا وأنت والشيخ عبدالهادي سايح بعد لقاء مجلس الشورى الوطني وكنتَ أنت رئيسه
قال : هات قل لي
قلت :نمنا في غرفة واحدة ، استيقظنا صباحا، صلينا ما كتب الله، ثم أممتنا لصلاة الصبح، وجلسنا للمأثورات ثم الورد القرآني
آويتَ انت والشيخ عبدالهادي للفراش لتنالا قسطا من الراحة، كانت الساعة السابعة صباحا إلا ربع، قلت لكما الآن أنا عندي وردي الخاص إذا سمحتم ( هنا تبين بل ضحك الشيخ كأنه قد تذكر ثم قال بصوت مبحوح أكمل ) ،
فاستطردت : قلتما نشاركك فيه فما هو ، فتحت التلفاز، وبدأت حلقة من حلقات
( طوم وجيري ) ... وهنا تبسم الشيخ الإمام وانفرجت أساريره، كما ابتسم ، بل وضحك الحضور ، ثم بدأ الحضور يسردون علاقتهم بالشيخ ... وحان موعد المغادرة، طلبنا من الشيخ الدعاء، رفع يديه وقال : باسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ، اللهم يا رب هؤلاء إخواننا جاؤوا لزيارتنا ... وانفجر بالبكاء، بكينا معه ... ثم بعد دقائق إسترجع أنفاسه وأكمل الدعاء ... إنه الشبخ الإمام الاستاذ ( نعيم رحالي ) حفظه الله ورعاه وأمده موفور الصحة والعافية... ودّعناه وانطلقنا نحو المعلم الخامس ...
وصلنا حي كلارفال عند آذان العصر، إستقبلنا من بعيد،
هو كما عهدناه، أنيق، دقيق،
إنه الاستاذ (محمد مسلم )، بعد صلاة العصر، اصطحبنا إلى بيته، أخذنا اماكننا في قاعة الضيوف، وبدأ في تقديم الاكراميات، مشروبات ومكسرات ... جلس بجانبي والأخوة الآخرون مقابل لنا، نظر إلي مرحبا بكلمات كلها حب وود وشاكر على الزيارة ، ثم بِجُملٍ مهذبة قالها وكأنه يطلب أي موضوع نتكلم فيه،
أعرف أن الرجل نهر يتدفق بالعلم والحكمة والمعرفة، فقلت له : زيارتنا خالصة لوجه الله حبا ووفاء، ولكن هناك موضوع لو تحدثنا عنه بما حباك الله من تجربة وعلم
قال : وأي موضوع
قلت : الجزائر بعد الاستقلال في وضع لم يكن سهلا، كانت تتقاذفها الأفكار المتناقضة والرؤى البعيدة عن تراثنا وثوابتنا، وبفضل الله ثم جهود العاملين والمصلحين والمخلصين إسترجعت الكثير من قيمها وثوابتها ومبادئها، ثم حدث الذي حدث، وكادت الدولة تزول وتنهار، ولقد شاركنا بما نستطيع مع المخلصين في تجاوز تلك الازمة، والحمد لله مرت بسلام رغم ثقل الفاتورة، والآن نحن نرى في الواقع أمرين متناقضين، فمن جهة مظاهر التدين والحرية وكثرة المساجد وعشرات الجامعات ومختلف الأنشطة والتظاهرات، ولكن في المقابل انتشار المخدرات وقضايا الفساد المالي والإداري وسوء التسيير والأمراض الأخلاقية ... فما هو دورنا ؟
وكما قلت، الرجل نهر يتدفق، وبحر بلا قاع ولا شطآن، وهو متخصص في التربية، فراح يتكلم عن الجزائر، وعن الشعب الجزائري، وعن بداية الصحوة وانتشارها، وعن بداية التنظيم للجماعات العاملة في حقل الدعوة، وعن خصائص ومميزات رجال مرحلة السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وعن مجهودات التربية والتكوين، ثم توقف عند بداية الانفتاح السياسي، وتباين المواقف من تشكيل الاحزاب، وشرح وجهة نظره في ذلك الوقت والتي كانت تدعو إلى التريث والحذر وضرورة استكمال متطلبات الانفتاح والعمل على تحقيق شروط الولوج في السياسة،
من حين لآخر كان يتدخل أحدنا، مستفسرا أو مضيفا لما يقول،
ثم جاء الكلام عن الوضع الراهن، بتشعباته وافرازات تراكمات الماضي القريب والبعيد،
وخلصنا إلى جملة من الضروريات منها على الخصوص:
- الرجوع إلى المنبع الصافي للتربية والتكوين وتجسيد منظومة الفهم والإخلاص والتضحية والتجرد والأخوة والعمل لدى الأفراد والأسر
- أن نعيش الواقع بكل تداعياته ومتطلباته ولكن وفق ما يقتضيه ديننا وشرعنا وثوابت أمتنا.
- فهم التدافع في العمل السياسي والتنافس على السلطة ووضع آليات حفظ الدين وسلامة المواطن وتنمية الوطن ...
مع العلم بأن الاستاذ الدكتور (محمد مسلم ) الذي كان منسق الغرب الجزائري مع الاستاذ جعفر، إلى غاية المؤتمر التمهيدي وقرار إنشاء الحزب، فإنه بقي وفيا لما آمن به عاملا لدعوته ودينه ولم يتسبب في أي خروقات للجماعة أو تشتيت للصف أو إرباك للأفراد ... كانت جلسة :
علم وفهم وتخطيط ورؤى مستقبلية لواقع ومستقبل الاسلام والجزائر ... حان وقت المغادرة فلم نستطع توديع بعضنا البعض وبقيت أيادينا متماسكة ... لحظة من لحظات الصفاء والحب والوفاء ... ولكن يجب أن نغادر ... خاصة أن أخانا ( عبدالله غالم ) يحب أن يرجع تلمسان لأن والدته مريضة ولا يستطيع أن يغيب عنها أكثر من ذلك ... توادعنا جميعا ... أما أنا فقد كنت مدعوا عند إبن أخي في أحد أحياء وهران حيث قضيت الليلة في بيته إلى غاية صباح أمس الأحد ...
يوم الأحد عندي موعد على الساعة منتصف النهار في مستغانم مع مدير الجامعة، ولكن هل يحق لي أن أغادر وهران دون رؤية الشيخين الفاضلين ( مصطفى غلام ) و ( عبدالقادر عكاني ) حفظهما الله، إتصلت بهما، تواعدنا أن نلتقي في مسجد الشيخ (مصطفى غلام) الذي يوجد في حي ( الحمري )، ثم تذكرت أن الآخ الاستاذ ( أحمد بن جلول ) هو أيضا موجود في وهران مرافقا لأخته التي أجرت عملية في مستشفى وهران، والحمد لله كانت عملية ناجحة،
إتصلت به، ففرح واستبشر، تواعدنا أن نلتقي عند الشيخ (مصطفى غلام)
الساعة العاشرة والنصف كنا هناك، وجدت الاخ ( أحمد ) في الانتظار، كان لقائي به مفعما بالفرح والحبور، بعد السلام ، دخلنا المسجد ، وجدنا الشيخين في انتظارنا، كم هي السعادة غامرة أن تلتقي بمن أحببتهم وأحبوك لله، دون حساب ولا قراءات ولا تأويلات، القلب يطئن، والعقل يرتاح، والجوارح تهدأ، بعد السلام وتبادل الأسواق دخلنا المكتب، ودلنا الشيخ ( مصطفى) على أماكن جلوسنا، ثم قام وجاء بكل ما لذ وطاب ...
ثم كان الكلام العادي السؤال عن الأحوال والأهل والاخوان، ثم بعض الاستفسارات عن الأحداث الوطنية والدولية،
بعد الخوض في العموميات، استصحبت ما كان مع الاستاذ الدكتور ( محمد مسلم ) فاستأذنت منهم الإجابة على السؤال التالي :
الصحوة والدعوة بمختلف مؤسساتها التربوية والتكوينية والإعلامية والسياسية والثقافية والخيرية ، لقد حققت الكثير مما كانت تصبو إليه في البدايات، فهناك الكثير من الإيجابيات مقارنة بما كنا عليه قبل أربعين سنة، ولكن هذا الخير فيه دخن، فهناك مظاهر سلبية، بعضها أفرزتها الأحداث وأخرى حقيقية أو مفتعلة، فما هو دورنا الآن في ظل التحديات والتدافع العالمي وما هي واجباتنا دون جلد للذات ولا عجبا ...
تنهد الرجلان، وكأن السؤال جاء توصيفا لما يحسان به وما يعايشانه،
أخذ كل واحد منهما نفسا طويلا، وبرهة من الزمن، واسترسلا في الكلام، بدأ الشيخ ( مصطفى ) ثم الشيخ ( عبدالقادر ) كانا يتكلمان وكأنهما يقرآن من ورقة، ومجمل ما قالت نلخصه في:
تراجع كبير في الحضور المسجدي وخاصة صلوات الفجر
نقص في حلق الذكر وجلسات العلم ومنابع الفهم مما أدى إلى ضمور الأركان العشر في النفوس
هناك مظاهر عامة للتتدين ولكن
غياب الالتزام بالدين في السلوكيات وخاصة في المعاملات.
الفروق المفتعلة بين الأجيال
التباعد في معاني المصطلحات
تغير بعض المفاهيم
انقلاب القيم والمبادئ
التنافر والتباعد والتخاصم والصراع المذموم على المواقع ...
ولكن كل هذا يمكن تداركه لو فهمنا مقصود :
(( لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... )
كل النقائص يمكن معالجتها إلا التحاسد والتباغض فيحتاج إلى جهاد ذاتي وتركيز جماعي ...
الشيخان ( مصطفى غلام ) و ( عبدالقادر عكاني ) لهما خضور دائم وعمل مستمر في المساجد، وفي دعم القضية المركزية، وفي التزكية والتربية، ولهما بصماتهما في الغرب الجزائري عموما وفي وهران على الخصوص ...
قبل توديعهما قمنا بجولة في مرافق المسجد، المكتبة، أقسام الدراسة، مجهودات الاخوات في التربية والتكوين ، ورشات العمل المختلفة ... حقا هو مؤسسة قائمة بذاتها وبمختلف أنشطتها... توادعنا ... ركبت السيارة وانطلقت وحيدا نحو ... مستغانم على الطريق البحري ... عن شمالي البحر الأبيض المتوسط وعن يميني الحقول والمباني والقرى والبلدات ... كم هي واسعة الجزائر .. كم هي جميلة وفاتنة ... اللهم احفظها وهيء لها من أمرها رشدا ... ووفق أهلها لما فيه الخير والصلاح ... وغدا أو بعد غد، بإذن الله، نتناول ما كان في مستغانم إذا كان في العمر بقية ...
ما دفعنا لزيارتهم وتجديد العهد معهم هو : منابر من نور نأمل أن ننالها معهم ،
وما حَفَّزنا لِلُقياهم هو الحب والود والوفاء
والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري





















