الدكتورعبد القادر سماري

قبل يومين،

قبل يومين،
الوجهة كانت نحو الجنوب، عبر الطريق الوطني رقم واحد N1، هذا الطريق التحفة العابر للجزائر من شمالها إلى أقصى الجنوب ،
رحلتنا قطعنا خلالها عدة مدن وولايات، من العاصمة إلى البليدة ، ثم الشفة فالمدية، بعدها أعالي بني شكاو ثم البروقية، ثم قصر البخاري وأعالي جبال بوغار، ثم سهول بوغزول وعين وسارة وحاسي بحبح وصولا إلى مدينة الجلفة،
وفي مدينة الجلفة نكتشف كنوزا لم تكن لنا سابق معرفة بها ...
نصيحتي لمن يأخذ الطريق الوطني رقم واحد، إن لم يكن في عجلة من أمره ، أن يمر عبر الطريق القديم، وخاصة في المقطع بين الشفة وبني شكاو، ليتمتع بتلك المناظر الطبيعة الخلابة الساحرة، بين الجبال والهضاب والوديان والمنعرجات،
ثم ليرفع عينيه، بين الحين والآخر، ويتأمل في حسن الاتقان الذي عليه الطريق السريع، وخاصة الجسور المعلقة على ارتفاعات مختلفة، تكاد تتكلم لتقول لك : أنظر ماذا يستطيع أن يفعل الإنسان حين يتزود بالعلم والإرادة والعمل ...
أما إذا كان مستعجلا وأخذ الطريق السريع، فلا يسرع، وَلْيَمْدُد ببصره إلى المدى البعيد ليرى ذلك النسق الفريد في الربط بين الجبال والوديان وأفق السماء، وليتوقف لبعض الثواني معلنا : التسبيح والتحميد لمبدع السماوات والأرضين،
فإذا تجاوز البرواقية وقصر البخاري، وكان (بوغار ) عن يمينه وترك (الأطلس التلي) وراءه وبدأت السهول والسهوب في الامتداد على مد البصر ، فهنا سيقول في قرارة نفسه ( سبحان الله كيف لهذه الجزائر الشاسعة أن تضيق بأهلها )
وسيبقى يتساءل السؤال الأزلي الذي مازلنا لم نجد له جوابا :
أين الخلل ؟! ومن أين نبدأ ؟!
تذكرت حوارا دار بين الشيخ عبدالرحمن شيبان والسيد فرحات عباس رحمهما الله، حول المعجزة التي ينتظرانها لإصلاح الأحوال ...
وقد رافقتها الأمطار من العاصمة إلى غاية بوغزول ...
المهم وصلنا مدينة (( الجلفة ))،
سبب الزيارة متعدد، ذلك أنه يجوز تعدد النيات في العمل الواحد إذا كان تطوعا :
النية الأولى زيارة بعض الأصدقاء كنا وعدناهم قبل اليوم بذلك،
النية الثانية السياحة في أرض الله والتدبر في خلقه،
والنية الثالثة أن بعض الأصدقاء طلبوا منا إستشارات لمؤسساتهم الاقتصادية فلبينا طلبهم ،
النية الرابعة إغاثة إحدى العائلات لأمر طاريء حلّ بهم
النية الرابعة زيارة أخوة وصداقة لأحد
عند مدخل المدينة كان في استقبالنا الأخ الاستاذ السيد النائب ( لخضر الابراهيمي ) صاحب المزايا المتعددة، استرحنا قليلا، مع إكراميات في المنزل ( جلفاوية بوسعادية ) تُذهب شعث الطريق وتحيي النفس وتقيم الجسد ...
ثم كانت جلسة عمل مع رجلين من رجال الجلفة، متعلقة بوضع مؤسساتهما الاقتصادية، خاصة في توسيع النشاط، وجدولة ديون البنوك، وتأهيل العمال وعمليات التسويق والتعاون وجلب الخبرات التقنية والفنية من الداخل والخارج ... حقيقة أصحاب المشاريع الاقتصادية هم الآن المجاهدون والمرابطون بامتياز ... ربي يعاونهم ...
بعدها كانت لنا جلسة ممتعة مع السيد والي ولاية الجلفة ...
جلسة تناولت مواضيع شتى،
فبعد الاستقبال وتبادل عبارات السلام والتحايا ثم السؤال عن بعض الأصدقاء المشتركين،
تنوعت مواضيع جلستنا بدأناها عن الأخلاق والآداب التي يجب أن يتميز بها المسؤول الذي أوكل الله له مصالح البشر،
عن الأصول والعائلات والأسر، من أب وأم وأخوة واخوات، والتي لها دور وتأثير كبير في سلوك الإنسان ،
عن البِطانة ( الحسنة أو السيئة ) ومكانتها في إتخاذ القرارات الصحيحة أو الخاطئة ...
عن المزج بين الثقة والكفاءة التي يجب أن يتحلى بها كل إنسان من الأسرة إلى الصداقات والعلاقات العامة إلى مختلف المسؤوليات،
عن التنمية في مختلف المجالات والمؤهلات التي حبى الله بها الجزائر،
ثم كان الكلام عن المحيط الإقليمي والدولي وانعكاساته القريبة والمتوسطة والبعيدة المدى على الجزائر ...
ثم كان الكلام عن القيمة الأساسية التي يجب نشرها وترسيخها في كل الشرائح، ألا وهي : ((( الثقة ))) فهي حجر الزاوية...
في آخر جلستنا وقبل المغادرة قلت له : يجب أن نخرج من الصورة النمطية التي يراها الناس عن المسؤول، فهم يرونه فقط ذلك الإداري الصعب المنضبط بالقانون ولا يعرفون الجوانب الخفية في شخصيته : الدينية والعلمية والأدبية والأخلاقية والعائلية والتخصصية ...
حقيقة كانت جلسة ممتعة ومفيدة ومتنوعة، كان في الإمكان أن تكون ندوة حول ( متطلبات العلاقة بين الحاكم والمحكوم ) ... توادعنا على أمل اللقاء في فرص أخرى ...
بعد ذلك كان لنا موعد مع أفراد إحدى العائلات الجلفاوية، لم تكن لنا بهم سابق معرفة، إلا ما حدثني عنهم الاخ الاستاذ يوسف بن شبيرة حفظه الله، وعن أوضاعهم ومتطلباتها، تابعنا أمورهم عن كثب وحاولنا تقديم يد المساعدة فيما عرض علينا، كان الموعد في ((فندق البيت )) حيث حجزت إقامتي، والذي أنصح به زوار مدينة الجلفة، لتعدد مرافقه وحسن الاستقبال، ونوعية خدماته،
بعد ذلك تطوع بعضهم لمرافقتنا في جولة على داخل مدينة الجلفة وعلى مشارفها وفي أطرافها ...
غابات وفضاءات قابلة للتوسعة والتهيئة لتصبح منتجعات سياحية بامتياز ... وخاصة تلك التي تقع على طريق ( الشارف ) ،
مساحات خضراء واسعة، حتى قال لي أحد المرافقين : البعض يعتبر الجلفة صحراء، وهي ليست صحراء والخضرة والغابات فيها أكثر من بعض المدن الأخرى ...
تجولنا أيضا داخل مدينة الجلفة التي سبق لي زيارتها عدة مرات، أما الآن فقد تغيرت كثيرا، بشوارعها الواسعة، وتنوع مؤسساتها الجامعية والتعليمية والخدماتية والمرافق الحكومية ...
فقط، تحتاج إلى شيء من الإنتباه للنظافة والتهيئة العمرانية لبعض الأحياء، ولافتات المحلات، والإشارات التوجيهية ...
يمكنها أن تكون رائدة ونموذج للمدينة الجديدة، خاصة إذا تم توظيف (( البرنامج التكميلي )) الذي خصص للولاية ...
وبالمناسبة قبل أشهر كانت لي ندوة في ( فندق الأمير ) بالحلقة حول :
الاستغلال الأمثل للبرنامج التكميلي لولاية الجلفة وقد حضره جمع غفير من المتخصصين والمهتمين ... حقيقة كانت جولة رائعة، لم يسبق لي أن قمت بمثلها في زياراتي السابقة الحافة والتي ترجع إلى أواخر الثمانينات من القرن الماضي حين جئتها لأول مرة لقضايا تنظيمية ...
في المساء، دعاني أخي ( لخضر ابراهيمي) إستأذنته في اصطحاب أحد الأفاضل الذي قدم من ( بوسعادة ) إلى الجلفة لزيارة ( إبنته)، فأذن بذلك، إنه الآخ الأستاذ المربي المؤرخ صاحب الاستشرافات ( عيسى جحنيط ) هذا الرجل عرفته قبل ما يقارب الاربعين سنة، في جلسات الذكر والعلم والفكر، كان عضوا معنا في ( المجلس الوطني للتخطيط ) بداية التسعينات، له مساهمات وإنتاج يشكر عليه، علاقتنا لم تنقطع منذ بدأناها، نتساور دوما فيما يستجد وما يمكن أن يكون، فلما علمت أنه في الجلفة اعتبرت ذلك منحة من الله، فخرصت على ملاقاته وتعريف الإخوة به ...
كان موعدنا في مسجد (( الرحمن ))، يقع في منطقة حي ( الحدائق )، له حديقة واسعة وجميلة، وهو مسجد كبير، جميل، متقن، داخليا وخارجيا، وبه صلينا المغرب، القراءة كانت مضبوطة على رواية ورش ...
إنتقلنا بعد ذلك إلى بيت أخينا ( الاخضر ) كنا ست:
-صاحب هذه الكلمات
-صاحب البيت الاستاذ لخضر الابراهيمي
-الزائر من بوسعادة الاستاذ عيسى جحنيط
-الاستاذ النائب المربي محمد محمودي وهو واحد من ركائز العمل الإسلامي والدعوي والعلمي في مدينة الجلفة عرفناه في البدايات، يمتاز بسمته ووقاره وصمته الطويل إلا عند الحاجة، له مساهمات مشكورة في قضايا متنوعة
-الاستاذ المربي العامل أحمد بن جلول هذا الرجل الذي لا يعرف الكلل والملل، فهو كالنحلة دوما في تنقل وعطاء، قبل أسبوع كنا معا في إحدى الجلسات، بمدينة وهران، مساهماته مشكورة في القضايا السياسية والاقتصادية والدعوية
- الاستاذ محمد ابراهيمي هذا الرجل الودود الدائم الابتسامة والكلمة الطيبة، لا يغيب عن مجالس العلم والذكر ...
في بيت الاستاذ ( ابراهيمي )
بعد التعارف ... كانت زردة جلفاوية- بوسعادية بامتياز، لقد أحضر كل ما لذ وطاب،
وبعد العشاء كانت جلسة علمية تناولت مواضيع شتى :
- بدأنا الكلام عن ولاية الجلفة، عن موقعها، وناسها، وتاريخها، لم أكن اعرف أن بولاية الجلفة هذا العدد الكبير من الزوايا والكتاتيب، منذ الزمن البعيد،
- كلمونا عن رجال العلم والجهاد بالمنطقة،
- ثم تطرقنا للوضع في عالمنا العربي والإسلامي عامة وفلسطين وغزة ولبنان خاصة، الواقع والمآلات.
ولكن الموضوع الذي أخذ منا جزء معتبرا من الوقت هو واقع شباب الجزائر، فرغم تحسن نوعية الحياة وانتشار العلم والمعرفة والمساجد ولكن هناك مخاكر تتهدد الشباب منها على الخصوص :
المخدرات
الحرڨة
الشذوذ
العنوسة والعزوبة
الطلاق والخلع
جلستنا كانت كلها فيما يخدم : الإسلام والجزائر ... ختمناها بدعوات لأهل البيت والحضور ...
وعندما رجعت للفندق في وقت متأخر وجدنا بعض الأحباب في الانتظار، قَدِموا إلى الجلفة من أقصى الجنوب، من جنات، كانت جلسة خفيفة وتبادل الأشواق والاخبار .. ثم توادعنا...
في الغد ( أي يوم أمس الأربعاء ) كان الصباح كله مخصص لمجموعة من الأحباب والأصدقاء الذين زارونا حيث إقامتنا في ( فندق البيت )
وعلى رأسهم الآخ الكاتب الشاعر المربي النائب ( محمد مصطفى دليوح ) هذا الرجل من الرعيل الأول، من خريجي المدرسة الوطنية، من الاوائل الذين إلتحقوا بالعمل الدعوي والتربوي في الجامعة،
وهو من الكوكبة الأولى التي ترشحت للإنتخابات التشريعية سنة 1991
ثم أخذ منحة لنيل الدكتوراه من جامعة مرسيليا بفرنسا، ليرجع إلى أرض الوطن،
ثم يترشح للانتخابات التشريعية 1997 وقضينا معا تلك العهدة البرلمانية التي كانت متميزة في كل شيء: طبيعة النواب، طبيعة المرحلة، نوعيات القوانين، واقع البلد ...
علاقاتنا ترجع إلى وقت بعيد ، حتى أنتي لا أذكر بداياتها ...
ومن الحضور أيضا الأخ الاستاذ الدكتور ( البشير بن جوال ) رئيس المكتب الولائي للحركة مجتمع السلم، الإطار في الضرائب، وكذلك الآخ ( البشير الثاني ) يعذرني لم أتذكر لقبه،
والتحق بنا أيضا رجل الأعمال الاخ الفاضل السيد ( أحمد بن قورينة مع شقيقه جمال ) الذي عرفناه قبل سنوات ضمن ( النادي الاقتصادي الجزائري ) حيث كان رئيس المكتب الولائي للنادي بالجلفة، وله إسهامات معتبرة في مجال الاستثمار والتصدير د، حيث كان يمثل مع المرحوم ( بن عطية ) ثنائي رائع في التواصل والخدمات والزيارات والإنتاج والتوزيع ... وهو الآن في مجال التصدير مع أخيه لبعض الدول وخاصة لدولة ( كوبا ) ... كما حضر جلستنا تلك السيد ( خبيب دليوح ) نجل الاخ مصطفى، مع صديقه ... كانت جلسة طيبة حول مواضيع متنوعة، وخاصة الاقتصادية والتنموية ...
ما ميز تلك الجلسة هو الكلام عن الأصول ( الآباء والأمهات والأجداد ) وعن الفروع ( الأبناء والأحفاد والأسباط )
وقد أتحفنا الاخ مصطفى عن الكلام عن سيرة والده ( مصطفى الجزائري ) الذي ذهب إلى فرنسا وعمره 17 سنة، قبل الحرب العالمية الاولى، ليعيش بها 50 سنة، بعيدا عن كل ما يربطه بوطنه ودينه، وبعد حادث مرور مري يهيء الله له دكتوراه من الإخوان يعالجه لمدة سنة، ويكون سببا في هدايته، ويرجع لأرض الوطن الجزائر، وهي تحت نير الاستعمار، ويؤدي واجبه تجاه دينه ووطنه، ويزوجه إمام المسجد بإبنته وعمرها ( 17 سنة ) وهو على مشارف الستين، ويصبح بعد الاستقلال مؤذنا ويموت على ذلك رحمه الله ... هي قصة مشوقة حقا ..
بعدها كانت وليمة في بيت الدكتور ( دليوح ) ... فحدِّث عما فعل سيدنا إبراهيم مع ضيوفه ولا تبالي ( فقربه إليهم ) ...
كانت وليمة أكل وشرب وذكر ودعاء وتذكرة وعلم ونكت ولطائف ... ثم دعوات لمن أنفق ومن طهى ومن حضَّر ومن حضَر ومن أكل ومن تكلم ... وختمنا جلستنا ... إنتقلت من الفندق حاولوا معي أن أبقى لأيام أخر ... اعتذرت وتوكلت على الله راجعا لأسباب كثيرة ... ولكن قبل المغادرة كان لزاما علي توديع تلك العائلة، التي قصتها طويلة، لا يسع المقام لذكرها، فأوصيناهم بالتراحم والتعاون والصلة بالله وبالصلاة والقرآن ... ثم قفلتُ راجعا مستمتعا ب ( جمال الجزائر ) ... كم هو جميل تعدد النيات في العمل الواحد والمقصود واحد ... فالله من وراء القصد .
كان هذا خلال اليومين الماضيين .
د. عبدالقادر سماري