الدكتورعبد القادر سماري

حدث عابر ولكن له دلالاته :

حدث عابر ولكن له دلالاته :
صبيحة أمس الاربعاء كانت لي مع الاستاذ( صايب لقشيشي) مواعيد مع بعض الاصدقاء،
قبل الانطلاق جلسنا في إحدى المقاهي في سعيد حمدين لترتيب اولوياتنا، ثم أن الاستاذ ( صايب ) قال لي : أحب أن تتعرف على أحد الأصدقاء،
تناول الهاتف وبدأ المكالمة، ثم ناولني الهاتف قائلا : الاستاذ (محمد دومير) مليح تتواصل معه .
بعد السلام والتحية، تعارفنا عبر الهاتف،
وحيث أنني أعرف اهتمامات السيد دومير وأتابع مداخلاته حول قضايا التراث والذاكرة الوطنية والتاريخ، دعوته لزيارة قبيلتنا وأخبرته بأنه سيجد فيها كنز كبير من كنوز اهتماماته، وبدأت أكلمه عن ما فعلت فرنسا في قبيلتنا (أولاد تبان ) جنوب ولاية سطيف، أثناء ثورة التحرير،
واسترسلت في الشرح ...
لما اشتدت المقاومة وحميت ثورة التحرير في المنطقة، وعجزت فرنسا عن إيقاف الدعم اللوجيستي الذي كان يقدمه السكان بكل شرائحهم للمجاهدين، قام الاحتلال الفرنسي بجرائم الحرق والتدمير وإتلاف الممتلكات والنابالم، ثم قام بعملية الترحيل القسري للسكان إلى محتشدات في مناطق مختلفة من القطر الجزائري ... بعضها كانت تسمى ( محتشدات الموت ) ...
وأثناء عملية الترحيل التي يطلق عليها ( رحلة أولاد تبان )، والتي بدأت يوم 15 جوان 1958 في عز بداية الصيف ، وخلال ثلاثة أيام فقط قتلت فرنسا ( 750 طفلا )، ناهيك عما حدث للشيوخ والعجائز والنساء ...
قلت له في الاخير : ما يقوم به الكيان الصهيوني في غزة ولبنان هو صورة مصغرة لما قامت به فرنسا في الجزائر كلها خلال 132 سنة ...
تجاوب الاستاذ دومير مع ما كنت أحكي له ... ثم أنهينا المكالمة بعدما توادعنا وتواعدنا على أمل اللقاء قريبا.
ونحن جلوس، اقترب منا مجموعة من رواد تلك المقهى، ألقوا التحية بالفرنسية، وقفنا لرد التحية ...
قال أحدهم بلغة فرنسية ليس فيها لحن، وبتأثر عميق :
pardon, j'ai bien entendu votre discussion sans le vouloir, mais vraiment c'est très touchant, c'est dans quelle région tous ce massacre ?
(معذرة، لقد استمعت إلى حواركم دون قصد مني، حقيقة جد مؤثرة، في أي منطقة كان ذلك الاجرام؟ )
قدمت نفسي لهم، وأخبرته أن الأحداث كانت في منطقة تقع جنوب ولاية سطيف، وأن ما حدث فيها قد حدث في كل شبر من الجزائر ، جوابي كان بالفرنسية، ظننت أنهم أجانب.
ثم إن محدثي قدم نفسه ( الاسم واللقب ) ثم قال :
Kabyle de Tizi ouzou, vraiment les crimes et les atrocités que la France a faite en Algérie sont sans précédents et les sionistes ne font que copier ces crimes ...
( قبائلي من تيزي وزو، حقيقة الجرائم والفضائع التي قامت بها فرنسا في الجزائر ليس لها سابق، وما يقوم به الصهاينة ما هو إلا استنساخ لتلك الجرائم ... )
كان الرجل متأثر جدا، وكذلك الذين معه،
تأثرت بكلامه، شكرته على هذا الإحساس الذي يتمتع به كل جزائري وجزائرية من التاء إلى التاء، من تلمسان إلى تبسة ، ومن تيزي وزو إلى تمنراست ...
وقلت له : أهلنا في تيزي رجال وخيار الناس،
ثم بعفوية وتلقائية قلت له : ولكن فرنسا فعلت ما هو أكثر من القتل والتدمير والحرق والترحيل والطرد والتهجير ...
قال لي : ماذا أيضا ؟
قلت : بخبثها ومكايدها تركتنا فرنسا حين نلتقي لا نذكر الجزائر، وتخيل لو كنا مجموعة ثم تعارفنا، وقال الاول أنا قبائلي من تيزي، والثاني نايلي من الجلفة، والثالث عربي من سطيف، والرابع شاوي من باتنة، والخامس شنوي من شرشال، والسادس مزابي من غرداية، والسابع ترقي من إليزي ... قل لي من فضلك : والجزائر أين هي ؟،
ثم قلت له : أتدري ماذا فعلت فرنسا حتى جعلت كل الفرنسيين يتكلمون اللغة الباريسية ...
تأثر كثيرا، امتلأت عيناه دمعا، ثم قال لي : أعرف ذلك جيدا فأنا دكتور في اللسانيات ومطلع على إجرامهم، وخاصة خلال القرن الخامس عشر.
وراح يكلمني عن حقائق وتاريخ الإجرام الفرنسي وعن تقصيرنا وعن الصراعات الوهمية في بلداننا ...
قال لي : لأول مرة أجد نفسي أتكلم هذا الكلام
أحسست أن الرجل يدلي بمكنونات نفسه ودواخل قلبه وبواطن وجدانه ...
ثم تكلمنا عن واجباتنا في المرحلة الحالية أمام الصراعات الدولية والتدافعات الحضارية ... خلال مدة حوارنا كنا وقوفا ... دعوتهم ليتناولوا شيئا معنا ... اعتذر
ثم استأذن وودعني مع أصحابه وذهب ... بقيت مع الاستاذ (صايب) في مكاننا نتكلم عن هذا الحادث العابر ...
بعد دقائق رجع السيد، قمنا له، أعاد التحية بكل أدب واحترام ، وأعاد التعريف بنفسه ( الاسم واللقب ) جزائري من تيزي وزو ، قاطعته ( عبدالقادر سماري جزائري من سطيف ) ... ضحكنا ... وأكمل كلامه: متخصص في علم اللسانيات، أديب وشاعر وثقافتي انكلوفونية، ثم قرأ لي بعض أشعاره ... ثم قال : سأكرس حياتي كلها لخدمة الوطن وأداء الواجب ...
تبادلنا أرقام الهاتف ... ثم قال لي بالعربية : مع السلامة نلتقي قريبا ... قهوتكم عليّ راني سلكتها ... وغادر مع أصحابه...
وبقينا نحن نردد:
كم هو جميل ومثمر الحوار والنقاش، الجزائريين هايلين ...
د. عبدالقادر سماري