إنا لله وإنا إليه راجعون،
إنا لله وإنا إليه راجعون،
لله ما أعطى ولله ما أخذ،
يفارقنا الأهل والاحباب ، نتأثر بفراقهم جميعا ، وندعو لهم ، ونحاول جاهدين حضور جنائزهم ، وتبقى ذكرياتهم تتابعنا وأطيافهم تزورنا ، وكلماتهم تتردد في آذاننا ... ولكن أصدقكم القول أن بعضهم تعصف بنا ذكراهم، وتهتز مشاعرنا لفراقهم، وتبقى تتردد على ذاكرتنا بعض مواقفهم، بل وتصر الكلمات على مطالبتنا الكتابة عنهم، حتى أنها تحول بيننا وبين عمل أي شيء آخر إلا أن نكتب عنهم، ليس لأنهم أقرب إلينا من الآخرين، ولا أنهم أحب إلينا من الآخرين ، ولا أنهم قدموا لنا معروفا أكثر من الآخرين، ولا أنه يجمعك بهم نسب أو تجارة ... لا هذا ولا ذاك ، إنما هي مواقف وهموم اشتركت معهم فيها، ليس لك فيها مصلحة دنيوية أو منفعة زائلة، إنما هي أمور خالصة لوجه الله، خدمة للاسلام وللجزائر ...
وهذا هو الحال مع فقيدتنا التي رحلت البارحة، رحلت إلى البرزخ، نتمنى أن تكون روحُها الآن في حواصل طير من طيور الجنة، تنتظر يوم الحشر الأكبر عسى أن تكون في الفردوس الأعلى، كما أخبرنا الصادق المصدوق، عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم،
رحلت عنا بعد معاناة مع المرض، الذي أنهك جسدها، وقد وظفت كل ذرة فيه لخدمة دينها ووطنها وأمتها طيلة سنوات حياتها الخمس والستون ... وأنا أشهد بذلك على الأيام والأشهر والسنوات التي عرفتها فيها ...
فقيدتنا من مواليد مدينة إشمول بولاية باتنة، من عائلة ثورية مجاهدة بجبال الاوراس الأشم، ولدت سنة 1959، ثلاث سنوات قبل دحر المحتل وقد حمي وطيس ثورة التحرير،
فتربت في أحضان عمتها، المجاهدة حدة الاوراسية، في غياب والدها المجاهد الثائر الذي زج به الاحتلال الفرنسي في السجن ، ولم يخرج منه حتى بزغت شمس الحرية،
أخذت عن عمتها قوة الشخصية وصلابة الموقف، وحب الوطن، وعفة النفس،
وعن أبيها التضحية والعمل الدؤوب، والاعتزاز بالدين والوطن ...
مع الاستقلال تدرجت في مدارس ومتوسطات وثانوية باتنة،
ثم إلتحقت بالمعهد الوطني للصناعات الخفيفة ( inil ) في بومرداس ، سنة 1979، كانت بومرداس في ذلك الوقت تضم عدة معاهد، ، وقد إستقدمت الجزائر خيرة الأساتذة المتعاونين من مختلف البلدان، ولكن بعضهم كان لا يكتفي بتعليم المقررات الدراسية في الفيزياء والكيمياء والرياضيات، بل يبث بعض السموم الالحادية والأخلاق الفاسدة، فكانت بومرداس كما وصفها الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله: ( أرادوها أن تكون حمراء ملحدة ، فرنكوفيلية أعجمية، فأبى الله إلا أن يهيء لها شبابا وشابات يتحصلون فيها العلوم، ولكنهم متمسكون بدينهم وقيمهم، فجعلوها جنة خضراء مؤمنة، عربية أصيلة على نهج نوفمبر ...) فكانت فقيدتنا، رحمها الله، واحدة من هؤلاء الذين ارتقوا في مجال العلوم، دون أن يتخلوا عن قيمهم ومبادئهم، فكانت أول طالبة في معهد inil ترتدي الحجاب، تخيلوا في ذلك الوقت، 1979، فتاة في سن العشرين ربيعا ترتدي الحجاب، ولاقت من أجل عفتها وسترها ما لاقت، لتصبح خلال سنوات إقامتها في الجامعة مع باقي الاخوات من المعاهد الأخرى دعاة الخير والطهارة، لم تكتف، مع صاحباتها، بالدعوة في بومرداس، بل كن تتنقلن إلى الجامعة المركزية بالعاصمة، وإلى حي البنات في بن عكنون، لتشكلن فريقا يحمل على عاتقه الدعوة إلى الصلاح والاصلاح في ربوع الوطن، لاستكمال رسالة جميلات ثورة التحرير ، معظمهن لازلن على قيد الحياة حفظهن الله ورعاهن وجزاهن خيرا، أذكر منهن ( الزهرة، فطيمة، دليلة، زينب، آسيا، زبيدة،فاطمة، فضيلة، آمنة ... )
ثم في سنة 1984 تخرجت من بومرداس بشهادة مهندس دولة وكانت في المرتبة الأولى من بين 502 مهندس، والتحقت بمصنع النسيج بباتنة،
ثم تشاء لها الأقدار أن تلتحق ببيت الزوجية، وتؤسس سنة 1987مع زوجها الاستاذ ( مقداد إسعاد ) ( مطبعة الزيتونة للاعلام والنشر ) التي كان لها صيت كبير في كامل التراب الوطني،
وخلال تلك الفترة لم تتوقف عن الدعوة والإرشاد والتوجيه ... إلى أن كانت التعددية السياسية سنة 1989، وأمام مختلف التوجهات وتنوع الأحزاب والأفكار ، إلتحقت فقيدتنا ب ( حركة المجتمع الإسلامي ) وشاركت في معظم نشاطات الحركة وفعالياتها سواء في باتنة أو في العاصمة أو في الخارج، وكان لها تواجد مشهود في الانتخابات الرئاسية لسنة 1995، لما ترشح الشيخ محفوظ نحناح، رحمه الله،
كما كانت تقوم بالدروس والمحاضرات ولعل أهمها تلك المحاضرة التي ألقتها أمام الجالية الإسلامية في السويد سنة 1996 حول ( دور المرأة المسلمة في الحياة السياسية النموذج الجزائري ) ،
وفي خضم النقاش الدائر حول الخيارات السياسية المتاحة بين :
(( المشاركة، المقاطعة، المغالبة ... )) أصدرت كتابا بعنوان (( حماس وخيار المشاركة )) والذي كتب مقدمته الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله،
كما كان لها دور كبير في دعم القضية الفلسطينية ، ولقد خاضت عباب البحر لتشارك في أسطول الحرية لنصرة الشعب الفلسطيني سنة 2010، وتشاء لها الأقدار أن تكون ضمن المجموعة التي احتجزتها قوات الاحتلال الصهيوني، وتدخل السجن هناك، ثم يفرج عنها مع إخوانها وأخواتها، وترجع إلى وطنها الجزائر رافعة رأسها شامخة ...
وتمر السنوات وتبقى فقيدتنا ثابتة على نهج الوسطية والاعتدال، خادمة لدينها ووطنها، مثل ما كانت نشأتها، وعلى العهد الذي نذرته على نفسها ... ورغم الأحداث الكبيرة التي مرت بها والأمراض فإن فقيدتنا حافظت على أبنائها الثلاثة وأحفادها الخمسة تربية وتوجيها ...
إلى أن وافتها المنية بالأمس ...
إنها الأخت المهندسة :
الحاجة (( صليحة نواصرية ))
اللهم اغفر لها و ارحمها وارض عنها وتقبل منها وادخلها الجنة ونجها من النار واحشرها في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا بها على خير ...
يمضي البشر ويبقى النهج والأثر ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري

