الدكتورعبد القادر سماري

إنا لله وإنا إليه راجعون

إنا لله وإنا إليه راجعون
حين وصلني خبر وفاته رحمه الله، رددت هذا الدعاء،الذي أوصى به رسول الله ، صلى الله عليه وسلم، عند كل مصيبة :
( اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها )
رددته وتذكرت أم المؤمنين ( أم سلمة هند بنت أبي أمية) رضي الله عنها، حين جاءها خبر موت زوجها ( أبو سلمة عبدالله بن عبد الأسد ) وكان رجلا طيبا معها، حسن العشرة، كريما، شريفا، وكان بينهما حبا شديدا، وهما من أوائل من هاجر إلى الحبشة.
قالت كنت أردد ( اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها)
قالت وكنت أقول في نفسي (أين هذا الرجل الذي يخلف أبي سلمة، فوالله إنه من خيرة الرجال شرفا ومعاملة وحسن خلق ) ورغم ذلك كنت أردد الدعاء يقينا فيما عند الله ...
قالت : وما هي إلا أن انقضت عدتي حتى جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم خاطبا، فقلت : هو خير من أبي سلمة وإن الله لا يرد دعوة عبده ...
تذكرت هذه القصة بتفاصيلها، ورحت أردد ( اللهم أجرنا في مصيبتنا أخلفنا خيرا منه ) ... عسى الله أن يخلف الأمة برجال ونساء يسدون الفراغ الذي تركه موت الرجل الذي التحق بربه بالأمس ...
هذا الرجل، كان أمة وحده،
ولد مع أوائل القرن الماضي 1931، الأمة الإسلامية كانت مشتتة، مبعثرة، مستعمَرة، مغلوبة على أمرها ...
لم يقل : انتظر حتى تصلح أحوال الأمة وتتهيأ الظروف،
بل كان سباقا لكل أبواب الخير والعمل الصالح.
فقه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: طوبى للغرباء الذين يَصلُحون إذا فسد الناس، ويُصلِحون ما أفسد الناس ...
فمنذ نعومة أظافره، وقبل البلوغ، إلتحق بمجالس العلم، والعمل الخيري، ثم كان من المتفوقين في دراسته، همه الوحيد : خدمة دينه الاسلام وأمته، وتقديم قيمة مضافة للمجهودات التي يقوم بها رجال الإصلاح على قلتهم ...
ومع أواسط الستينات، بعد المضايقات الكثيرة في بلاده، انتقل إلى اوروبا ...
وهناك، كان في ريعان شبابه، لم يصل بعد إلى الاربعين سنة من عمره، لم تغُره المباهج، ولم تفتنه المظاهر، ولم يستسلم للحياة الرغدة، ولم ينتظر أحدا ... بل كان مبادرا ...
فخصص كل وقته لثلاثة أمور :
- تحصيل العلم وخاصة في القضايا الاقتصادية والمالية
- تربية الأجيال ونشر الأخلاق الإسلامية الفاضلة والدعوة لها
- البحث عن البدائل وتأسيس المؤسسات ...
كان، رحمه الله، يشتغل في هدوء، دون ضجيج ...
كان شريفا،
كريما،
هادئا،
بعيد النظر،
سليم القلب،
حسن المخالطة والعشرة،
بعيدا عن المناكفات وردود الأفعال، لا يغرق في المشاكل بل يبحث عن الحلول ، يسوؤه الصراع بين المسلمين،
ومما أعجبني فيه أنه لا يعتبر بلاد الغرب (( دار كفر ودار حرب )) كما يروج لها البعض من المقلدين ،
بل يعتبرها :
(( دار دعوة للحق، ودعوة للفضائل، ودعوة لتقديم الإسلام السمح الذي أراد البعض تشويهه ))
أما علاقته بالجزائر فلا يكفي هذا المنشور للكتابة عنها، فقد ربطته بها علاقات صداقة وطيدة مع الكثير من رجالها من مختلف التوجهات والتيارات، وزارها عدة مرات،
ومما يجب تسجيله له في هذه السانحة هو ذلك الألم الذي كان يعتصر قلبه خلال سنوات ( المأساة الوطنية ) في تسعينيات القرن الماضي في الجزائر،
كان يقول لنا (( الجزائر لا تستاهل أن تمزق وتدمر بيد أبنائها ))
ولقد بذل مجهودات كثيرة لإحتواء الأزمة، والقيام بدور الوساطة لإيقاف العنف، شأنه في ذلك شأن كل محب للجزائر مثل الرجلين الكبيرين ( توفيق الشاوي ، عمر الزبير ) رحمهما الله اللذين لم يبخلوا بالنصح ،،، وأنا شاهد على ذلك ... ولقد كان لأخينا النائب السابق الاستاذ ( أبوبكر قدودة ) دور كبير في ربط تلك العلاقات، وأنا أكتب هذا المنشور، الآن والاستاذ أبو بكر عند أهل الفقيد في بيته لأداء واجب العزاء..
كان رافضا لكل أنواع العنف والصراع والاقتتال بين المسلمين مهما كان الاختلاف بينهم ...
وكان يرى في الجزائر أمل العرب والمسلمين للخروج مما هم فيه من تبعية وذل، لما عرف من شعبها من قوة شكيمة، وعزة نفس، وصلابة في الحق ...
أتمنى من رجال دولتنا الذين عايشوا تلك المرحلة وعرفوا الرجل، أن يقدموا شهاداتهم،
فلا يصح أن أتكلم بلسانهم وهم على قيد الحياة، ولم يبق منهم إلا القليل الذين عرفوا الرجل عن قرب ...
أما الشيء الذي أبدع فيه صاحبنا، وقدم فيه الكثير، هو الجانب الاقتصادي عموما والمالية الإسلامية على الخصوص، لأنه يرى أن مصيبة البشرية الكبرى هي :
(( المعاملات التجارية والمالية والبنكية الربوية التي تركت الشعوب والدول تحت رحمة الجشع الصهيو - أمريكي ))
وإن الخلل في الأمة الإسلامية هو في : التبعية الاقتصادية، وخيراتها المنهوبة، وطاقاتها المعطلة ...
ورغم أن صاحبنا كان يشتغل في هدوء، بعيدا عن الاعلام، وبعيدا عن الضجيج، وبعيدا عن الانفعالات، وبعيدا إثارة البلبلة ...
رغم ذلك فقد تعرض للكثير من المضايقات من طرف اللوبيات الغربية، بل والعربية أيضا، الحاقدة الرافضة لأي عمل يعيد للأمة كرامتها ومقوماتها، ويخرجها من التبعية ... والكلام يطول
صاحبنا هو :
الاستاذ (( يوسف ندا )) كان أمة رحمه الله .
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ...
أقول :
اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها ...
وأنا كلي أمل في الله أولا أن يهيء لنا أمرا رشدا ويصلح أحوالنا... وثانيا في الشيوخ والكهول من رجال الأمة ونسائها ليمهدوا الطريق للأجيال القادمة ... وثالثا في شباب أمتنا أن يحملوا الهم ويكملوا المشوار فالظروف مهيئة لهم رغم العوائق والعلائق ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري