إنا لله وإنا إليه راجعون
إنا لله وإنا إليه راجعون
لله ما أعطى ولله ما أخذ،
اللهم أجرنا في مصيبتنا واخلفنا خيرا منها،
قبل قليل جاءتني مكالمة من الاستاذ الدكتور ( يوسف زواوشة) حفظه الله، مدير مستشفى ( بوفاريك) ،
قال لي : كنت اتمنى أن نتواصل في وقت أفضل من هذا،
فهمت أنه خبر وفاة أو مرض،
إسترجعت ( إنا الله وإنا إليه راجعون)
قال لي في هذه اللحظات إنتقل إلى رحمة الله السيد : عبدالقادر ولد مخلوفي رحمه الله،
إسترجعت ثانية، وراحت الذكريات تفرض نفسها علي، وأنا أتأهب للخروج،
رجل من رجال الجزائر الأوفياء،
توفي اليوم في إحدى المستشفيات خارج أرض الوطن، وقد أدت الدولة الجزائرية واجبها تجاهه،
رجل من رجال الجزائر الذين مثلوها أحسن تمثيل ورفعوا رايتها في المحافل الدولية، في رياضة ( الملاكمة )،
علاقتي به، في البداية كانت عبر شاشة التلفزيون، وذلك أواخر الستينات وبداية السبعينات من القرن الماضي،
كنا أطفالا مولعين بالرياضة، وكنا مبهورين برجل أمريكي أعلن إسلامه وتغلب على الكفار في كل المقابلات، كان إسمه (كاسوس كلاي) فلما أسلم غيره إلى ( محمد علي ) وكان أخي الأكبر ( الحاج الميلود ) يأخذني معه إلى إحدى المقاهي لمتابعة منازلاته عبر شاشة التلفزيون ، إذ لم يكن لدينا تلفاز في البيت، في تلك الأثناء ظهر رجلان جزائريان بارعان في الملاكمة، فخطفا الأنظار وأصبحت متابعة منازلاتهما من الأولويات ومن فروض العين ، إعتزازا بالجزائر والاسلام، وذلك نظرا لفوزهما الدائم ورفع النشيد الوطني، وهما ( لوصيف حماني رحمه الله ) وصاحبنا الذي فقدناه اليوم والتحق ببارئه ...
صاحبنا فاز أولا بلقب الجزائر للملاكمة سنة 1964 وبقي متربعا على عرش وزنه لمدة طويلة ( الوزن الخفيف )، ثم فاز بلقب البطولة الافريقية، وتأهل إلى النهائيات في اليابان ليخوض غمار المنازلة النهائية سنة 1975 في ( طوكيو ) ضد الياباني ( كونياكي شيباطا ) تلك المنازلة التي أثارت الكثير من الزوابع الصحافية في ذلك الوقت، ليعلن الحكام الفوز بالنقاط للياباني ( ظلما وزورا ) ويحتل صاحبنا المرتبة الثانية عالميا، وبعد اعتزاله يصبح المدير الفني للفرق الوطنية الجزائرية للملاكمة ...
مرت السنين وصورة وذكريات الرجل مرسومة في اللاشعور،
إلى أن كانت بداية التسعينات من القرن الماضي، وكنت مدير الدراسات العليا بجامعة سطيف، وعضو المكتب الوطني ( لحركة المجتمع الإسلامي ) ، وبعد لقاء عقدناه في البليدة، أذكره جيدا كان يوم عيد العمال يوم 01 ماي 1991 ، وقد كلفنا بضرورة توسيع العلاقات وتنويعها والانفتاح على جميع شرائح المجتمع، بعد ذلك اللقاء كانت لنا جلسة مع الشيخ محفوظ نحناح وبحضور الشيخ محمد بوسليماني، رحمهما الله، وعدد كبير رجال الصحوة والدعوة والسياسة والفكر، أذكر من بينهم السادة (الحاج عبدالهادي السايح، الطاهر زتشي، الحاج سليمان دهيري، محمد شنوف رحمه الله، بن وارد عبد اللطيف ... وآخرون) المهم جلسنا وبدأنا التعارف إلى أن وصلنا إلى صاحبنا،
بدون أي مقدمات قال: عبدالقادر ولد مخلوفي، هكذا قدم إسمه ... وصل الاسم إلى سمعي، هزّني، رجع بي إلى الوراء لأكثر من عشرين سنة، نعم كبرت ولكن الطفل الصغير بداخلي كاد يصيح ( أنت عبدالقادر ولد مخلوفي ) البارع في الملاكمة، المشهور بأخلاقه العالية، المعروف بسلوكه وأدبه الجم، الأسطورة التي كنا نفخر بها ونحن صغار ... منذ ذلك الوقت لم تنقطع علاقتي به، كنا نلتقي في المقر الوطني، أصبح عضوا كامل العضوية دون اللجوء إلى الصيغ التنظيمية المرهقة، شارك معنا في وضع بعض النظرات الخاصة بالرياضة لبرنامج الحركة، كثيرا ما استضافني في بيته في (تقصرين) بالعاصمة، كنا نزوره في قاعة الرياضة التي يمتلكها ويشرف عليها ...
آخر لقاء جمعنا كان قبل أشهر، خلال شهر رمضان المنصرم، لما كان مريضا في مستشفى بوفاريك،
كانت لنا دردشة، تكلَّمنا عن بعض مقابلاته ومنازلاته، وعن الرياضة عموما والملاكمة على الخصوص في الجزائر، وعن لقاءاتنا السابقة، وعن الجزائر، وعن رجال الجزائر ورموزها ... استرجعنا معه بعض الذكريات ... بعد أيام تم تحويله إلى قسم ( أمراض القلب ) في مستشفى ( فرانس فانون ) ب ( البليدة ) ، ثم تم التكفل به وإرساله إلى أحد المستشفيات الاوروبية، كان ذلك قبل بضعة أشهر ولكن بقينا نتواصل معه ومع أهله، واليوم اختاره الله لجواره ... سيصل جثمانه يوم الخميس إلى الجزائر، وفي غالب الظن تكون صلاة الجنازة يوم الجمعة القادم في بوفاريك ...
اللهم اغفر له وارحمه وارض عنه وتقبل منه وأدخله الجنة ونجه من النار واحشره في زمرة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وألحقنا به على خير ...
هكذا يذهب الرجاء ويبقى ذكراهم وسنلحق بهم عن قريب ... نسألك ربنا حسن الخاتمة ... والله من وراء القصد.
د. عبدالقادر سماري


