الدكتورعبد القادر سماري

أكتب هذا المنشور بإذن صاحب الصورة في الاسفل،

أكتب هذا المنشور بإذن صاحب الصورة في الاسفل،
هذا الرجل لو يهديه ربي يكون فيه خير كثير للجزائر وللإسلام ولفلسطين ...
بطلب منه: أدعو له ربي يشفيه ويهديه ويهدي فريقه ...
لم أكن أعرفه في شبابي، بل تعرفت عليه مؤخرا فقط،
وأصبحت بيننا علاقة خفيفة،
ولكنني تعرفت على والده من قبله، (عمي لخضر) رحمه الله،
وحقيقة زيارتي له صحيح فيها جزء من عيادة مريض عرفته، ولكنها وفاء لأبيه (عمي لخضر) رحمه الله، الذي كانت تربطني به علاقة قوية جدا، حتى أنني كنت أزوره في البيت، وتعرفت على زوجته، كنت أدعوها (خالتي الياقوت ) رحمها الله ، وللذين يعرفون عائلتي أنا عندي (عمتي الياقوت ) حفظها الله وهي من حفظة كتاب الله وقد قاربت التسعين سنة،
قبل أن أتكلم عن صاحب الصورة ، الذي مازلت أقول عنه (( لو يهديه ربي سيكون فيه خير كثير للجزائر وللاسلام ) ،
قبل أن أتكلم عنه، هذه فرصة أتكلم فيها عن أبيه، ( عمي لخضر ) رحمه الله، هذا الرجل عرفته قبل أكثر من 40 سنة، أواخر السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، كنت طالبا في جامعة سطيف، وكنت أتناوب على ( الآذان ) في مسجد الطلبة مع الأخوين ( الدكتور بوذراع ابراهيم ، والاستاذ العربي بزغود ) ... فجر كل يوم لما أذهب لفتح المصلى، كنت أجد عمي ( لخضر ) ينتظر، وكان يدخل ويتجه مباشرة إلى يسار الصف الأول، يصلي ركعات ثم يجلس يذكر الله،
كان الشيخ الوحيد الذي يأتي لمسجد الجامعة في ذلك الوقت، علمت أنه كان يسكن في حي (المعبودة ) ويقطع الغابة ليصل للجامعة ...
كنا نتبادل السلام والتحية والسؤال عن الاحوال، مع الايام أصبحت بيننا علاق متينة، فكنا نستأنس ببعض،
في بعض المرات أرافقه، بعد الصلاة، إلى بيته وارجع إلى الحي الجامعي،
كنت شغوفا بمعرفة تاريخ الرجال، وتاريخ المنطقة، فكان يكلمني عن جزائر ما قبل الثورة، وخاصة مجازر( 8 ماي 1945) ، وكيف نجا منها بأعجوبة، كان عمره وقتئذ 21 سنة، فهو من مواليد 1924، ثم يكلمني عن ثورة التحرير، البطولات، الشهادة، الاصرار، القنابل، الطائرة الصفراء، الوحشية الفرنسية ...
كنت أستمع له وانصت باهتمام ... لا ولن أنسى أبدا غزارة الدموع التي تنسكب من مقلتيه وهو يتكلم عن جرائم فرنسا ومعاناة الجزائريين ... كان سريع البكاء، سريع التأثر ... شديد الحياء ...
أثناء العطلة الأسبوعية أكون مع (سيدي عمار) رحمه الله في بيتنا، وأيام الدراسة في الجامعة مع ( عمي لخضر ) رحمه الله في الجامعة، كنت أحس أنهما من طينة واحدة رغم أنهما لم يلتقيا ...
تمر السنوات، وأتحصل على منحة دراسية في الخارج، وبعد أربع سنوات أرجع إلى الجزائر بشهادة الدكتوراه، وأتعين مدير الدراسات العليا بمعهد الكيمياء الصناعية لجامعة سطيف ... وأسكن غير بعيد عن الجامعة ... ومن حين لآخر كنت أشرف على الدروس في مسجد الجامعة، خاصة دروس السيرة والاخلاق ... وفي أحد الايام، وفي مسجد الجامعة، تقدمت من عمي لخضر، ألقيت عليه السلام، كان قد تقدم في السن، نظر إلي مليا، ثم احتضنني واجهش بالبكاء، حضنه لم يكن أقل من حضن سيدي عمار، ورجعت العلاقة معه أقوى مما كانت ... في إحدى المرات دعاني إلى عرس زفاف إحدى بناته وهناك تعرفت على أبنائه، لم أكن أعرفهم من قبل ( الدكتور ناصر ، اسماعيل ، الزبير، عيسى ) ... كل واحد منهم لي معه قصة وحماية،
استمرت العلاقة مع عمي لخضر إلى أن وافته المنية سنة 2019 رحمه الله ...
صاحب الصورة (عيسى) الذي زرته يوم أمس الثلاثاء بعد أن علمت أنه مريض، علمت ذلك من خلال هذا الفضاء، سألت عن إقامته قيل لي هو في بيت والده، فذهبت لزيارته، الدار أعرفها جيدا، نفس المكان، نفس الترتيب والنظافة ...
هذا (عيسى) أمره غريب وعجيب، عدة رجال في رجل واحد، كل ما تفكر فيه وما لا تفكر فيه هو يفعله ... عالمه ومحيطه هو عالم الفن والمسرح والموسيقى والرحلات والزواج والطلاق والسهرات وخدمة الأيتام وإعانة المحتاجين ...
لما دخلت عنده يوم أمس، وهو على فراش المرض، إبتدرني بالسؤال : إلى أين تذهب قضية فلسطين وغزة والمقاومة مع هؤلاء الملاعين حفدة الخنازير، وداعميهم من الصليبيين الحاقدين والاعراب المنافقين ؟
قلت : ذاهبة إلى خير، ولها نتائج مبهرة، من خلالها عرفنا المؤمن الصادق والمناطق المخادع، ومن خلالها استفاق العالم على كيد ومكر وكذب الصهيونية، وإن شاء الله ستتوقف الحرب وتستعيد فلسطين وغزة عافيتها وتستمر المقاومة ... وستكون جولات أخرى ...
تكلمنا عن موضوع المقاومة، ونتائجها المبهرة رغم قلة الوسائل وضعف الإمداد وخذلان دول الطوق .
قال : الحمد لله أن الجزائر لها موقف مشرف نستطيع أن نرفع به رؤوسنا .
قلت : الجزائر لم ولن تتخلى عن فلسطين وعن عقيدتها التي ترسخت منذ عهد صلاح الدين وسيدي بومدين ... لم نسمح في فلسطين ونحن تحت الاحتلال فكيف نسمح فيها الآن.
قال : هذا الذي يغيظ فرنسا الحاقدة التي لن تنسى أبدا حرب التحرير وكيف اندحرت وهي تجر أذناب الخيبة، وبفضل الجزائر والإسلام استقلت كثير من الدول، وإن شاء الله ستخرج نهائيا من افريقيا، وبذلك هي تحرك أذنابها الذين دستهم بيننا ...
وراح يحكي على صنصال الخائن، وداوود المرتزق وغيرهم ... وعن كتابات السيد الوزير جعبوب التي كشفت المستور والسقطة الكبرى التي سقطها نسيب روتشيلد، ماكرون الماكر ...
ثم قال : يجب أن نتعاون جميعا لحماية الجزائر وإعلاء راية الاسلام،
قلت : يا عيسى لن نستطيع أن نتكلم عن الإسلام ونحن تائهين بعيدين عن تعاليمه
قال : تقصد أنني غير ملتزم بأحكام ديننا ... ادعيلي ربي يهديني وأكون مثل عمر بن الخطاب
قلت : أنا دوما ادعو لك منذ أن عرفتكم، وانت تعرف علاقتي لعمي لخضر ربي يرحمه، وتوبتك ستفرحه في قبره
قال : الأمر بيد الله وإنني عازم على ذلك، ربما هذا المرض فيه خير .
استبقاتي معه ساعة أو أكثر، تشعب بنا الحديث في ثلاثة مواضيع:
الجزائر
فلسطين
الإسلام
ثم بدأ يحكي لي عن المسرحيات والافلام التي شارك فيها :
واحد عن مجازر 8 ماي
آخر عن فاطمة نسومر رحمها الله واستفاض في الحديث عنها وعن بطولاتها
وثالث عن المقاومات الشعبية
ثم قال لي : أفضل مسرحية لعبت فيها كانت عن الشيخ البشير الابراهيمي هذا الرجل العظيم الذي لم نعطيه حقه ...
توقف ثم أردف قائلا : وأفضل لقطة هي التي تحكي عن الاجتماع التاريخي الذي كان هنا في سطيف سنة 1943، والذي ضم كل من : الشيخ البشير الابراهيمي ومصالي الحاج وفرحات عباس ورئيس الحزب الشيوعي الجزائري، رغم اختلاف توجهاتهم ولكنهم اجتمعوا من أجل الجزائر ... وكان لهذا اللقاء آثار كبيرة ولكن للأسف لم يذكروه لنا ولم يدرسوه لنا في كتب التاريخ ...
حقيقة لم أكن أعرف هذه المعلومة، أمامه بحثت عن الموضوع عبر ( الشات ) فوجدت فيه معلومات كبيرة عن ذلك اللقاء، قرأناها معا ... وتساءلنا لماذا هذا التعتيم عن شيء ناصع من تاريخ أمتنا وشعبنا ورجالنا ورموزنا ...
وليترسل عيسى بتكلم عن الشبخ البشير الابراهيمي، ودوره في توعية الامة، والتحضير للإستقلال، وعن مئات وآلاف الجزائرييين والجزائريات الذين تخرجوا على يديه ويد أمثاله فحرروا البلاد، فمنهم من ارتقى شهيدا ومنهم من بقي إلى التحرير وساهم في بناء جزائر الاستقلال ...
حقيقة كانت جلسة ممتعة ... وقبل أن أغادر، قلت له : جميل أنك ورثت عن عمي لخضر حب الوطن وأتمنى أن ترث عنه حب الإسلام والعمل به، فتجمع الحسنيين ...
اغرورقت عيناه ... تذكرت بكاء أبيه رحمه الله ... اقترب وقت المغرب ... حاول أن يبقيني للعَشاء ... اعتذرت ... قبل أن أخرج قلت له : هل أكتب شيئا ... قال : إنني أتابع منشوراتك كلها، أكتب ما شيء لمليح واللي مهوش مليح لعل ذلك يكون عبرة لي ولغيري ... قلت : سأكتب إن شاء الله ولكن ليس كل شيء ... ضحكنا ... ودعته ... وأنا عند الباب قال لي : ربي يحرر فلسطين ويحفظ الجزائر ويعلي راية الإسلام ... وهذه أمانة : ادعيلي وقل لهم يدعو لي ربي يهديني ...
خرجت من عنده وأنا أتمتم : ربي يهدينا جميعا ويهدي هذه الأمة ويهدي حكامنا ... حقيقة عندنا رجال لم نحسن توجيههم ولم نحسن توظيفهم ولم نحسن الاستثمار فيهم ... أمامنا طريق طويل ... ولكن إن شاء الله الخير قادم ... وسننتصر ... ويومئذ يفرح المؤمنون ... والله من وراء القصد.